يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


إردوغان معجون بمياه زعيم حزب حركة النهضة التونسي راشد الغنوشي، فمن وحي أفكاره استلهم الرئيس التركي خط سيره، وعلى بساط مرجعيته السياسية بدأ يحبو في حزب الرفاة التركي حتى تمكن من القبض على جميع السلطات.
شرب رجب أفكار الغنوشي عندما بدأ حياته السياسية في الحزب ذي المرجعية الإخوانية لزعيمه الراحل نجم الدين أربكان، وهناك آمن التلميذ بأفكار أستاذه القائمة على الخداع والتلاعب بمشاعر الجماهير باستخدام الخطاب الديني المنمق، حتى بدأ البعض يتساءل "من يحكم تركيا.. إردوغان أم الغنوشي؟".
استغل الغنوشي البالغ 77 عامًا حالة الفوضى في تونس عام 2011 وعاد إليها من منفاه الاختياري في لندن، وفي ذيله مئات الثعابين الإخوانية الهاربة من جحورها لتبث سمومها في بلدان ما عرف بـ"الربيع العربي"، منذ تلك اللحظة يقدم إردوغان الدعم بلا حدود لالتهام ثروات تونس الخضراء بمنجل الغنوشي.
 

من يحكم تركيا؟
وجدت أفكار الغنوشي المتطرفة في تركيا بيئة خصبة للنمو بفضل حزب العدالة والتنمية الإخواني، وبفضل إردوغان الذي عمل على تنقيحها والإضافة إليها من وحي أفكاره باعتبارها "مشروعا إصلاحيا" ليكون حائط صد أمام مشروعات الأحزاب العلمانية واليسارية التي يدعي أنها "تعمل على طمس الهوية التركية".

 
يقول الباحث في المركز العربي التركي للتفكير الحضاري، زبير خلف الله :"لم يكتف المعجبون الأتراك بأفكار الشيخ راشد الغنوشي من أبناء حزب العدالة والتنمية، بل اعتبروا أن أفكاره هي التي ساهمت في نهضة تركيا من خلال حزب العدالة والتنمية الذي تبنى هذه الأفكار وترجمها إلى واقع ملموس حول تركيا".

يضيف في مقال بعنوان "من يحكم تركيا.. إردوغان أم الغنوشي؟" عبر موقع "ترك برس" الموالي لإردوغان: "الحاكم الحقيقي لتركيا هو راشد الغنوشي بأفكاره، أما إردوغان فهو التلميذ الذكي الذي حوّل أفكار أستاذه إلى حقيقة حين آمن بها بروحه وعقله كما آمن معه جيل شاطره الرأي في ضرورة التغيير".
 
يحاول إردوغان تقديم الغنوشي إلى الأوساط التركية بوصفه مفكرا وعالما دينيا، فيما يقف إعلامه عاجزا أمام محاولة تبييض ماضيه الأسود وسجله الإرهابي الحافل في تونس، حيث يأبى الشعب العربي نسيان اعتداءات الثمانينيات التي حملت توقيعه، ومنها وقائع حرق مراكز تعليمية وخطف مسؤولين وحوكم فيها بالسجن 11 عاما.
 
حصل الغنوشي عضو مكتب الإرشاد العالمي لتنظيم الإخوان على عفو في العام 1984، لكنه لم يقلع عن ممارسة هوايته المفضلة في الإرهاب تحت غطاء العمل السياسي، حتى تلقى حكما بالمؤبد عام 1987، ولم يكتف الرئيس الحبيب بورقيبة بالحكم، وطلب رفع العقوبة إلى الإعدام، وحال انقلاب زين العابدين بن علي في 7 نوفمبر من العام ذاته دون تمرير العقوبة.
 

