يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


زج العثمانيون بالعرب في ساحات الحرب العالمية الأولى يتلقون بصدورهم رصاص دول الحلفاء نيابة عن قوات الاحتلال التركية، ودفعوا فاتورة المعارك بـ300 ألف شهيد، بينما يواصل رجب إردوغان تزييفه للتاريخ حتى الآن، إذ استغل مناسبة الذكرى الـ99 لمعركة غاليبولي "جناق قلعة" عام 2014 التي تتجدد بها الأحزان العربية سنويا على الضحايا الأبرياء، موجها رسالة شكر للعالم الإسلامي ذاكرا دمشق وحلب وبغداد والقاهرة والقدس ورام الله ونابلس قائلا :"من أجل شهدائكم الذين يرقدون هنا جنبا إلى جنب مع شهدائنا صمدنا طويلا".
لم يكن العرب طرفا سياسيا فاعلا في الحرب التي اندلعت عام ١٩١٤، ولم يكونوا من المنتصرين ولا المنهزمين، ومع ذلك فقد قتل من أبنائهم وجرح الكثير لأن مئات الآلاف جندوا قسرا من الباب العالي في إسطنبول للقتال في حرب بين الدول الاستعمارية الكبرى.

قانون التكاليف الحربية
لم تكد تركيا تشترك في الحرب العالمية الأولى حتى بادرت إلى اتخاذ تدابير تعسفية بالولايات العربية، وأول ما فعلته تطبيق قانون التكاليف الحربية الذي سنته قبل ثلاثة أشهر ونصف الشهر في 14 يوليو 1914، وجاء فيه أن السلطات العسكرية تتولى الإشراف على جمع ضريبة التكاليف الحربية بالاستيلاء على الممتلكات والمؤن والحيوانات اللازمة لسير الحرب.
كانت "التكاليف الحربية" شديدة الوطأة على الأهالي، لا لأنها شملت كل ممتلكات سكان الولايات العربية فحسب، بل لأن أسلوب تطبيقها جاء صارما منفرا بعيدا عن روح الإنصاف، ويصف توفيق علي برو، موقف العرب من الحرب في كتابه "القضية العربية في الحرب العالمية الأولى" :"تلقاها سكان الأقطار العربية بكره ونفور، لعدم وجود المصلحة القومية المشتركة بينهم وبين حكومتهم، فلم يكن للدولة العثمانية أي رصيد من الحب بقلوب العرب بعد تاريخها الأسود".

السخرة في الخدمة العسكرية
صدر قانون الخدمة العسكرية في 29 أبريل 1914، ونص على خضوع كل فرد بالدولة العثمانية للخدمة العسكرية الإلزامية على أن يكون قد أكمل العشرين من عمره، وبادرت الحكومة إثر إعلان التعبئة العامة إلى دعوة كل فرد بالسلطنة إلى حمل السلاح، غير أن تنفيذ القانون جاء مخالفا لأحكامه، فقد راحوا يتشددون وينكلون بالعرب، ويجندون كل من وجدوه قادرا على حمل البندقية سواء كان أصغر من السن المحددة للتجنيد أو غير لائق بدنيا.
تضمن الأرشيف التركي وثيقة مهمة صادرة بتاريخ 3 أغسطس 1914 نصها :"يعتبر كل شخص من مواليد ما بين عامي 1869 و1882 في أراضي الدولة العثمانية من المسلمين وغير المسلمين مطلوبا للخدمة العسكرية، ويجب عليه الالتحاق بشعاب تجنيده من تلقاء نفسه دون انتظار التبليغات"، كما فرضت حظرا إعلاميا حول تجهيزات الجيش، واعتبار كل صحافي ينشر أخبار الجيش أو الموظفين العسكريين متهما "بالخيانة الوطنية" إلى جانب حرمانه من استمرار العمل الصحافي تحت أي اسم كان.
أما عن كيفية سوق المجندين العرب إلى الحرب فحدث ولا حرج، فقد تولى جمال باشا وفخري باشا مهمة التجنيد، فأخرجا ما بهما من عداوة وغل تجاه الجنس العربي، فكان نصيبهم قاطرات الحيوانات يشحنون فيها بعضهم فوق بعض، بينما الجنود الأتراك ينقلون في قاطرات الركاب، وأجبر العرب على حمل الأمتعة والتجهيزات الثقيلة إلى مسافات طويلة بدلا من نقلها على الحيوانات، وبلغ عدد الجنود الذين جمعتهم الدولة من القرعة العسكرية أكثر من نصف مليون شاب عربي، وطبق في سورية قانون يقضي بإبعاد عائلات الذين اعترضوا على التجنيد الإجباري إلى الصحراء ثم قتلتهم. 
سجل بشارة خليل الخوري أول رئيس للجمهورية اللبنانية بعد الاستقلال في كتابه "حقائق لبنانية" الموقف من التجنيد الإجباري خلال الحرب فيقول :"كان حسني بك رئيس شعبة تجنيد العسكر في بيروت، ولما كان الأهالي يكرهون الدولة العثمانية كغيرهم من سكان الولايات الأخرى، لذلك لجأ عدد كبير منهم إلى جبل لبنان، وبعض المدن والقرى الساحلية هربا من الخدمة العسكرية، وكلما مرت أيام الحرب ازدادت حاجة تركيا إلى المجندين، فكانت فرقة المطاردة تطارد الشبان في كل مكان، وتفاجئهم في الليل والنهار في منازلهم والشوارع، ما أدى إلى فرار الكثيرين، كما صدر أمر إنزال عقوبة الإعدام على كل فار من الخدمة، حتى وصل الأمر إلى محاولة الكثيرين الفرار حتى بعد دخولهم الخدمة العسكرية".

