يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"البعض جاء إلى هنا من أجل الذهب، لكن تركيا أتت كي تُضمّد الجراح"، بهذه الكلمات المخادعة التي قالها إردوغان خلال زيارته لدول شرق إفريقيا العام 2017، بدأ عملية الدعم المسموم للقارة السمراء، ليضاعف جراح تلك المنطقة الملتهبة بالحروب والصراعات الطائفية. 

أولى ضحايا هذه الخدعة كانت نيجيريا، التي تحولت إلى هدف لتسويق الأسلحة التركية والعنف والقتال الدامي، عبر إمداد واحد من أخطر التنظيمات الإرهابية في إفريقيا بالسلاح على متن سفن حكومية تركية.

كعكة الغاز
نيجيريا واحدة من أهم الأماكن في العالم إنتاجا للطاقة، ما جعل تركيا تسعى إلى اختراقها واحتلال موطئ قدم فيها من بين منافسين كبار، وهي تقع في الساحل الغربي لإفريقيا، وتعتمد على عائدات البترول بنحو 70% من دخلها القومي، وتضم دلتا النيجر في جنوب البلاد، ثروات نفطية وغازية هائلة، ما جعلها محط اهتمام العديد من الدول، على رأسها أميركا وإنجلترا.

ولا يمكن اعتبار الصراع المتصاعد في نيجيريا هو نتاج سوء توزيع عائدات النفط، فمشكلات أبوجا كثيرة ومعقدة، بينها الاختلافات الثقافية والدينية والعرقية بين مواطنيها، وغالبية الدول التي لها أطماع هناك دائمًا ما لعبت على تأجيج تلك الصراعات لتحقيق أهدافها المشبوهة.

من بين هذه الدول تركيا التي سعت للاستثمار في مجالات الطاقة هناك، لمزاحمة الشركات الأميركية والبريطانية المحتكرة لاستخراج النفط والغاز في البلاد، وخططت أنقرة لكسب ثقة أبوجا بعقد اتفاقيات تعاون وشراكة وتسليح من جهة، والضغط عليها من جهة أخرى بدعم الإرهاب والمتمردين، وإثارة النعرات الطائفية بين أطياف الشعب. 

تعكس تصريحات السفير التركي لدى نيجيريا هاكان تشاكيل، مدى اهتمام بلاده بالاستثمار في مجالات الطاقة، وقال خلال حوار أجراه مع وكالة أنباء الأناضول الرسمية في يونيو 2017: "نيجيريا من أهم البلدان الواقعة في ﺠﻨﻭﺏ ﺍﻟﺼﺤﺭﺍﺀ ﺍﻟﻜﺒﺭﻯ، من المؤكد أنه ينتظرها مستقبل مشرق، وهي بحاجة للاستثمار في مجالات البنية التحتية والطاقة، وسوف نسعى للحصول على ذلك". 

 

أهداف إردوغان 
سعى إردوغان إلى جعل نيجيريا سوقا رئيسيا لمنتجاتها، وكسر استحواذ الصين والهند وتايوان وبعض الدول الأوروبية على هذا السوق، الذي يخدم 190 مليون نسمة، (تعداد سكان نيجيريا).

سلك إردوغان عددا من الإجراءات التي تسهل له أهدافه في نيجيريا، فبدأ بالمشاريع الخدمية، بوصفها الأسهل لتحقيق النفوذ المطلوب، حيث بدأ منذ العام 2014 في توقيع عقود شراكة في مجالات تصنيع الأدوية والأدوات الطبية والملابس، وأرسل قوافل طبية لرعاية النيجيريين في المناطق الفقيرة، حيث تنتشر أمراض (التيفود والملاريا والكوليرا)، ووعد بتطوير العشوائيات وتوصيل مياه الشرب النظيفة إلى البيوت.

اعتقد إردوغان أن المساعدات الإنسانية وتوسيع الاستثمار في مجال البنية التحتية سيجعل تلك الدولة ذات الأهمية الاستراتيجية في غرب إفريقيا ملك يمينه، لكن الإدارة النيجيرية بدأت تتململ من التدخلات التركية في الشؤون الداخلية لها فضلا عن أدلة وجود دعم تركي للإرهاب. 

اتبعت أبوجا سياسة قطع الطريق على أنقرة، وأعلنت أنها ترفض أية مساعدات أو تعاون ينعكس على سيادتها أو يسلب منها حقها في إدارة الدولة كما تريد، ورفضت عددًا من العقود التركية، كما رفضت بشكل قاطع تسليم 1000 من عناصر حركة "الخدمة" التابعة للمعارض الأبرز لإردوغان فتح الله غولن.

وقال وزير الخارجية النيجيري جيوفري أونياما: رفضنا تسليم أنقرة 1000 شخص من المنتمين لحركة الخدمة، جاءنا الطلب خلال قمة العشرين الاقتصادية، إلا أننا اعترضنا، بسبب عدم وجود سبب مقنع لترحيلهم.

وأضاف: "تركيا لم تتفهم أننا ملتزمون بالقوانين الدولية التي تنص على عدم تسليم اللاجئين السياسيين، مع العلم أن المطلوبين سلميون، ولم يشكلوا أي تهديد لنا، كيف يتم تسليمهم؟ إنه مطلب شاذ وصعب تحقيقه".

سلاح تركي لبوكو حرام
لم يكن رجال غولن ورقة التوتر الكبرى بين وأبوجا وأنقرة، وإنما ثبوت تورط الأولى في دعم تنظيم "بوكو حرام" الإرهابي بشحنات أسلحة، لتقويض الأمن في نيجيريا، عقب فشل عملية الاختراق الناعم لأبوجا.

