يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


العثمانيون خربوا الجزائر، مزقوها إلى إقطاعيات متناحرة، وسخروا شعبها للخدمة فيها، فانتشر الفقر وسادت الأمراض والمجاعات ليتراجع تعداد السكان إلى حدود مرعبة هددت بفناء الأرض ومن عليها، ليسلم السلطان مفاتيحها باليد إلى الاحتلال الفرنسي، ويتواصل مخطط الإبادة بتقديم مليون شهيد لانتزاع الاستقلال.

تفككت الجزائر تحت الاحتلال العثماني، وباتت منذ العام 1827 أرضا هزيلة، لا حقل فيها ولا جيش، بفضل هجمات الوالي وعصاباته التي أطلقها على الفلاحين لجباية المال واقتلاع الزرع من الجذور، وحين هبط الفرنسيون سواحلها عام 1830 تمت عملية الاستلام والتسليم دون أن تطلق بنادق الاحتلالين رصاصة واحدة.

الجزائر.. خرابة العثمانلي
عجز العثمانيون عن بناء مجتمع حديث بسبب سيادة القبلية، ولم يرتقوا إلى مفهوم المواطنة، فتعاملوا مع الشعوب المحتلة خاصة العرب باعتبارهم في "مرتبة أدنى" من الترك، هكذا كان الحال والاحتلال في الجزائر، حرم العرب من الانضمام إلى الجيش أو إدارة شؤون بلادهم.

ولاء الجيش العثماني في الجزائر كان للمال ولمن يسدد رواتب العسكر، سواء كان أجنبيا أو تركيا، فانتشرت الفتن بين الجنود واضطرب الأمن وباتت مشاهد السرقة والنهب يومية في البلاد، رصد المؤرخون أحوال الجزائر قبيل الاحتلال الفرنسي، وتذكر الدراسات التاريخية أن عهد العثمانيين تميز بكثرة الثورات بسبب التهميش وقسوة الضرائب.
أغلب ولاة الجزائر انتهت فتراتهم بالاغتيال أو الإعدام على يد الثوار، فيما تدهورت الحالة الصحية والمعيشية للسكان بشكل ملحوظ، فانعكست على تراجع القوة البشرية بسبب انتشار الأوبئة والأمراض، فضلا عن الأوضاع الاجتماعية المتأزمة بسبب الاضطرابات بين الإنكشارية والیهود وكذلك الثورات الداخلیة.

إهانة القنصل الفرنسي
عرف الداي أو الوالي الأخير للجزائر حسين باشا بتفضيله لليهود، حيث منحهم امتيازات وتسهيلات مكنتهم من التحكم في تجارة الحبوب وتصديرها، مثل التاجرين اليهوديين بكري وبوجناح اللذين صدرا حبوب الجزائر إلى فرنسا، خاصة في فترة الثورة وما تبعتها من أزمات، وتراكمت الديون على باريس، وزعمت أنها تجاوزت 24 مليون فرنك، فتشكلت لجنة للمراجعة وقدرتها بإجمالي 7 ملايين فرنك فقط.
دفعت الحكومة الفرنسية 4.5 مليون فرنك إلى التاجر بكري، وأبقت 2.5 مليون في صندوق لدفع المستحقات عن المدينين للمرابي اليهودي، فيما ادعى الداي العثماني أن له ديونا عند بكري، فأسكته الأخير ببقية المبلغ المحفوظ في الصندوق الفرنسي، وحاول الداي التواصل مع ملك فرنسا للحصول على أموال الصندوق، لكن الأخير رفض الرد.

زار قنصل فرنسا الداي في قصره في العام 1827، وسأله المضيف عن رد الملك فقال القنصل: "رده ألا تكتب إليه مرة أخرى، وأن تكون مراسلاتك إلى القنصل"، فاغتاظ وكانت بيده منشة لطرد الذباب عن وجهه، فضرب بها القنصل وسب الملك. طلبت فرنسا اعتذارا رسميا من الداي فرفض، فحاصرت الجزائر بحرا، ورد العثمانلي بتدمير المنشآت الفرنسية في البلاد.
تولى الليبرالي جان باتيست مارتيناك رئاسة وزراء فرنسا عام 1828، ولم يجد منفعة من الحصار، فأرسل مبعوثا إلى الداي للتوصل إلى حل سلمي، لكن الأخير تعنت مرة أخرى، بل وقصف سفينة المبعوث الفرنسي، فقررت باريس شن حملة عسكرية على الجزائر للانتقام لشرفها ومحاربة القراصنة الأتراك فضلا عن الأطماع الاقتصادية للحاق بالاستعمار البريطاني، فخرجت الحملة العسكرية عام 1830 وبعد 20 يوما دانت لهم الولاية العثمانية دون مقاومة تركية.

تواطؤ تركي
سقوط الجزائر السريع كان متوقعا بسبب انفراد الداي حسين بالسلطة وانعزاله عن الناس واعتماده على فئة قليلة من الجنود والأقارب وعدم اهتمامه بتكوين جيش منظم وتفضيله لليهود باحتكار تجارة الحبوب مع الخارج، أما عن أحوال الحكام الترك فكان منهم الباي حسان الذي ترأس بايلك الغرب، وكان شيخا كبيرا لم يطمح إلا للسكينة ولم يكن مؤهلا لمواجهة الفرنسيين.
علم الداي بانطلاق الحملة الفرنسية قبلها بـ 6 أشهر، وكان يعلم مكان إنزال القوات في سيدي فرج، ورغم ذلك لم يحصن المدينة، حيث اقتصرت دفاعاتها على 300 فارس فروا حين نزل الفرنسيون إلى البر، ولم يلق الاحتلال الجديد أية مقاومة من الحامية التركية.

