يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بعد سلسلة من المؤامرات والمكائد، انتهت بقتل عمه السلطان عبد العزيز، ثم خلع أخيه مراد الخامس، اعتلى السلطان عبد الحميد العرش، ممسوسًا بخوف غامض من اغتياله والتآمر عليه، دفعه لمراقبة كل شيء، ومحاصرة كل شيء، حتى أنه أوشك أن يعدّ على الناس أنفاسهم.

كان قلق السلطان على حياته كبيرا، إلى حد أصبح خوفه من الاغتيال بمثابة هاجس دائم، وصار يشك بكل من حوله، حتى ندمائه ووزرائه وجنرالاته، ولعبت مخاوفه على حياته دورا في تدشين جهاز مخابراتي بوليسي وتشكيلات أمنية سرية، تتبعه مباشرة، أطلق عليها نظام "الخفية" أو "المابين".

برر عبد الحميد لجوءه إلى الدولة البوليسية ونظام الجاسوسية بقوله: "إن التجسس أمر ضروري في بلادنا لأنه لا يوجد في أي بقعة من بقاع الأرض مؤامرات ودسائس مثل التي في السلطنة العثمانية، لقد تعرضت لمحاولتي اغتيال والفضل في نجاتي يعود إلى بعض رجالي المخلصين".

استخبارات يلدز
عبد الحميد اعتمد في التصدي للمعارضة على تنظيم "الخفية" منذ عام 1880، واستحدث وزارة خاصة للبوليس، وترتب على ذلك استبدال منصب مشير البوليس القديم الذي كان يدير شرطة إسطنبول، بوزارة للبوليس حرص عبد الحميد على إسنادها إلى أكثر أمناء سره وثوقا.

أحمد جمال الدين باشا تولى رئاسة جهاز الخفية، ثم عزله السلطان بعد عدة أشهر، بعد تقارير من فرق جواسيس كونها السلطان بنفسه تفيد بزيارة جمال باشا مراد الخامس في محبسه، وعين مكانه فهمي باشا، وهكذا احتفظ السلطان بقوتين للبوليس تتجسس إحداهما على الأخرى، علاوة على تجسسها على المواطنين.

قام فهمي باشا بوضع نظام محكم لمنظومة جواسيس الخفية، والتي أقيم لها دائرة (قسم خاص في قصر يلدز) خاصة في المابين، وكان رئيسها يدعى بمدير السياسة الداخلية، أو مدير سياسة المابين، وكان لتلك الدائرة فروع متعددة ومتشعبة داخل وخارج الدولة، إذ كان موظفوها ينتشرون في كل الإدارات الحكومية.

تكون جهاز الخفية من مشير المابين، ثم رئيس المابين، ويليه كاتب المابين الهمايوني، وكانت هذه المناصب كالنظارات (الوزارات)، ومن يشغلها يصبح له نفوذ أكبر من نفوذ النظار وقادة الجيش، بالإضافة إلى رئيس استخبارات ومشاورين ومرافقين وضباط الخدمات، ومكاتب للبرق، وغرف للشفرة، وقسم خاص للمترجمين.

قصر يلدز كان مدينة استخباراتية مستقلة عن أجهزة الدولة، كل الأمور مرهونة ومرتبطة به، وسيطر فهمي باشا رئيس المابين على سمع السلطان وبصره، وامتدت يده إلى كل شؤون الدولة، فأصبحت الأمور المالية والجيش والشرطة وسائر العلاقات الدولية تدار من داخل السراي، وكان رئيس المابين يعين ويعزل الصدور العظام والوزراء والولاة.

اتبع عبد الحميد أسلوب منح ترقيات لضباط الجيش كسبيل للإبقاء على إخلاصهم له، وفي الوقت نفسه لم يسمح بإجراء ترقيات أو تغيير في الرتب العسكرية إلا بعد تقديم جهاز المابين تقريره عن هؤلاء الضباط، كما حدث في شهر يوليو 1908، حينما قام بحركة ترقيات كبيرة لضباط الأسطول والجيشين الثاني والثالث، وذلك قبيل نشوب انقلاب جمعية الاتحاد والترقي عام 1908.

نظام الخفية
تمتع الجواسيس بمكانة ممتازة في ظل جهاز الاستخبارات الحميدي، وتطوع المجرمون والمساجين الخطرون في الجاسوسية، طمعا في كسب المال وإسقاط الأحكام القضائية عنهم، وأعدوا تقارير عن أعمال وآراء رجال الطبقة البيروقراطية، وهي التقارير التي استخدمت في ترقية المؤيدين للسلطان أو إنزال العقوبات على المعارضين، وبلغ من انتشار الجاسوسية أن وصفها معارضو عبد الحميد بـ"الوباء الذي اجتاح السلطنة".

استخبارات يلدز تكونت من عدة أقسام، اختصت كل واحدة منها بإقليم معين، أو جماعة فكرية ودينية محددة، ولم يتورع عبد الحميد عن تجنيد دراويش الطريقة الصوفية المولوية، وكون منهم "وحدة الاستخبارات المجدوبية" أي الدراويش، واتخذوا من تكية "مولوي خانة يني كابي" مقرا لأنشطتهم الاستخباراتية، وكان هؤلاء يلبسون ملابس الدراويش حتى لا يثيروا الشكوك حولهم، وانتشروا في كل شوارع إسطنبول. 

