يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تصدير السلاح إلى الجماعات المتطرفة في ليبيا، لا يحقق وحده طموحات إردوغان التوسعية في البلاد، والسيطرة على خيراتها، ما جعل الرئيس التركي يحاول تنشئة أجيال من الليبيين يدينون له بالولاء التام عن طريق إنشاء مدارس تركية في المناطق التي يسيطر عليها المسلحون لنشر أفكاره الإرهابية. 

تركيا غرست بذور مدارس "وقف معارف" في المجتمع الليبي خاصة في المناطق التي تسيطر عليها الجماعات والميليشيات التي تلقى دعما من أنقرة، ما يضمن لنظام العدالة التواجد بين الفصائل المسلحة في ليبيا عبر مدارس تنشر الفكر الإخواني المتطرف.

 منذ ثلاثة أشهر كشف وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في مؤتمر صحافي مع نظيره من حكومة الوفاق الوطني الليبي محمد طاهر سيالة، عن رغبة بلاده في افتتاح مدارس بليبيا، وفق وكالة الأناضول التركية الرسمية.

قال أوغلو  في كلمته بالمؤتمر الذي أقيم في العاصمة طرابلس:  وقف معارف سيفتتح مدارس جديدة في ليبيا، وسنواصل دعم المشاريع التنموية التي تقوم بها الوكالة التركية للتعاون والتنسيق(تيكا).

ثغرة للدخول
التقديرات الحالية تشير إلى أن قطاع التعليم شهد عمليات تخريب ممنهجة بعد الثورة الليبية، ما أفسد العملية التعليمية في البلاد والتي كانت تعاني بالأساس من التفكك، فيما ترك طوابير من حملة الشهادات العليا يواجهون غول البطالة. 

وفقا لجريدة الوسط الليبية فإن المنظومة التعليمية في ليبيا بدت اليوم مفككة وبحاجة إلى مضاعفة الجهود ومساعدة من المنظمات الدولية ذات الصلة، مثل الأمم المتحدة و (اليونيسكو) للخروج من دائرة الموت السريري.

المشهد التعليمي المتدهور في البلاد استغلته أنقرة ليكون مدخلا مناسبا للتوغل التركي، وثغرة تمكن أذرعها من اختراق العديد من المناطق  والسيطرة على عقول الأجيال المقبلة، لإفراز شباب يدين بالولاء لتركيا ويعتنق فكرها الإخواني المتطرف.

حكومة الوفاق الوطني الليبي منذ تأسيسها عام 2016 بقيادة فايز السراج المعروف بانتمائه للإخوان المسلمين وولائه لتركيا، عملت على تمهيد الطريق لاقتحام الأتراك قطاع التعليم الليبي المنهك بعد جلسات ولقاءات ومحادثات مع الأتراك خلال العام 2016.
ولم تضيع حكومة الوفاق الوقت، قامت في 2017 باتخاذ أولى الخطوات لدعم التوغل التركي في قطاع التعليم.

 وزير التعليم بحكومة الوفاق الوطني عثمان عبدالجليل التقى بالسفير التركي في ليبيا، أحمد آيدين دوغان، لبحث  أوجه التعاون المشترك في مجالات التعليم والبحث العلمي بالعاصمة طرابلس، حسب بيان لوزارة التعليم، بالحكومة ، عبر صفحتها بموقع فيسبوك.

وفق البيان بحث الجانبان آلية تنظيم المدارس في البلاد إضافة إلى إجراءات الطلاب الليبيين الدارسين بتركيا، ووضع برنامج المنح الدراسية لدرجتي الماجستير والدكتوراة والتبادل الطلابي بين البلدين في مجال تعليم اللغتين العربية والتركية.

السفير التركي، أشار إلى عزم بلاده تشكيل شراكة مع وزارة التعليم الليبية في مختلف البرامج و الأنشطة، لافتا إلى رغبة عدد من الشركات التركية في العمل بالقطاع فيما يخص إنشاء المدارس والتجهيزات التعليمية.

التعليم الفني
في مايو من العام الماضي سافر وزير التعليم الليبي عثمان عبد الجليل إلى  تركيا حيث التقى نائب رئيس وكالة التعاون والتنسيق التركية (TIKA), لبحث أوجه التعاون في مجال التعليم التقني والفني.

الطرفان اتفقا على تبادل الخبرات وتأهيل وتطوير المدربين العاملين بالكليات التقنية والمعاهد العليا التقنية والفنية الليبية، والمساهمة في صيانة الآلات والمعدات والمعامل والورش.