حين تأكد الداي من إنزال الجيش الفرنسي في سيدي فرج شعر بالخوف على نفسه وسلطته، فدعا الأعيان إلى اجتماع لمناقشة الأمر، فأشاروا إليه بالمقاومة والاستشهاد، لكنه فضل الاستسلام، وارتكب الداي خطأ فادحا بإعدام قائد جيشه البارع الأغا يحيى، وعين بدلا منه صهره الأغا إبراهيم، عديم الخبرة في القيادة والقتال، ووصفه الشريف الزهار بأنه "مثل الحمار لا يعرف إلا الأكل والنكاح".

فرار الأتراك
مهد تعيين الأغا إبراهيم على رأس الجيش الطريق للاحتلال الفرنسي لاستلام الجزائر، وادعى القائد العثماني امتلاكه 5 آلاف من المغامرين الذين يذهبون ليلا إلى معسكر العدو ويشيعون فيه الفوضى والاضطراب حتى يقتل الفرنسيون بعضهم بعضا، في المقابل رفض القائد حفر الخنادق حول العاصمة، وقال: "إننا نحن الخنادق الحقيقون، وسنكون تعساء إن عجزنا على حماية جيشنا".

هبت قبائل الجزائر للدفاع عن وطنها وانضمت إلى القوات التركية، ووصل عدد الجيش تحت إمرة الداي إلى 80 ألف مقاتل أغلبهم من فرسان القبائل، ولم يكن الترك حريصين على رد الهجوم الفرنسي، فمنعوا السلاح عن القبائل وكذلك المؤن والذخيرة.

اشتبك الأتراك مع الفرنسيين بعد أن تشجعوا بمساندة القبائل، ولكن القائد التركي الأغا إبراهيم فر من المعركة وترك العتاد والمؤن غنيمة للفرنسيين، وكتب الزعيم الوطني الجزائري حمدان خوجة "جاء الأغا إبراهيم ليحارب فرنسا دون جيش منظم ودون ذخيرة ومؤن، حيث كلل بهزيمة شنعاء في موقعة سطوالي وهرب من المعركة تاركا جيشه ومخيمه، واختفى في دار ريفية مع بعض خدمه"، لم يعزل الداي حسين الأغا إبراهيم الجبان، ولكنه أرسل إليه من يسترضيه للعودة فرجع، وحين وقع الصدام مع الفرنسيين في سيدي خالد وقلعة الإمبراطور فر مجددا.

استسلام الداي
أرسل الداي حسين باشا رسله إلى قائد الجيش الفرنسي دوبرمون يعرض عليه الاستسلام مقابل ضمان سلامته الشخصية، وطلب أن تضمن معاهدة الاستسلام حماية أملاكه والإنكشارية، وسلم الشعب الجزائري للفرنسيين على طبق من ذهب، وفر بثروته إلى مصر، وترك خزانة الجزائر للفرنسيين وكانت بها كميات من الذهب والفضة تقدر بـ 25 مليون فرنك.

يقول المؤرخ صالح عباد في كتابه "الجزائر خلال الحكم التركي" إن "الداي لم يترك الخزانة سالمة فحسب للفرنسيين، بل سلم البلاد بكاملها مقابل تأمين حياته وحياة حاشيته وحياة الإنكشارية، فرحل تاركا رعيته تقاوم الاحتلال دون مال أو سلاح"، واستسلم الباشا حسان حاكم وهران مقابل الخروج آمنا بثروته وآثاث قصره ومصوغاته.

تعاون باي تونس التركي حسين باشا مع القوات الفرنسية وقدم لها المساعدة في أثناء غزو الجزائر، ولعب دورا لاحقا في معاونة الاحتلال الجديد على محاربة المقاومة الوطنية، أما فئة الكراغلة التركية فتعاونت مع الفرنسيين ضد المقاومة بزعامة الأمير عبدالقادر حرصا على مصالحها وكرها في العرب، فضلا عن انضمام جنود أتراك إلى الجيش الفرنسي منذ العام 1831.

مقاومة وخيانة
اجتمعت قبائل بني هاشم وبني عامر والرجية في إقليم وهران، وأسندوا قيادة المقاومة إلى الشيخ محيي الدين والد الأمير عبدالقادر، وشارك الأخير مع والده في الانتفاضة التي حققت انتصارات كبيرة، لكن العثمانيين تسببوا في وأدها بالقبض على الأمير عبدالقادر وتأليب القبائل ضد بعضها البعض.

نسيت الدولة العثمانية مسألة الجزائر، واهتمت أكثر بالحفاظ على صداقة فرنسا على حساب الشعب الجزائري، وبعد سقوط الدولة وقيام الجمهورية ساندت تركيا فرنسا في قمع المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين، وامتنعت عن التصويت على قرار أممي يعترف باستقلال الجزائر عام 1962.

المصادر :

2 - سهل وليد: حمدان خوجة ونشاطه أواخر العهد العثماني وبداية الاحتلال الفرنسي
3 - بقبق الزهرة: الأمير عبد القادر في الأسر

Qatalah