لم يقتصر نشاط الجاسوسية على أراضي الدولة العثمانية، بل تعداه إلى خارجها، فقد اعترف عبد الحميد في مذكراته بوجود عملاء له في طهران عاصمة الدولة الصفوية، حتى المنفيين الأتراك وضع عليهم عن طريق السفارات العثمانية في الخارج رقابة دائمة، وكان منير باشا السفير التركي في باريس يزود السلطان بتقارير عن نشاط المنفيين الأتراك في فرنسا، وتمكن جهاز المابين من إثارة الشكوك حول هؤلاء، حتى قامت شرطة باريس بالقبض عليهم.

بلغ عدد أفراد جواسيس المابين 20 ألف جاسوس، وأنفق السلطان عليهم 1.5 مليون جنيه إسترليني سنويا، وهو ضعف المبلغ المخصص لوزارتي الداخلية والمعارف في عهده.

دولة الجاسوسية
أصبحت تقارير وتحريات جواسيس الخفية أكبر سبب للتنكيل بالناس ونفيهم بدون ذنب، وامتد نشاط المابين ليشمل مراقبة المواطنين في المدن والقرى كافة، حتى رؤي أن الناس لم يسلموا من التجسس عليهم حتى في بيوتهم، وقيل إنه إذا شوهد ثلاثة أشخاص يتحدثون في شارع فإن أحدهم جاسوس بالتأكيد، وأنه إذا اجتمع ثلاثة أشخاص في مقهى فلابد أن يخامر كل واحد منهم الشك بأن أحد زميليه جاسوس، وكانت معظم الاعتقالات تتم ليلا.

انعدمت الطمأنينة بين الناس لدرجة أن أحدا لم يكن يستبعد مداهمة الجواسيس لداره ليلا، حيث ينتهي به المطاف إما إلى زجه في السجن، أو نفيه إلى بقاع نائية.

أشاع جواسيس عبد الحميد جوا من الفزع والرعب في البلاد، وهو ما انعكست آثاره على حرية التعبير، فكان الخوف من وشاية الجواسيس قد كمم الأفواه، واضطر الناس إلى أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأن يتقبلوا الجور والإرهاب بصبر واستكانة، خشية أن يساقوا إلى المعتقلات والسجون لأسباب وهمية.

غدت الجاسوسية وسيلة من وسائل الإيقاع بالخصوم، حيث أصبح في وسع أي شخص أن يبعث برسالة إلى أحد الجواسيس المعروفين يضمنها معلومات عن مؤامرة مزعومة، وعلى الفور تتجه فرق من البوليس السري للقبض على الشخص والزج به في السجن دون محاكمة.

ولم يدخر السلطان عبد الحميد وسعا من أجل فرض نفوذه على كل الأقاليم العربية، ودشن فريق من المخبرين والجواسيس تطوف العالم العربي، وتعمل على القضاء على نفوذ رؤساء الإقطاع والشيوخ المحليين، والقضاء على الشخصيات العامة أو إجبارها على السكن في العاصمة العثمانية، حتى تكون تحت سمع السلطان عبد الحميد وبصره.

قدم رجال الخفية تقارير تدين الشريف حسين بن علي، والذي ذاع صيته في بلاد الحجاز، وبدأت الأحزاب العربية تنادي به زعيما لدولة عربية كبرى، وهو ما أثار خوف عبد الحميد، فقام باستدعائه في عام 1893 للإقامة في إسطنبول، وبقي تحت الإقامة الجبرية مع أسرته حتى عام 1908.

استفحل نشاط الجواسيس في أوقات الاضطرابات السياسية، وهو ما حدث في أثناء مذابح الأرمن بإسطنبول في سبتمبر 1895، والتي تكررت في أغسطس 1896، إذ اشتد نشاط الجواسيس داخل إسطنبول وخارجها، وشهدت السلطنة اعتقال أكثر من 5 آلاف شخص ممن أظهروا امتعاضهم للمجازر، كما تلوثت يد أعضاء المابين بدماء عشرات المعارضين.

ووصل نشاط البوليس السري إلى التضييق على موظفي السفارات والقنصليات الأجنبية في إسطنبول، حتى تم منع الأنشطة الرياضية والترفيهية لأعضاء السلك الدبلوماسي، لاسيما بعد أن ادعت بعض التقارير الاستخباراتية أن السفراء الأوروبيين متعاطفون مع القضية الأرمنية، وأصدر عبد الحميد قرارا بإلغاء أي أنشطة ثقافية أو ندوات أو حفلات بالسفارات، بدعوى أنها ستتخذ غطاء لمؤامرات أرمنية ضد السلطان.

بلغ من تفشي الجاسوسية أن كان هناك جواسيس على الجواسيس، حتى سخر الناس من اهتمام السلطان بجواسيسه وقالوا: "لو تشعبت في بلاد الدولة العثمانية طرق السكة الحديد واخترقت سهولها وجبالها كما اخترقها جند الخفية، لكانت بلا ريب أغنى دول الأرض".

