يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"أقصر الطرق إلى قلب رجب إردوغان ابنته" بهذه القاعدة السحرية تمكن الشاب بيرات آلبيراق من الوصول إلى مقعده بجانب الرئيس التركي الذي سمح له بعد الزواج من إسراء بأن يحصل على كل ما يريد من طموح سياسي، وجمع ثروة هائلة لا يستطيع أحد في تركيا أن يسأله عن مصدرها.

مهلا.. فالشاب يتمتع بمواهب خرافية لا يستطيع أحد أن ينافسه عليها، إنه يمتلك كفاءة عالية في إدارة أكبر المؤامرات داخل أنقرة وأهمها على الإطلاق مسرحية الانقلاب الشهيرة التي مكنت إردوغان من ابتلاع خصومه دفعة واحدة، كما يتمتع بعلاقات قوية مع إسرائيل، وينظر إلى "داعش" على أنها الفرخة التي تدر له الذهب وبالتالي فإنه يوفر للتنظيم الإرهابي ما يحتاج إليه من دعم.

من موظف بـ"شاليك" إلى وزير للمال 

قبل 14 عاما اقترن آلبيراق بابنة إردوغان ليتغير مسار حياته، قفز الموظف بشركة شاليك القابضة إلى منصب المدير بعد 3 سنوات فقط من زواجه، وتوالى صعوده ليصبح رئيسا تنفيذيا لشركة "شاليك – آلبيراق" في 2013، ولكنه فضل الخروج من الظل واقتحم عالم السياسة، وحصل بسهولة على عضوية البرلمان عن حزب العدالة والتنمية ، ليقتنص حقيبة البترول والثروات الطبيعية عام 2015 في حكومة أحمد داوود أوغلو، وأخيرا أصبح وزيرا للمالية في 2018.

أما والده الكاتب صادق آلبيراق - عضو البرلمان بين عامي 1991 و 1995 عن "الرفاة" وهو الحزب الذي ولد من رحمه "العدالة والتنمية"  فقد أورث ابنه توجهاته الإسلامية المتشددة والتي ظهرت بوضوح من خلال رعايته للفارين من الإخوان إلى إحضان إسطنبول، وحصل في المقابل من العناصر الإرهابية  على حملات إعلامية تشوه الدول التي ينتمون إليها وتروج لتركيا على أنها واحة من الديموقراطية.

ظل إردوغان يركل أوغلو 
حاز آلبيراق على لقب الديكتاتور الصغير ورجل تركيا الثاني، وبات ظلا لإردوغان سواء بالسير معه في تنقلاته المهمة أو الجلوس بجواره في الاجتماعات المصيرية، وظهرت أنيابه وهو يركل رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داوود أوغلو، خارج دائرة السياسة، فلم يسمح له بالترشح أمام إردوغان، خاصة بعد أن تخطى أوغلو الخطوط الحمراء وصعد بنجمه وازدادت شعبيته أثناء توليه رئاسة الحزب خلفا لإردوغان.

العقل المدبر لمسرحية الانقلاب
الإطاحة بأوغلو مهدت الملعب لـ آلبيراق أن يلعب دورا أكبر في الحياة السياسية، بمسرحية الانقلاب في يوليو 2016 والتي رسم سيناريوهاتها بعقل شيطاني، ليذبح الأصوات المعارضة ويحكم السيطرة على المؤسسات التي قد تلعب دورا في توعية الجماهير لإنهاء حكم إردوغان.
أما الرئيس التركي فلم يستطع مسك لسانه واعترف بأن أول من أبلغه بعملية الانقلاب (المزعوم) هو آلبيراق، ويبدو أن تصريح إردوغان كان بمثابة حل للغز الذي حير الأدمغة في تلك الليلة الدرامية التي راقبها العالم على شاشات التلفزيون، وطرح العديد من الأسئلة المهمة مثل: من أين علم  زوج ابنة الرئيس بالانقلاب؟.. وكيف وصل إليه الخبر قبل الأجهزة الأمنية التي تحيط بإردوغان؟ وهل هو انقلاب حقيقي أم أن المسألة مجرد لعبة خبيثة من أجل الحصول على شرعية لقطع رؤوس المعارضين والتنكيل بكل من يجهر بانتقاد الرئيس؟
 
فور علم إردوغان بوقوع الانقلاب ظهر برفقة صهره وهما يحلقان في سماء إسطنبول إلى أن هبطت الطائرة في مطار أتاتورك وأعلن الرئيس في مؤتمر صحافي فشل الانقلاب، بينما رصدت الكاميرات آلبيراق وهو يهمس في أذن إردوغان ما أعطى انطباعا بأنه يذكره بما يجب أن يقال، ولم يمض وقت كبير إلا وشنت الأجهزة الأمنية الموالية للرئيس حملات واسعة النطاق طالت رجال الجيش، وموظفي الدولة، والصحافيين والإعلاميين، ومارست كل أنواع القمع دون أن ينتقده أحد حتى في محيطه الأوروبي حيث تم النظر للأمور حينها بأنها محاولة لحفظ الأمن داخل تركيا.

