يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


عندما حصل بن لادن على البطاقة الحمراء من السعودية، اتجه إلى تركيا لينسق مع قيادات الجماعات الأصولية ويحصل على الدعم الذي قاد به عملياته الإرهابية في أفغانستان فيما بعد.

مذكرات زعيم تنظيم القاعدة التي عرفت بمذكرات "بوت أباد" - نشرتها الخارجية الأميركية في 3 نوفمبر 2017 -تكشف كيف لعبت تركيا دورا فاعلا في تشكيل العقل الجهادي لبن لادن.

علاقة أنقرة بالجماعات الإرهابية تعكسها الحرب الأهلية الطاحنة التي تدور رحاها في سورية منذ نحو 7 سنوات دون حلول تلوح في الأفق، قدمت تركيا دعمًا غير محدود لـ"جماعات أصولية" - داعش والقاعدة - بغية لعب أدوار في إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد.

لا تستحي أنقرة من كشف المجتمع الدولي لتلك العلاقة، تقوم بقلب الأمور وتصف الجماعات الإرهابية بـ"المعارضة المعتدلة"، أشارت تقارير استخباراتية كيف مولت أنقرة تنظيمي "داعش" و"النصرة" وميليشيات تتبع أيديولوجيًا تنظيم الإخوان.

مذكرات بوت أباد
يحكي بن لادن في مذكراته، عن علاقته بتركيا، وكيف أنه كان معجبًا بأنشطة الأحزاب الإسلامية ذات الأيديولوجيا الإخوانية المتمثلة في حزب "الرفاة". كان يترأسه في ذك الوقت نجم الدين أربكان أستاذ إردوغان المباشر.

في صفحة 8 من المذكرات يقول: "كان العام 1976 حينما قررت الذهاب إلى تركيا ومقابلة قيادات حزبية هناك (لم يسمها)، كان الدخول سرًا وبخداع المسؤولين الأمنيين، لكون اسمي على قوائم النشرة الحمراء بعد إدراجه من قبل حكومة المملكة السعودية، لرفضهم أفكاري الجهادية". 

 

يتابع بن لادن: "كنت تقريبًا في عامي الـ19. ودخلت تركيا عن طريق سورية. قمت باستقلال حافلة حتى وصلت إلى مدينة هطاي التركية. استغرقت الرحلة وقتها  12 ساعة رغم قرب المسافة، بسبب سيرنا في مناطق وعرة بعيدة عن أعين الأمن".

أضاف زعيم "القاعدة": "كنت أحمل مسدسًا بعدما احترفت استخدامه والإطلاق منه. التقيت عددًا من مسؤولي حزب (السلامة الوطنية) الذي تأسس العام 1972".

لم يقدم بن لادن تفاصيل حول هوية الأشخاص الذين التقاهم والهدف من الزيارة ونتائجها، لكن مراقبين يتحدثون عن أن التوجه العام لدى تركيا خلال تلك الفترة كان دعم المقاتلين في أفغانستان، بعدما بدأ الروس يهددون باجتياح كابول، فكان لزامًا إعداد جيل من المقاتلين، وهو الأمر ذاته الذي كانت تباركه أميركا ودول غربية.

بدأ أسامة بن لادن حياته الراديكالية بشكل عملي خلال العام 1979 - أي بعد زيارة تركيا بعامين - وشارك في الحرب الأفغانية ضد الروس، وتسجل تقارير أنه لعب دورًا مؤثرًا في معارك جلال أباد، ما يعزز من فرضية تلقيه دعمًا تركيا وتكليفات تخص أعمال القتال على الأرض.

تحدثت وثائق - لم نتمكن من إثبات صحتها - عن لقاء إردوغان بزعيم القاعدة سرًا في السودان خلال الفترة ما بين 1990 و 1996، وهي الفترة التي قضاها زعيم القاعدة في الخرطوم، بعدما انتهت الحرب الأفغانية بهزيمة وانسحاب الجيش الأحمر. 

