يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بني يعرب لا تأمنوا الترك بعدها
بني يعرب إن الذئاب تصول
ولا تمشِ في أمر أجنَّك ليله
على ضوء تركي فذاك ضئيل

دأب صاحب هذه الأبيات على كشف زيف الدولة العثمانية، وعمد إلى نصح العرب بعدم الانزلاق وراء خداعهم وأكاذيبهم، خصوصًا بعد سقوط دولتهم المارقة.. إنه الشاعر جميل صدقي الزهاوي الذي قال عنه طه حسين إنه "معري" العرب في العصر الحديث. 
شاعر عشق الحرية، وبغض كل ما يقيدها. أحب العرب، وهاجم المحتل التركي. فرح بزوال عهد المستبد عبد الحميد الثاني، وطرب بإعلان الدستور الجديد بعد سقوط الدولة العثمانلية، لكنه أدرك غدر أتراك جمعية الاتحاد والترقي، وحربهم على القوميين العرب، فهاجمهم ولعنهم في قصائده.

جمال لأنت القبح سموك ضده / وثوبك إذا أرفلت فيه ذليل
تريد لمجد العُرْب فيما أتيته /   زوالًا ومجد العُرْب ليس يزول

قصائده سجلت آلام الأمة العربية في الشام على يد السفاح جمال باشا، وما عانوه من شنق، ونفي، ونهب. وسجلت أيضا فرحة العرب بالخلاص من المحتل التركي، عندما دخل الجيش العربي إلى دمشق.

عدو الظلم
أوقف الشاعر جميل صدقي الزهاوي هجاءه على بؤر الظلم، وهي في نظره السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909) وولاته، وحزب الاتحاد والترقي من بعده (1908-1918) ، فقد كان يرى في نفسه صاحب رسالة، ومصلحا، من واجبه أن يوظف شعره في مقاومة الظلم والاستبداد. فقال عن معاناته في الحق:
ولقد يعاني المصلحون مشقة / حتى يتم لأمة إصلاح

قضى الشاعر 46 عاما من حياته في عهد المستبد عبد الحميد، طاله فيها بطش السلطان وحاشيته، لأنه جهر بالحق، وندد بالظلم. فخاطبه بالشعر قائلا:
خف من الظلم إبقاءً وتهويناً / فالظلم يقتلنا والعدل يحينا
يا مالك الأمر إن الناس قد ضجروا / عامل برفق رعاياك المساكينا
لهوت عنا بما أوتيت من دعة / فأبيض ليلك وأسودت ليالينا

شعره رصد معاناة الناس في عهد عبد الحميد، من مصادرة الأموال، وسجن ونفي المعارضين، واغتيال من يخشاه السلطان. فلم يكن شيئا أشد وطأة على المستبد من جهر شخص برأي لا يرضى عنه.
وذي سلطة لا يرتضي رأي غيره / إذا قال فهو لا يتبدل
فيقر ذا مال وينفي مبرءا / ويسجن مظلوما ويسبي ويقتل

أما ولاة عبد الحميد فكانوا على شاكلته، قساة القلوب على الرعية، لا يهتمون إلا بمطاردة من يعارض ظلم السلطان، فكانوا موظفين في خدمة شخص السلطان، يتولون إدارة أملاكه الشاسعة، التي اكتسبها بمصادرة أراضي الدولة، وأراضي الناس ظلما وعدوانا.
قست قلوب ولاة أنت مرسلهم / كأنما الله لم يخلق بها لينا
تراهم أغبياء عند مصلحة / وفي المفاسد تلقاهم شياطينا

الشاعر والسلطان
دفع الزهاوي ثمن جهره بالحق عند سلطان جائر، فتعرض للسجن، والطرد من الوظيفة، ورغم ذلك لم يهادن أو يمالي أحدا.
حين زار الأستانة كانت عيون جواسيس السلطان تراقبه، ولمَّا علم السلطان عبد الحميد أنَّ عددًا من محرري الجرائد يترددون عليه أوجس منه خيفة، وأوعز إلى أبي الهدى الصيادي (شيخ الإسلام) ألا يغفل عنه، وأراد الأستاذ الزهاوي بعد سنة أن يرجع إلى بغداد، فإذا السلطان يأمره بإرادة سنية أن يلحق بالبعثة التي كانت قد تألفت هناك للذهاب إلى اليَمن لإصلاحه، وكان ذلك بمثابة نفيا له، لكن بطريقة غير مباشرة.