قبلات متبادلة
يتبادل حزبا العدالة والتنمية التركي وحركة النهضة التونسي القبلات على الملأ، فبينما يسعى رجب وإعلامه إلى غسيل سمعة زعيم الحزب التونسي الملوثة بدماء الأبرياء، يفعل إعلام الإسلاميين في تونس الأمر نفسه بتقديم رجب بوصفه سلطان المسلمين، وترديد عبارات الدعم بلا انقطاع من قبيل "لولا الأتراك ما كنا مسلمين بسبب نشر الدولة العثمانية للدين الحنيف".


كان حزب حركة النهضة التونسي من أبرز جماعات الإسلام السياسي تأييدا لإردوغان في جميع معاركه الداخلية والخارجية، في المقابل وقف رجب وإخوانه إلى جانب الغنوشي ومريديه المغيبين حتى ضمنوا له الأغلبية البرلمانية في انتخابات 2011، وعادت الحركة من جديد لتمجيد "سلطان أنقرة" و"الخليفة" والادعاء بأن فوزه بانتخابات الرئاسة 2018 "يصب في مصلحة الأمة الإسلامية".
في آخر زيارة لإردوغان إلى تونس في ديسمبر 2017، قال الغنوشي في معرض تعليقه على القرار الأميركي بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس :"الرئيس إردوغان قام بما كان ينبغي للقادة العرب القيام به بشأن القدس"، متجاهلا أن "السلطان" سبق ترامب إلى الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني بموجب الاتفاقيات التي وقعها مع الاحتلال بين عامي 2010 و2016.
 

فرع العدالة والتنمية
استغل الغنوشي حالة الفوضى الضاربة في تونس إبان الانتفاضة ضد حكم زين العابدين بن علي وعاد إليها في 30 يناير 2011، وفي جعبته مشروع لإقامة فرع جديد لحزب العدالة والتنمية في تونس استنادا إلى دعم تلميذه إردوغان الذي وصف تجربته في حكم تركيا بالـ "رائدة"، ليقول في 4 نوفمبر من العام نفسه: "التجربة التركية نموذج يحتذى به، ولولا الأتراك ما كان التونسيون مسلمين".



زار إردوغان تونس للمرة الأولى بعد رحيل زين العابدين بن علي في 17 سبتمبر 2011، قبيل انطلاق الحملات الدعائية لأول انتخابات بعد الانتفاضة، رتب حزب حركة النهضة للزيارة، وكان الغنوشي على رأس المرافقين لإردوغان وأحمد داود أوغلو وزير خارجيته، وروج الضيف التركي للعجوز التونسي باعتباره "الوحيد القادر على قيادة تونس"، ثم قرر ترجمة جميع مؤلفاته إلى التركية.
بدعم تركي تمكن حزب حركة النهضة من حصد 89 مقعدا في البرلمان التونسي في انتخابات 2011، وأسند إلى حمادي الجبالي تشكيل الحكومة، لتبدأ الحركة مخططها للهيمنة على جميع المؤسسات التونسية، وقالت الناشطة سعاد عبدالرحيم لتلفزيون دويتش فيلله الألماني في 12 أكتوبر 2011 :"حزب النهضة لا يخفي ارتباطه بالنظام التركي، ومقراته تمتلئ بصور رجب إردوغان".

اتهمت حكومتا الإخوان في تونس بقيادة حمادي الجبالي وعلي العريض باستغلال نفوذ تخص حركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي الذي قام بزيارة إلى أنقرة في الأول من يونيو 2012، وبدأ خلالها إردوغان برنامجه لتلميع الرجل، ففتح له أبواب الجامعات لإلقاء المحاضرات، لكن أحداث العنف التي تورطت فيها الحركة في منطقة باب السويقة أواخر العام 2011، وقتل فيها مواطن فضلا عن عشرات المصابين حالت دون نجاح الخطة.
 