احتجاج إردوغاني
أظهرت التصريحات التي أدلى بها إردوغان عقب إعلان أميركا قتل بن لادن العام 2011 على موقع هابرترك مدى التعاطف معه، يقول: "سيظل العالم غير آمان رغم عملية القتل. المشكلة ليست في أسامة".

أعرب إردوغان عن دهشته من توقيت إعلان عملية القتل، قال "جاءت في توقيت غريب وملفت للنظر!"، مشيرا إلى أن هناك تصريحًا للرئيس الباكستاني، آصف علي زرداري، أكد فيه أنهم سلموا بن لادن للمسؤولين الأميركان - أي أنه يشكك في عملية قتله من قبل قوات المارينز - وأضاف: "لن نثق بعد الآن في أي تصريح، ونرى أن هناك أمورا كثيرة مختلطة". 

وفي رد فعل يعكس مدى التعاطف مع بن لادن، يقول موقع "إها" إن عددًا من مساجد إسطنبول أُقيم فيها صلاة الغائب على زعيم القاعدة، ولم تتخذ الحكومة التركية أي ردود فعل تجاه الواقعة ما يعني موافقتها الضمنية عليها. 

لم تقف الأمور مع إردوغان عند حدود لقاء بن لادن سواء في تركيا أو السودان، أو الدفاع عنه بعد موته، رصدت وسائل إعلام تركية كيف كان يبجل إردوغان زعيم القاعدة. 

يقول موقع "fikiranalizi" التركي: "إردوغان من محبي بن لادن. سمى ابن شقيقه مصطفى، المولود في 6 سبتمبر 1995 بإسطنبول، أسامة تيمنًا باسم زعيم القاعدة". فيما وصف سيفكي يلماز، الكاتب الصحافي، صديق إردوغان، زعيم القاعدة بـ"البطل القومي" خلال أحد لقاءاته المتلفزة التي نقلها موقع "شابر" كلها أمور تعكس مدى الحفاوة التي منحها زعيم حزب "العدالة والتنمية" للقائد الإرهابي. 

مؤشر آخر يعكس حفاوة إردوغان بتنظيم القاعدة وزعيمها، نشرت صحيفة "ديكين" التركية في 10 يوليو 2003 صورة تظهره وهو يجثو على ركبتيه بجوار غلب الدين حكمتيار، المساعد الشخصي لأسامة بن لادن في حي تشارشامبا بمنطقة فاتح في مدينة إسطنبول.

تقول الصحيفة إن اللقاء كان في نوفمبر 1985، وأن الصورة لم تحصل عليها الصحيفة إلا في يوليو 2003 من مصادرها الشخصية، وأن اللقاء كان سريًا وتم عقده في منزل النائب السابق في حزب "الرفاة" التركي، مصطفى أطالاي، ولا يعلم أحد الأسباب الحقيقية وراء ذلك الاجتماع وما تمخض عنه من قرارات.

يتفاخر أطالاي بالاجتماع فيقول ردًا على الصورة: "أشعر بالفخر تجاه الصورة. لا أرى عيبًا فيها. تم التقاطها في منزلي الكائن في منطقة (اسكندر باشا) بحي "فاتح" بإسطنبول".

تابع أطالاي: "خلال اليوم الذي زارني فيه غلب الدين حكمتيار، لم يكن إردوغان هو الحاضر الوحيد. كثير من الإعلاميين والصحافيين كانوا حضورًا، لعمل لقاءات صحافية مع مساعد بن لادن"، وأكد: "أستطيع الجزم بأن الجميع كان يعرف بقدوم حكمتيار إلى تركيا، فالأمر ليس سرا. توجهنا أنا وإردوغان ونجم الدين أربكان وحكمتيار في ذات الليلة إلى ساحة رياضية، لمشاهدة مباراة ملاكمة للاعب جمال قاماجي".

دافع أطالاي عن حكمتيار قائلًا: "إنه متواضع لأقصى درجة. وسائل الإعلام هي من تقف وراء تلك الضجة، روجت مقالات من نظير: "إردوغان يجلس أسفل قدم إرهابي". جميعها كتابات مسيسة تُجافي الحقيقة". 