بدأت أنقرة تكشف عن وجهها القبيح، ولجأت لنفوذها داخل الجماعات المسلحة حول العالم كعادته،؛ وقررت إمداد التنظيم الإرهابي بشُحنات أسلحة، وعثرت نيجيريا على الأدلة، بعدما ضبطت سلطات الجمارك في أكبر مدنها لاغوس شاحنة تنقل 661 بندقية تركية مهربة، أثبتت التحقيقات أنها كانت في طريقها للجماعة الإرهابية.

صممت تركيا على المضي قدما في دعم الجماعة الإرهابية، فبعد 5 أشهر من الواقعة الأولى، اعترضت جمارك ميناء لاغوس شحنة جديدة من الأسلحة عبارة عن 440 بندقية، وقال المتحدث باسم الشرطة النيجيرية جوزيف آتا: "الشحنة جاءت من تركيا، وطليت بالكلس لعدم كشفها"، وذلك حسب موقع سبوتنيك بنسخته التركية.

 

تسريب صوتي
ضبط شحنتي الأسلحة أعاد للأذهان التسريب الصوتي الذي نشر في 2014، لمسؤولين أتراك يتحدثان عن إرسال شحنات أسلحة منتظمة إلى نيجيريا، وكان طرفا المحادثة رئيس شركة خطوط الطيران التركي محمد قراقاش، ومصطفى فرناك أحد مستشاري رئيس الوزراء في ذلك الوقت رجب طيب إردوغان نفسه.

وفي التسريب، يقول قراقاش في المكالمة إنه يشعر بالذنب لنقل أسلحة إلى نيجيريا، وإنه لا يعرف ما إذا كانت الأسلحة ستقتل مسلمين أم مسيحيين، وأنهى كلامه بعبارة "ضميري يؤنبني". 

أفادت صحيفة جمهورييت التركية بأن المقطع الذي تم نشره، أكد إرسال أنقرة أسلحة إلى جماعة "بوكو حرام" الإرهابية، عبر خطوط الطيران التركية، التي تمتلك الحكومة 49% من أسهمها.

 

تسبب التسريب في جدل واسع بالبرلمان التركي، وتقدم النائب عن حزب الشعب الجمهوري أيقان أردمير، باستجواب يطالب فيه الحكومة بالرد، وفق قناة "سي إن إن" بنسختها التركية. 

 

المثير للدهشة، كان التعاطف الإعلامي الواسع من مناصري إردوغان مع تنظيم "بوكو حرام"؛ وبرروا أفعالهم الإجرامية، واعتبروا ممارساته سياسات مشروعة.

نشرت صحيفة "يني شفق" الموالية لإردوغان، تقريرا باسم "ظاهرة بوكو حرام"، جاء فيه "ينبغي إدراك المنطق الاستعماري الذي يسيطر على موقف أوروبا والولايات المتحدة والصين إزاء نيجيريا، لنتمكن من فهم تنظيم بوكو حرام"، ورفضت توصيف التنظيم المسلح بـ"الإرهابي" بعد أن شرعنت أهدافه المشبوهة، وقالت: "بوكو حرام، نتاج انهيار مشروع الدولة القومية".

 

سفن وزارة النقل
علاقة تركيا المشبوهة مع "بوكو حرام" لم تنته عند هذا الحد، فقد نشر المدون التركي المعارض فؤاد عوني، سلسلة تغريدات عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" في 2016، تفضح الممارسات المشبوهة لشركة الخطوط الجوية التركية. قال: "تحمل الأسلحة من صربيا وليبيا، لتوصيلها إلى التنظيمات الإرهابية حول العالم، مثل داعش، والنصرة، وبوكو حرام".

وبحسب موقع "أيه بي سي" الناطق باللغة التركية، أشار عوني إلى أن نقل الأسلحة تم عبر سفن وزارة المواصلات والاتصالات والملاحة البحرية، التي كان يتولى حقيبتها بن علي يلدريم، فضلا عن استخدام شاحنات النقل التابعة لبلال إردوغان، إلى جانب أساطيل السفن التابعة لأرقم يلدريم.

اشتد الخناق على إردوغان باتهامه بدعم الإرهابيين، من جهات دولية عديدة، فقرر التخلي عن حلفاء الأمس وإدراج "بوكو حرام" على لائحة التنظيمات الإرهابية في يونيو 2014، كما جمد أموال التنظيم، والأصول التابعة له في تركيا، ما اعتبره مراقبون محاولة من الرئيس التركي لغسل يده من التورط مع التنظيم. 

أوضح الكاتب نبيل شكري في كتابه "بوكو حرام السلفية الجهادية في إفريقيا" أن قرار الحكومة التركية يثير التساؤلات حول حجم الأموال التي تمت مصادرتها في أنقرة، وكيفية دخولها للبلاد، وقال: "لابد من تتبع العلاقة التي تربط بين الدولة والتنظيم المتطرف".

أبدى شكرى استنكاره لتأخر أنقرة في إدراج الجماعة على لائحة الإرهاب، على الرغم من أن مجلس الأمن الدولي وضعها على القوائم السوداء منذ أكثر من شهرين بناء على طلب الحكومة النيجيرية.

يذكر أن تنظيم بوكو حرام - الذي يعني اسمه التعليم الغربي حرام - ظهر في 2003 بشمال نيجيريا ثم برز في 2009 على الساحة العالمية عندما دخل في اشتباكات دامية مع الأمن قتل فيها نحو 800 شخص. 

وازداد التنظيم شراسة بعدما قرر زعيمه أبو بكر شيكاو مبايعة زعيم داعش أبو بكر البغدادي في مارس 2015، عبر تسجيل صوتي، قال فيه: "نعلن مبايعة الخليفة على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر".

Qatalah