 فيما يخص تطوير المناهج بالمؤسسات التقنية والفنية الليبية تم الاتفاق على الاستفادة من التجربة التركية من خلال العمل على إيفاد 5 خبراء في 5 تخصصات مختلفة من الهيئة الوطنية للتعليم التقني والفني لدولة تركيا من أجل الالتقاء بنظرائهم الأتراك وزيارة المعاهد الفنية، ورفع كفاءة مدربي التعليم الفني المتوسط بليبيا، عن طريق إيفاد مدرب واحد في كل تخصص لدولة تركيا، ولمدة شهر بما لا يزيد على 5 مدربين في كل دفعة، فضلا عن إرسال متخصص لصيانة الآلات والمعدات وتدريب خريجي المعاهد المتوسطة من المتميزين لتطوير مهاراتهم، على أن يتم ابتعاث 35 خريجا لمدة شهرين، وتدريبهم على دفعتين مع ضرورة إرسال مشرفين لكل دفعة.

فبراير الماضي شهد لقاء جديدا بين وزير التعليم بحكومة الوفاق الوطني عثمان عبدالجليل، مع  السفير التركي في ليبيا سرحت أكسن بمقر ديوان الوزارة بطرابلس، لبحث عودة الشركات التركية لاستكمال مشاريع المؤسسات التعليمية المتوقفة.

الوزير الليبي أكد ضرورة إنشاء مدارس بديلة للمتهالكة والصفيح التي تطلقها وزارة التعليم، حسب ما نشرته الصفحة الرسمية للوزارة بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

اللقاء تناول إعداد برنامج ماجستير للطلاب بكلية التمريض في جامعة طرابلس، فضلاً عن مناقشة المنح المقدمة من الجانب التركي في مجال التعليم العام والعالي، فيما اتفق الجانبان على تجهيز المعاهد التقنية والفنية (أحمد شوقي) و( نصرالدين القمي)، لتسليمها لتركيا خلال الفترة القريبة المقبلة، إضافة إلى فتح أقسام للغة التركية في الجامعات الليبية، ومدرسة كبداية لتوغل وقف معارف في جسد المجتمع الليبي، خاصة المناطق التي تسيطر عليها حكومة الوفاق والميليشيات التابعة لها.

أماكن الصراعات
الأتراك يريدون التحكم في المنظومة التعليمية داخل الأماكن التي يسيطر عليها الإسلاميون لتضمن أنقرة  موطيء قدم لها من أجل نشر الفكر الإخواني عبر مدارسها.

على سبيل المثال في يناير الماضي قدمت الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (TİK) معدات وأجهزة إلى كلية الشريعة والقانون بمدينة أوباري في منطقة فيزان جنوب ليبيا التي تضررت في النزاعات التي شهدتها المنطقة في الفترة الماضية، وفي هذا السياق قامت الوكالة بتقديم المعدات والأجهزة للمكتب الإداري وقاعاته الدراسية في الكلية التابعة لجامعة الأسمرية الإسلامية.

في منتصف 2018 افتتحت وكالة (تيكا)، مختبرًا ومركزًا لتعليم قيادة الحاسوب، في يفرن غربي البلاد، بالتعاون مع فرع يفرن في وزارة الشؤون الاجتماعية الليبية.

توغل 
وفق موقع "أفريكان ديلي فويس" فإن ثناء المسؤولين المبالغ فيه للتعليم التركي والاستثمار في المؤسسات التعليمية بتركيا مطالبين بفتح مؤسسات مماثلة في ربوع ليبيا، يمهد لاستيلاء الأتراك على نظام التعليم في ليبيا لطرد مؤسسات جولن.

الموقع الإفريقي أشار في نهاية فبراير الماضي إلى اتفاق عثمان عبدالجليل وزير التعليم الليبي بحكومة طرابلس خلال لقاء مع المبعوث التركي إلى ليبيا، والنائب البرلماني عن حزب "العدالة والتنمية" في أنقرة أمر الله إيشلر على افتتاح معاهد تدريبية تركية في ليبيا إلى جانب مدرسة وكلية.

بداية مارس الجاري تقدم السفير التركي لدى طرابلس سرحت أكسين بمشروع لفتح مدرسة تركية في ليبيا لتدريس المنهج المعتمد لدى وزارة التعليم التابع لوقف معارف التركي، إضافة إلى تعليم اللغة التركية، ما رحبت به حكومة الوفاق.

الصفحة الرسمية لوزارة التعليم بحكومة الوفاق أوضحت أن السفير التركي تقدم بالمشروع إلى مدير مكتب التعاون الدولي بالوزارة د.سلطان عبدالنبي لمراجعته ودراسته من قبل الجانب الليبي، وتوقيعه و"العمل به في أقرب وقت ممكن".

خلال لقائهما تطرق الجانبان لمتابعة ما تم الاتفاق عليه في اجتماع وزير التعليم مع السفير التركي مؤخرًا، لبحث آفاق التعاون المشترك في مختلف الأنشطة والبرامج التعليمية بمقر ديوان الوزارة بطرابلس.