قمع الصحافة 
أغلق عبد الحميد الصحف التي تنشر أخبارا تمس سياساته في الحكم، لخوفه من أن تعترف الصحف بسلطته المطلقة أو تنقدها، وأمر جهاز الخفية بتضييق الخناق على الكتاب والصحافيين المعارضين، الأمر الذي دفعهم للهروب إلى خارج السلطنة، بهدف البحث عن فرص أفضل يمارسون فيها نشاطاتهم بحرية، وهذا ما حمل عبد الحميد إلى فرض قيود مشددة على السفر، كما اعتقل جيران الهاربين وفتح تحقيقات معهم.

لم يستسلم المثقفون المنفيون خارج السلطنة، فنددوا بحكم عبد الحميد عن طريق مطبوعاتهم وصحفهم، والتي تسربت إلى داخل الولايات العثمانية، مما دعا السلطان إلى مضاعفة أعداد الجواسيس، ووضع جميع مكاتب البريد تحت إشراف جهاز البوليس السري.

امتدت رقابة جواسيس الخفية إلى الكتب والمطبوعات، وكان يجب مراجعة الكتب أولا من قبل لجنة ذات صلاحيات واسعة قبل الطبع، وحظرت تلك اللجنة عشرات الكتب، لاسيما كتابات جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي، باعتبارهما معارضين لتوجهات السلطان في إنشاء الجامعة الإسلامية.

كما أنشأ عبد الحميد قسما للرقابة في وزارة المعارف، وكانت مهمته تطبيق قوانين الصحافة والمطبوعات على مدارس الفقه الإسلامي ومطبوعات الوزارة. وقد اهتم بمناهج مدارس الفقه الإسلامي وتفسير كذلك المدارس القرآن والأخلاق، وذلك لاعتقاده أن المسلمين المؤمنين لا يمكن أن يثوروا، وكذلك المدارس التبشيرية أخضعها للرقابة، ومنع المسلمين من الدراسة فيها، وكذلك المدارس العثمانية والاجتماعات العامة أخضعها للمراقبة.

نهاية دولة يلدز
اطمأن عبد الحميد إلى منظومة الدولة البوليسية الجاسوسية طوال حكمه، إلا أن القبضة الحديدية فشلت في حربها ضد جمعية الاتحاد والترقي، والتي تغلبت على جواسيس عبد الحميد في سالونيك لعدة أعوام، فلما علم بأمرها جواسيس الخفية أرسلوا عشرات التقارير إلى رئيس المابين بقصر يلدز، وأمر فهمي باشا بإرسال 500 جاسوس إلى سالونيك.

قدم جهاز المابين تقارير كثيرة تفيد بقيام ثورة على عبد الحميد عام 1908، لاسيما بعد أن قتلت جمعية الاتحاد والترقي أحد المخبرين في سالونيك، فأرسل فهمي باشا -رئيس المابين- الفريق الأول شمسي باشا الأرناؤوط، المعروف بولائه للسلطان عبد الحميد، من أجل أن يتولى قيادة عسكر مقدونيا والقضاء على تمرد الثوار، وأرسل معه فرقة من الضباط والعسكر، إلا أن الملازم عاطف بك عضو جمعية الاتحاد والترقي قام باغتيال شمسي باشا في شوارع مناستر في وضح النهار.

كما اغتالت جمعية الاتحاد والترقي عددا كبيرا من العسكريين والجواسيس، عندها قرر المابين إرسال ثلاثين ألفا من جنود الأناضول مكونة من ثلاث فرق، وقد امتنعت الفرق عند وصولها إلى سالونيك عن محاربة المتمردين، بل وانضموا إلى صفوفهم، عندها امتنع وكلاء المجلس عن إرسال جنود الأناضول إلى الروملي.

لم تستطع دولة عبد الحميد الجاسوسية من الصمود أمام ثورة الاتحاديين عام 1908، والذين تقدموا من سالونيك إلى إسطنبول على رقاب المنظومة الحميدية الهشة، ورغم أن جهاز الجاسوسية نجح في إطالة عهد عبد الحميد 33 عاما، لكنه مني بالفشل الذريع في النهاية.

أصدر الاتحاديون قرارا بإلغاء جهاز الجاسوسية وتسريح العاملين فيه، وصدرت قرارات إعدام عاجلة بحق كبار ضباط الشرطة السرية، لاسيما رئيس الجهاز فهمي باشا، والذي هرب إلى مدينة يني شهر، فألقى الأهالي القبض عليه وقتلوه بالحجارة والعصي، كما صدر حكم بالإعدام ضد عزت هولو باشا الكاتب العام للقصر، والذي تمكن من أن يهرب إلى خارج السلطنة، وهكذا طويت صفحة ذلك الجهاز السييء السمعة، والذي أحياه الاتحاديون مرة أخرى تحت اسم "التشكيلات المخصوصة" في 30 نوفمبر 1913.

Qatalah