وعاد بعدها بعام إلى إسطنبول، ورأى في رجوعه أنَّه لم يزل محاطًا بالجواسيس فاستاء لذلك، وطلب الرُّجوع إلى وطنه فلم يُسمح له خشية أن تكون وجهته غير بلاده.
وقد قاسى بعد رجوعه إلى الأستانة الأمرَّين، حتى ضاق صدره فنظم قصيدة يذم فيها سياسة عبد الحميد وسلوكه، منها:
أيأمر ظلُّ الله في أرضه بما نهى /  اللهُ عنه والرسولُ المبجلُ
فيُفقر ذا مال وينفي مبرَّأً /  ويسجن مظلومًا ويَسبي ويَقتلُ
تمهَّلْ قليلًا لا تغظْ إنه إذا /  تحرك فيها الغيظ لا تتمهلُ
وأيديك إن طالت فلا تغتررْ / بها فإنَّ يد الأيام منهن أطولُ

كان في تلك القصيدة سجنه، وقضى في محبسه فترة، ثم تم إبعاده إلى بغداد، وهناك ظل تحت مراقبة أعوان السلطان.

زوال الطاغية
عام 1908 نظم أعضاء جمعية الاتحاد والترقي في الجيش والمدنيون إنقلابا سلميا على السلطان عبد الحميد الثاني، تم إبقاء السلطان في منصبه، بعد نزع صلاحياته، وإعلان الدستور، فكان ذلك الخبر بمثابة فرحة عارمة في كل أرجاء السلطنة. شارك الزهاوي الجميع الأمل، فأنشد يقول:
وقفت والعين تبكي من مسرتها / أمام شعب من الأفراح عجاج
أمام بحر من الأفكار مضطرب // أمام جيش من الأصوات دحراج
إن الشعوب إذا هاجت عواطفها // كالبحر يضرب أمواجا بأمواج

وقال عن زوال عهد المستبد، ومجئ عهد جديد، يحبو الأمل فيه الجميع.
أيها الظلم هل زمانك ماض / أيها العدل هل أوانك آتي

ظن الجميع أن عهد الظلم قد ولى، وأن عهد المساواة والحرية قادم، لكن لم يلبث الجميع إلا شهورا حتى أدركوا أنهم استبدلوا مستبدا واحدا، بعدة مستبدين، فقد كانت جماعة الاتحاد والترقي التي استولت على السلطة لا تقل استبدادا، وظلما عن عبد الحميد، إضافة إلى ذلك كانت أسوأ منه في مسألة التعصب للجنس التركي، فقال فيهم:
وما فئة الإصلاح إلا كبارق / يغرك بالقطر الذي ليس يهطل
إذا نزلوا أرضا تفاقم خطبها / كأنهم فيها البلاء الموكل

شاعرنا الزهاوي شارك الجميع فرحتهم بإعلان الدستور، وكان أسبق منهم بالتنديد بمظالم الأتراك، التي بلغت ذروتها في مذابح الأرمن عام 1915، ومشانق العرب عام 1916، وعبرت قصائده عن آلام أمته، ووصف طغاة الأتراك بأنهم عصابة، فكتب:
لا تنتظر لعصابة رشدا / فيها تساوى الرأس والذنب
لما رأوا الوجوه عنت / ركبوا الغرور وبئسما ركبوا
حتى انكشفت حقيقتها / ورأوا نتائج جهلهم هربوا

العروبة موطني
حب الوطن ملأ على الشاعر كيانه، فحمل همه، ودافع عن حريته، وانشغل باستقلاله. الزهاوي ندد بالظلم والاستبداد، واضطراب أحوال العراق، فكان يرى وطنه على وشك الموت، بسبب جرائم المحتل العثماني.
بلاد العرب كانت وطنه، فتأثر بمصابها، وطالب باتحادها، وتعاونها ضد المحتل، عبر عن حزنه على وطنه العراق بقوله:
طعنوك يا وطني المفدى / في الصدر حتى كدت تردى