أراد آلبيراق من الانقلاب المسرحي أن يظهر إردوغان في صورة الضحية وبالتالي يستطيع تكميم أفواه المعارضة والقضاء على صديق الأمس عبد الله غولن مؤسس حركة الخدمة  لإفساح الطريق أمام نظام رئاسي ديكتاتوري.

بريده الإلكتروني فضح علاقته بداعش
وتلقى آلبيراق ضربة تحت الحزام عندما نجحت مجموعة تطلق على نفسها "ريدهاك"في اختراق بريده الإلكتروني، وأمدت موقع "ويكيليكس"، الشهير بوثائق أثبتت ضلوع وزير الطاقة التركي (حينها) بالتعاون مع التنظيم الإرهابي الأشرس في الشرق الأوسط " داعش" وتهريب النفط المنهوب من الأراضي التي يحتلها عبر تركيا.
 
كشفت الوثائق علاقات آلبيراق بداعش عبر وسطاء من شركة "باور ترانس" التي تورطت في تهريب نفط التنظيم الإرهابي إلى تركيا، ونجح السياسي الشاب في خلق استثناء للجماعة الإرهابية تمثل في اختراق قرار الحكومة بحظر استيراد النفط أو تصديره، وبمساعدة صهر إردوغان استطاع التنظيم تحقيق ربع دخله المالي عن طريق تهريب النفط بينما تشير التقديرات إلى أن التنظيم يكسب ما بين 350 و600 مليون دولار سنويا من تعاون أنقرة.

وزير المال المفلس 
تقدم آلبيراق  لحمل حقيبة المالية فتراجعت الثقة في الاقتصاد التركي بسبب اعتماد الحكومة على شخص يفتقر إلى الخبرة لتشهد البلاد  كوارث اقتصادية كبرى، تمثلت في انهيار عملتها أمام الدولار، و ارتفاع حجم الديون الخارجية و زيادة التضخم، وارتفاع العجز التجاري، ما دفع آلبيراق إلى ابتزاز ألمانيا عبر قضية اللاجئين من أجل إنقاذ سمعة بلاده المتردية، وطار إلى برلين رغم التوترات الأخيرة التي شهدتها العلاقات بين البلدين مؤخرا من أجل إتمام الصفقة.
 
فضائح صهر إردوغان باتت مادة دسمة لوسائل الإعلام، فتناولت سقطاته، وسخرت من مؤهلاته الضعيفة، وأبرزت علاقاته المشبوهة مع إسرائيل، وتودده بتل أبيب من خلال جلوسه إلى وزير الطاقة الإسرائيلي " يوفال شتاينيتز من أجل السماح له بإنجاز المفاوضات بين شركة " بوتس " التركية المملوكة للدولة، ومد خط أنابيب غاز من الحقول الإسرائيلية عبر تركيا وبالتالي نقله إلى أوروبا.

شراء الشاشات والصحف 
ولإخفاء فضائحه المتكررة أعد خطة للسيطرة على وسائل الإعلام، إضافة إلى توظيف الكتائب الإلكترونية على شبكات التواصل الاجتماعي للتصدي لخصومه وغسل قاذوراته.

أمر رجال الأعمال المقربين من إردوغان بالتوجه لشراء محطات تلفزيونية وصحف، وأِشرف على طرد جميع العاملين في قطاع الأخبار وتعيين صحافيين محسوبين على الحكومة، ونجحت الخطة بإعلان المعارضة أن إردوغان أصبح مالكا غير مباشر لنحو 80% من وسائل الإعلام في تركيا، بينما أصحاب الضمائر الذين لم يستطع شراءهم فقد لفق لهم تهما جاهزة أهمها أنهم تابعون لحركة الخدمة المصنفة إرهابية.
أما السؤال الذي يطرحه المحللون الآن: ماذا تبقى في طموح الشاب لم يستطع الوصول إليه بعد، وهل باستطاعته تدبير انقلاب حقيقي على إردوغان ليتمكن من الجلوس على عرش تركيا؟.. المستقبل وحده يستطيع الإجابة عن هذا السؤال.

Qatalah