زراعة الإرهابيين
تورط حزب حركة النهضة وزعيمه راشد الغنوشي في ممارسات إرهابية، وأقامت رئيس الحزب الدستوري الحر عبير موسى دعوى قضائية تتهم فيها قيادات في الحركة من بينها الغنوشي وحمادي الجبالي رئيس الحكومة بدعم الإرهاب، فضلا عن عشرات الدعاوى المطالبة بحل الحزب بعد اتهامه بالضلوع في عمليات اغتيال استهدفت معارضين عبر جهاز سري للتجسس والاغتيالات.

لوث الحزب يده بإرسال الشباب المغرر بهم إلى تركيا تمهيدا لتجنيدهم للقتال في صفوف التنظيمات الإرهابية مثل داعش وجبهة النصرة بالتعاون مع الاستخبارات التركية، حسب وثائقي بثته قناة الشروق الجزائرية بعنوان "إرهابي تحت الطلب"، ويقول حمزة الجري أحد عناصر داعش في مقابلة ضمن الوثائقي :"ذهبنا إلى سورية مع بدء الثورة بعلم من الحكومة التونسية، وكان الشباب يخرجون من المطارات، هذا أمر معلوم ولا يخفى على أحد".
 

خراب تونس على يد الغنوشي
يستغل إردوغان حركة النهضة في تحقيق مكاسب اقتصادية على حساب الميزانية التونسية، وتقدم نواب في البرلمان التونسي بمقترح لزيادة الرسوم الجمركية مع تركيا في يونيو 2017، مؤكدين أن حكومة الإسلاميين مررت اتفاقيات تجارية مع أنقرة مكنتها من تحقيق مكاسب على حساب الاقتصاد الوطني، ما أخل بالميزان التجاري بين الجانبين، لكن نواب الإخوان عرقلوا المقترح.

 
المعهد الوطني التونسي للإحصاء كشف أن الاقتصاد تكبد خسائر تقدر بنحو 1.5 مليار دينار تونسي ما يعادل نحو 600 مليون دولار أميركي بسبب اتفاقيات الحكومة مع نظيرتها التركية، في حين لم يتحرك المقابل الجمركي للصادرات التركية إلى تونس منذ 2011، وخرج نائب رئيس البرلمان التونسي ونائب رئيس حركة النهضة عبدالفتاح مورو مطالبا التونسيين بدعم أنقرة باعتبار أن "اقتصادها يغيظ قوى خارجية".
فيما قال الوزير السابق أبو يعرب المرزوقي القيادي في حركة النهضة :"يجب علينا دعم الاقتصاد التركي، أدعوا الجميع إلى إنقاذ أنقرة عن طريق شراء العملة التركية بالدولار، على العلماء أن يفتوا بأن الزكاة هذه السنة يحل صرفها في ودائع في بنوك تركيا".
 

غزو ثقافي
يحاول الغنوشي وحزبه تسليم مفاتيح تونس إلى إردوغان، بمنحه حق التصرف في العديد من المباني وفتح المجال أمام المؤسسات التركية الثقافية داخل المدن والمناطق التونسية الرئيسة، سلطت صحيفة الشروق التونسية في العام 2017 الضوء على منح وزارة الخارجية مبنى دار دولاتلي الأثري الذي يرجع إلى القرن الـ17 إلى أنقرة لتحويله إلى مركز ثقافي، موضحة أن القرار يرجع إلى حركة النهضة.


أكدت الصحيفة أن منح المبنى الأثري العريق للأتراك لإنشاء مؤسسة ثقافية يرجع إلى اتفاقية وقعها المجلس الوطني التأسيسي الذي كان يتحكم فيه الإخوان المسلمون مع تركيا عام 2012، فيما اعتبرت تصريحات السفير التركي عمر فاروق دوغان حول انتشار المؤسسات الثقافية لأنقرة في ربوع تونس واقترابها من 100 معهد وملحق على أنها بمثابة تنفيذ لسياسة الغزو الناعم التي تنتهجها حكومة إردوغان في تونس.

Qatalah