أما الطاعنون فكانوا بغاة الأتراك، الناهبين لحقوق الشعوب، القاتلين شباب الأمم:
وأنت تسومك الأتراك خسفا / وتسلب من حقوقك باهتضام

نواح على العرب
حين انقلب جمال باشا السفاح والي الشام على العرب، بعد الحملة العسكرية الفاشلة على قناة السويس عام 1915، والتي حمل العرب مسؤوليتها، وقام بتنفيذ عمليات إعدام جماعية، ونفي لمئات العرب، وتشتيت الضباط والجنود العرب في جبهات القتال، عبر الزهاوي عن مصيبة أهله في الشام، فكتب قصيدة أسماها (النائحة)، قال فيها:
على كل عود صاحب وخليل / وفي كل بيت رنة وعويل
وفي كل جنب مأتم ومناحة / وفي كل صوب مقصد وقتيل

وكان الأتراك قد نصبوا المشانق في ميادين بيروت ودمشق وحمص وحماة، وعلقوا عليها الشباب العرب.
ألمّت من الترك الرزايا بهم كما / ألمّ بحد المشرفي فلو
مشوا في سبيل الحق يحدوهم الردى / وللحق بين الصالحين سبيل

القصيدة طويلة، وهي رثاء للشهداء العرب، وذكر لأعمالهم العظيمة في سبيل أمتهم العربية، ثم ينتقل الشاعر لتحذير العرب من غدر الأتراك فيقول:
بني يعرب لا تأمنوا الترك بعدها / بني يعرب إن الذئاب تصول
ولا تمش في أمر أجنك ليله / على ضوء تركي فذاك ضئيل

أما عن الطاغية جمال باشا السفاح، الذي تولى مهمة إبادة الأمة العربية، مثلما تولى رفيقاه طلعت باشا وأنور باشا مهمة إبادة الأرمن، فكتب شاعرنا:
جمال لأنت القبح سموك ضده / وثوبك إذا أرفلت فيه ذليل
تريد لمجد العرب فيما أتيته / زوالا ومد العرب ليس يزول

ثورة على الجمود
الزهاوي دعا إلى الثورة على الجمود، وإلى الأخذ بكل جديد، حتى صدر كل قصائده بدعوته تلك، فيقول في واحدة:
سئمت كل قديم عرفته في حياتي / إن كان عند شيء من الجديد فهات

الظاهرة التي تميز شعر الزهاوي هي النزوع إلى الحرية، ورفض الظلم، والثورة على الواقع المتردي، وعلى الجمود والتخلف الذي فرضه العثمانلي على العرب. كان من أوائل المناضلين ضد الجور والظلم والفساد، فقال:
يريدون أن يخفي الجريح أنينه / ويسكت أهل الحق عن طلب الحق
ولكنني أبقى بحقي مطالبا  / إلى أن يسد الموت ساعة حلقي

معري العراق
ولد في بغداد عام 1863 وهو كردي ينتسب إلى أمراء السليمانية البابان، والده مفتي بغداد محمد فيضي الزهاوي،.عُين في شبابه عضوا لمجلس المعارف في بغداد، ثم مديرا لمطبعة الولاية، ثم عضوا لمحكمة الاستئناف .
سافر في أوائل كهولته إلى إسطنبول، فأنعم عليه السلطان برتبة رفيعة والوسام المجيدي من الدرجة الثالثة. ثم سجنه وسفره إلى بغداد. عزله والي بغداد (ناظم باشا) من وظيفته ثم أعاده والي بغداد (جمال باشا) إلى وظيفته ثانية ثم انتخب نائبا عن المنتفق، ثم عن بغداد فذهب إلى إسطنبول مرات عدة،ـ وحضر جلسات البرلمان العثماني وخطب فيه مرات كثيرة مطالبا بحقوق العرب. تُوفيّ عام 1936

المصادر :


Qatalah