أسباب الزيارة
التفاصيل الجديدة التي كشفها الكاتب الصحافي التركي، علي بولاتش، على موقع "ديموقراط هابر" دفع "عثمانلي" للتنقيب عن الدور الذي لعبته تركيا في دعم العناصر الأصولية التي خاضت الحرب ضد قوات الاتحاد السوفيتي خلال غزوها لأفغانستان. 

يقول بولاتش إن حكميتار كان متوجدًا في تركيا، للبحث عن منافذ دعم إضافية للمقاتلين، خاصة أن العام 1985 كانت القوات السوفيتية تكثف من ضرباتها في ذلك الوقت، لحسم المعارك وكان المقاتلون على الأرض بحاجة إلى دعم لوجستي، ولعب نجم الدين أربكان رئيس حزب "الرفاة" دورًا في إمداد المقاتلين بلوازم المعركة.

يشير بولاتش إلى أن إردوغان لعب دورًا في تقديم المساعدة لمقاتلين في أفغانستان، تابع: "حكمتيار قال وقتما كان في تركيا الأفغان لم ينسوا في أي وقت من الأوقات الدعم المعنوي والمالي والبشري الذي منحته تركيا في دعم الجهاديين". 

 

الغزو الروسي
تركيا كانت ضمن قائمة تضم دولًا في المنطقة لعبت دورًا في دعم المقاتلين في أفغانستان، ضد القوات السوفيتية، ولم يكن القرار التركي بناء على منطلقات ترتبط بالدين أو دعم حركات التحرر الوطني كما كان يروج وقتها، إنما كانت بناء على تكليفات من أميركا ودول غربية. 

تلقى المقاتلون - مجموعة من الأفغان، والبشتون Pashtuns  الباكستانيين، والعرب والدول الإسلامية - دعمًا ومساعدة من الحكومات الأجنبية، وصادقت حكومة الولايات المتحدة في مارس 1985 على قرار مجلس الأمن القومي التوجيهي رقم 166 والذي حدد النصر العسكري للمقاتلين هدفاً له، والعمل على زيادة المساعدات العسكرية كما ونوعا، بما في ذلك توفير صواريخ مضادة للطائرات من طراز ستينغر Stinger  بدأً من أغسطس 1986.

كما أعلن عدد من كبار القادة الأفغان عن بدء تلقي المساعدة مباشرةً من (السي أي أيه CIA)، ويشير موقع "أودا تي في" التركي إلى أن المشروع الأميركي كان يقوم على فكرة استغلال الإسلام ليكون في مواجهة الشيوعية، ومول المشروع دول عربية وإسلامية، كانت تُشترى الأسلحة بتلك الأموال، وتُجهز في إسرائيل، ثم تُرسل عن طريق تركيا إلى الجماعات الجهادية في أفغانستان.

عرف نجم الدين أربكان - رئيس الحكومة التركية من 1996/1997 - الأستاذ المباشر لإردوغان بعلاقته القوية بما يعرف بـ "رئيس دولة المجاهدين في كابل" برهان الدين رباني، واستغل أربكان تلك العلاقة في تقديم الدعم اللوجستي للمقاتلين في أفغانستان.

ظل إردوغان متمسكًا بالعلاقة مع برهان متأسيًا بأستاذه، زار القيادي الطالباني تركيا العام 2011، وأجرى مباحثات رفيعة المستوى، طالب وقتها من تركيا لعب دور الوسيط في عملية السلام مع طالبان والحكومة الأفغانية، وبالفعل استضافت أنقرة اجتماعات بين ممثلين عن "طالبان" والحكومة الأفغانية أخيرًا. 

الجدير بالذكر أن غلب الدين حكتيار - صاحب الصورة الشهيرة مع إردوغان - تجدد اسمه في الدوائر التركية خلال الفترة الأخيرة، نشرت صحيفة سبوتنيك في فبراير 2017 خبرًا يتعلق بقدوم حكمتيار إلى إسطنبول، من أجل العلاج بناء على تعليمات الرئيس التركي، كما نشرت تقارير استخباراتية أميركية أن حكمتيار وصل إسطنبول بطائرة مجهزة طبيا للعلاج بتعليمات من إردوغان

 

Qatalah