وقف معارف
في 2016 قال إردوغان لمسؤوليه  :"إذا قالت منظمة فتح الله إننا متواجدون في 170 دولة، عليكم التواجد في جميع الدول الـ193 الأعضاء في الأمم المتحدة".

وقف معارف تم إنشاؤه في عام 2016 بقانون مرره حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي لتأسيس مدارس إسلامية داخل وخارج البلاد لنشر الفكر الإخواني، حيث يعمل الوقف كأداة للتوغل خارج تركيا ونشر الفوضى واختراق الدول العربية والإسلامية بشكل خاص.

منذ 2017 انتشرت مدارس الوقف في 70 دولة حيث يسعى إلى تجنيد الملايين من الأطفال والشباب في مخطط لإعادة إحياء الدولة العثمانية وابتلاع خيرات الدول ونهب ثرواتها وانتهاك سيادتها.

موقع "ريكنوم" الإخباري الروسي، قال في تقرير نشره في يوليو الماضي، إن  التعليم في تركيا يعيش مأزقاً كبيراً، نتيجة سياسات إردوغان الفاشلة، متسائلًا: كيف سينشر التعليم في الخارج فيما يعاني تعليم بلاده؟.

 "ريكنوم" أكد أن غرض إنشاء المدارس سياسي صرف، يتمثل في نشر أيديولوجية الحزب الحاكم في أنقرة، وتقليص نفوذ حركة فتح الله جولن خارج تركيا، وفي ظل إغلاق آلاف المدارس لأسباب مختلفة، أكثرها بموجب الاشتباه فقط في تبعيتها لحركة جولن، في غالبية المناطق، وعلى رأسها الجنوبية، فيما تبين أن 52% من طلابها يتناولون السجائر والكحوليات، حسب تقارير رسمية، رصدت ارتفاع نسبة تناول المخدرات بينهم إلى 15%.

خلال الأيام الماضية زار وفد من وقف معارف التركي على رأسه عضو مجلس إدارة الوقف حسن يافوز ليبيا، التقى عدداً من مسؤولي حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ووفق وسائل إعلام تركية، تناول "دور وقف المعارف التركي في مساعيه إلى التقارب الثقافي بين الشعوب".

محمد أبوسنينة مقرر المجلس الأعلى للدولة (هيئة تابعة لحكومة الوفاق) أعلن ترحيب المجلس بالمشاريع التعليمية، قائلاً إن التواجد التركي في التعليم الليبي: "من شأنه إتاحة الفرصة أمام الطلبة للاستفادة من خبرات الدول الأجنبية في تجاربها في هذا المجال العربية منها والإنجليزية".

عبر أبوسنينة عن رغبة المجلس في الانفتاح على التجربة التركية، والاستفادة منها بما يتوافق مع القوانين والأنظمة، والتنسيق مع وزارة التربية والتعليم الليبية في المستقبل القريب لفتح الباب أمام الأتراك للعمل في مجال التعليم الليبي.

أحلام عثمانية
الكاتب عبدالله بوزكارت هاجم في مقال بعنوان "مؤسسة معارف التركية.. حصان طروادة إردوغان" نشره على موقع تركيش مينيت في نوفمبر 2017، الوقف الجديد الذي يستخدمه الرئيس التركي لخدمة أهدافه الشخصية وأحلامه التوسعية.

بوزكارت قال إن تركيا تنفق مليارات الشعب على النزعة التوسعية التي  تتخذ من نشر الفوضى والخراب نهجاً لها ولا تأتي بالخير أبداً لا لتركيا ولا للدول الأخرى.

أضاف " بناء المساجد والمؤسسات الثقافية والمنظمات الإغاثية خارج تركيا، ليس هدفه التوغل داخل الدول، لتكوين جماعات ضغط، أو لتيسير طريق التحكم في السلطة، للجماعات التي يحركها إردوغان في الخارج، والتي عادة ما تتبع فكرا متشددا، بالإضافة إلى خلق كيان إرهابي جديد هو وقف معارف".

تابع :"إردوغان يروج لنفسه عبر أتباعه، على أنه الخليفة أو الزعيم الإسلامي، لذا يستخدم مدارس معارف كأداة". 

يمضي الكاتب مشيرا إلى أن الرئيس التركي  يهدف لـ "توسيع قاعدة جماهيريته وأيديولوجية حزبه لتسميم عقول الأطفال، والانتشار في المجتمعات الأخرى، ويأمل أن تكون النتيجة تنشئة جيل من المسبحين بحمده، و المنتمين لفكر مجموعته خارج تركيا".

Qatalah