شهداء غاليبولي
شهدت الجبهة الغربية في قلب أوروبا نوعا من البطء بعد عام على بدء الحرب، وبدا أن الحرب ستستمر طويلا وتستنزف قوى الدول المشاركة، فيما بدأ القلق ينتاب البعض من أن قدرة ألمانيا الصناعية قد تعطيها القدرة على الاستمرار لوقت أطول، ما دفع العسكري البريطاني الطموح آنذاك ونستون تشرشل، للتفكير في الالتفاف على الجبهة الغربية وضرب حلفاء ألمانيا وتعزيز الموقف الروسي بدخول إسطنبول.
كان الطريق إلى إسطنبول يستتبع المرور عبر مضيق الدردنيل وبالتحديد شبه جزيرة غاليبولي، اعتقد الإنجليز أن دخولها سهل نظرا لضعف الجيش العثماني، كتب ونستون تشرشل لأحد أصدقائه "سيكون ثمن الحصول على غاليبولي كبيرا لا شك، ولكننا على الأقل سنُخرج تركيا من الحرب، وسيكون كافيا أن نستخدم قوة من 50 ألفا مع قوتنا البحرية لنكتب نهاية الخطر التركي".
عندما شنت قوات الحلفاء هجومها يوم 25 أبريل 1915، لم تكن القوات التركية لديها الذخيرة الكافية، إلا أن القائد مصطفى كمال أصدر التعليمات "إني لا آمركم أن تقاتلوا، بل آمركم أن تموتوا هنا"، ولم يكن الجنود من الأتراك فحسب بل معظمهم من العرب، وأسقطت المعركة أكثر من 250 ألف قتيل أغلبهم عرب.
كشف المؤرخ التركي أنس دمير في كتابه "شهداء من العالم الإسلامي في ملحمة الدفاع الأخيرة ـ جناق قلعة" مساهمات العرب في تحقيق انتصار "غاليبولي" على جيوش الحلفاء عام 1915 ومحاربتهم إلى جانب الجيوش العثمانية، وهي تعد أكبر انتصار للعثمانيين على الحلفاء الذين سعوا إلى احتلال إسطنبول، حيث رصد أسماء الشهداء العرب وأبرزهم من مدينتي حلب والباب السوريتين، فقدمت حلب 972 شهيدا والباب 157، كلهم سقطوا خلال دفاعهم عن عاصمة الدولة العثمانية.
كما سجلت وثائق الحرب العالمية الأولى أن 2615 لبنانيا استشهدوا خلال قتالهم في صفوف الجيش العثماني، أعمارهم تتراوح بين 15 و50 سنة، منهم من قتل على الفور أو أصيب واستشهد بعد فترة وآخرون لقوا مصرعهم بسبب الصقيع أو الإصابة بأمراض مختلفة أو فقدوا خلال فترة القتال.

خسائر عسكرية بالجملة
قاد جمال باشا الجيش التركي الرابع لعبور قناة السويس واحتلال مصر عام 1915، بعدما جند فرقا عربية كبيرة لغزو القاهرة، فاخترق صحراء سيناء التي تفتقر لطرق المواصلات فكانت القوات العربية تصل إلى القناة منهكة القوى لتحصدها البوارج البريطانية بمدافعها، ومع أن بعض القوات استطاعت اجتياز القناة إلا أن الهجوم فشل ولم ينج من الجيش إلا القليل، ومنيت الحملة بالفشل في 3 فبراير 1915 وسقط 1500 جندي قتلى، وتجرعت القوات العربية بالجيش العثماني مرارة الهزيمة في معركتي مغضبة ورفح على الحدود المصرية مع فلسطين تحت قيادة الجنرال اللنبي.
وشهد عام 1918 سلسلة معارك ضارية خسرت خلالها الدولة العثمانية أراضي كثيرة وراح ضحيتها آلاف العرب الأبرياء، الذين أجبروا على التجنيد في صفوف المحتل التركي، في غزة ومجدو وشرق الأردن وطولكرم، حتى جرى الاستيلاء على المقر الرئيس للجيش العثماني السابع في معركة نابلس 25 سبتمبر 1918.
يذكر توفيق علي برو في كتابه "القضية العربية في الحرب العالمية الأولى" المرارة والحسرة التي انتابت الولايات العربية مع نهاية الحرب بقوله :"خسر العرب خلالها أكثر من 300 ألف شهيد من شبابها وأكثر من 20 ألف جريح مات أغلبهم من الإهمال الطبي".

Qatalah