يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يحاول إردوغان تقليص خسائره قدر الإمكان، في مسعى منه للخروج من الوضع الاقتصادي المتدهور، وقع اختياره على هولندا التي شهدت العلاقات معها منحنيات وعرة، انتقلت العلاقات بين أنقرة ولاهاي من التوتر الذي بلغ حد القطيعة الديبلوماسية، في مارس 2017، إلى أعلى درجات الاتفاق والشراكة الاستراتيجية منذ أسابيع قليلة، بعد أن باتت هولندا الملاذ الأخير أمام تركيا لكسرعزلتها، واستغلت أنقرة لتحقيق هذا التقارب أكثر أوراق الضغط لديها وهي ورقة اللاجئين.

لم تمض العلاقات بين الدولتين على وتيرة واحدة، بل تذبذبت بين توتر وهدوء، وقطيعة تامة واتصال استراتيجي، واستطاعت تركيا أخيرا أن تحول التراشق الإعلامي وتبادل الاتهامات إلى علاقات وطيدة واتفاقيات شراكة، وساعدها في ذلك حاجة لاهاي نفسها إلى التعاون مع أنقرة. 

شرارة التوتر
بدأ الخلاف بين البلدين عقب مسرحية الانقلاب في صيف 2016، عندما كلف الرئيس التركي رجب إدروغان جواسيسه من أئمة الدين بجمع معلومات عن خصومه في أوروبا، ما دفع الحكومة الهولندية إلى إدانة مسرحية الانقلاب، في حين سارعت أنقرة باستدعاء ملحقيها الدينيين في لاهاي، لتطفو على السطح فضيحة الأئمة الجواسيس في أوروبا.

واصل إردوغان محاولات استفزاز لاهاي، فاحتجز مواطنة هولندية على خلفية إهانتها لشخصه، وحظيت الواقعة باهتمام مكثف من وسائل الإعلام الهولندية استمر قرابة شهر، بينما كان جواسيس إردوغان وبعثته الديبلوماسية مستمرين في دعوة الأتراك إلى الإبلاغ عن أولئك الذين "يهينون الرئيس". 

القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقات جاءت من لاهاي، في مارس 2017، عندما قررت منع إصدار تأشيرات دخول مسؤولين أتراك، بيما كان الاستفتاء على الدستور التركي يقترب، وكانت هولندا تجري في الوقت نفسه انتخابات وطنية، فرفضت السماح بهبوط طائرة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على أراضيها، حيث كان مقررًا أن يتحدث لحشد من الأتراك في روتردام، ضمن حملة دعائية للترويج للاستفتاء على النظام الرئاسي.

ازدادت الأوضاع سوءا بعد أن منعت السلطات الهولندية في وقت لاحق وزيرة الأسرة التركية فاطمة قايا من حضور تجمع مماثل، حيث أعادتها إلى حيث أتت، ومنعتها من الدخول إلى البلاد، بينما اشتبكت قوات الأمن الهولندية مع متظاهرين من أصول تركية في روتردام احتجوا على طريقة التعامل مع المسؤولة التركية.

"الطائش" يؤجج الأزمة
أوضحت لاهاي مرارا عدم استعدادها لتنظيم المسؤولين الأتراك لقاءات جماهيرية مع جاليتهم في أراضيها لاعتبارات تتعلق بالأمن العام، وشددت على أن سلوكها يندرج تحت أعمال السيادة، ولكن الأتراك لم يتفهموا، واندفع إردوغان في وصف هولندا بأنها "فلول النازية"، وهدد بفرض عقوبات عليها، ولوحت لاهاي بسحب سفيرها في أنقرة رسميا، لكن إردوغان سبقها ومنع دخوله بالفعل، وأعلن عدم تعيين سفير تركي جديد لديها.

اتسمت إدارة إردوغان للأزمة مع لاهاي بالتهور، فأطلق عدة تصريحات شديدة اللهجة، مثلت تحديا سافرا وتجاوزا غير معهود، فهددها والبلدان التي منعت حملات الدعاية التركية على أراضيها  بـ"دفع الثمن"، واتهمها بمحاولة "عرقلة استخدام الحقوق الديموقراطية الأساسية" من وجهة نظره.

واستمر إردوغان في إطلاق تصريحاته الطائشة عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، ووصف النمسا وهولندا بـ "تسميم القيم الديموقراطية"، وقال :"إنهما تساهمان في تنامي الحركات السياسية العنصرية المعارضة لقيم الاتحاد الأوروبي"، وحمل كذلك لاهاي مسؤولية مجزرة سريبرينيتسا التي وقعت عام 1995 في البوسنة والهرسك، ووصفها في مناسبة أخرى بأنها تتصرف مثل "جمهورية موز".

دام الخلاف بين البلدين أكثر من عام، منذ بدأ في مارس 2017 وحتى عودة العلاقات في سبتمبر الماضي، بناء على حاجة كل طرف إلى الآخر، فأبدى الجانبان رغبتهما في تجاوز الاحتقان، وكانت المبادرة من قبل وزير الخارجية الهولندي، فاتفق مع نظيره التركي على إعادة العلاقات وإعادة البعثات الديبلوماسية.

اللاجئون.. كلمة السر
ارتكز إردوغان في تصعيده الطائش تجاه هولندا على ورقة الضغط الرابحة التي منحها إياه مئات الآلاف من اللاجئين في المخيمات التركية، وهي الورقة التي يستثمر بها مخاوف الأوروبيين لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وهو ما حدث بالفعل مع هولندا من أجل إيجاد ثقب للخروج من الأزمة الاقتصادية.

اللاجئون أنفسهم هم من دفعوا وزير الخارجية الهولندي إلى الإعراب عن تقدير بلاده للحكومة التركية في إدارة ملف اللاجئين، واستضافة نحو 3.5 مليون لاجئ على أراضيها، وهو الخطر الذي يقض مضاجع الأوروبيين، ويجعلها جاهزة لمنح الدعم غير المشروط تقريبًا للأتراك، مقابل إزاحة عبء اللاجئين عن كاهلها.

تستفيد تركيا من ملف اللاجئين أكبر بكثير من أي شيء آخر، حيث ساعدتها تلك الورقة الرابحة في توطيد علاقاتها مع معظم الدول الأوروبية، ومن ثم الوقوف إلى جانبها في أزمتها الاقتصادية، فضلا عن حصولها على مساعدات ضخمة كانت بحاجة إليها في ظل ما تعانيه، وظهر هذا بوضوح في تأكيد الجانب الهولندي على زيادة التبادل التجاري مع أنقرة إلى الضعف تقريبًا، فضلا عن زيادة الاستثمارات الهولندية خاصة في قطاع البنوك.

Qatalah