يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


خمسة شباب من بيروت اللبنانية، شكلوا جمعية لنشر الوعي بين العرب، ومواجهة الاحتلال العثماني. الخمسة أصبحوا عشرات، والمنشور لم يعد يُعلق على حوائط بيروت فقط، بل حوائط دمشق وحمص وصيدا وطرابلس.

الشباب الواعي نددوا بمساوئ الحكم العثماني، وطالبوا السكان بالثورة. منشوراتهم أفزعت العثمانلي، فقد كانت أول عمل ثوري منظم، يهدف إلى الإطاحة بهم من أجل إنشاء حكم عربي حديث. السلطان المستبد عبد الحميد الثاني بعث جواسيسه إلى الشام، وفتشوا المنازل، واعتقلوا الأبرياء، لكنهم لم يعثروا عليها.

أثر الجمعية كان كبيرا، فقد كانت الشرارة الأولى للوعي القومي العربي، الذي زرع الحكم المصري عام 1831 بذرته. صارت الجمعية بمثابة الصرخة الأولى، والمنشور الأول، والوعي الأول، بالنسبة لتيار القومية العربية، الذي تفجر في الشام، لمواجهة الاحتلال العثماني.

بذور القومية
خلال قرون الاحتلال العثماني عملت ماكينة الدعاية للمحتل على تزييف الوعي العربي، عن طريق الاستخدام المغلوط للدين، فقد تم تصدير فكرة طاعة ولي الأمر إلى الرعية، واستغلوا دعوة الإسلام للوحدة في غسل عقول الناس، وتصدير شخص "السلطان" إليهم على أنه الخليفة، موض الله في حكم البلاد.

السلطان الماكر عبد الحميد الثاني (1876-1909) كان أكثر السلاطين استثمارا في هذه المسألة، وكان صاحب فكرة "الجامعة الإسلامية" بمعنى أنها التبعية للسلطان، خليفة الله في الأرض، لا الجامعة التي أرادها جمال الدين الأفغاني.

انتقال الوعي العربي من فكرة تقديس السلطان، أو الخليفة، إلى الثورة على العثمانيين، كان هو العمل الذي نهضت به الحركة القومية العربية في البلاد العربية، منذ منتصف القرن التاسع عشر.

هذه النخب العربية لم تكن لتصل إلى إدراك استقلال الذات العربية لولا عدة شروط تاريخية، كان أولها الحكم المصري للشام (1831-1840) الذي أدخل التعليم الحديث، فنشر بذور التفكير بين أهل الشام.

نهضة مصر في عهد محمد علي كانت هي بذرة النهضة العربية الأولى، فقد أصبح لمصر كيانا مستقلا، رغم إرادة السلطان، فكانت مثالا يُحتذى به، وقد نشأت حركات في العراق تقتدي بتجربة مصر.

التعليم الحديث سواء الذي أدخلته مصر، أو بجهود الإرساليات الأجنبية حرر العقل العربي من التبعية العثمانية، وساهم في ظهور حركات تجديد ديني قاوم الاستبداد، وبرأت الدين من الاستبداد العثماني.

الجمعية الأولى
جمعية بيروت السرية تمثل أول جهد منظم في الحركة القومية، وتم تأسيسها عام 1875، على يد خمسة من الشباب، الذين درسوا في الكلية البروتستانتية السورية في بيروت، وكانت جمعية سرية، إذ لم يكن النشاط المدني مسموحا به في الدولة العثمانية.

الجمعية ضمت الصفوة المستنيرة من أهل بيروت، وضمت الدائرة الأساسية فيها بجانب المؤسسين الخمسة، 22 فردا، وكانوا من المسيحيين، والمسلمين السنة والشيعة، والدروز، أي إنها ضمت جميع ألوان الطيف اللبناني. كان فارس نمر، وناصيف اليازجي، من الخمسة الأوائل المؤسسين للجمعية.

بيروت كانت مقر الجمعية الرئيسي، وتم افتتاح فروع أخرى في دمشق وطرابلس وصيدا. كان العمل السري طريقهم، واقتصر في البداية على الاجتماعات السرية، لتبادل الآراء، وبحث الخطط، وضم الأعضاء.

عملية تجنيد الأعضاء الجدد كانت تقوم على الاتصالات الشخصية. وظل النشاط مقتصرا على هذا لمدة 3 سنوات، حتى أتموا الاستعدادات للانتقال إلى المرحلة العلنية، والتي هدفت إلى نشر الوعي بالقومية العربية، وترويج المطالب الثورية بين الناس.

لم تكن الثورة أمرا متوقعا بالنسبة لأعضاء الجمعية، بل كان الهدف بث الفكرة في النفوس، حتى إذا جاء الوقت، يكون العرب على وعي بمطالبهم، وكيفية تحقيقها. ولأن المنشورات كانت الوسيلة المتاحة لنقل الأفكار، فكانوا يلصقونها ليلا، وبشكل سري في الشوارع. لم يكن امتلاك مطبعة أمرا يسيرا، فكانوا ينسخون المنشورات بخط اليد، ويتعمدون تغيير الخطوط، وتنويعها، حتى لا يستدل عليهم جواسيس السلطان.

منشورات وجاسوسية
كانت المنشورات أول عمل ثوري حديث شهدته البلاد، فكان الناس يستيقظون ليجدوا المنشورات في شوارع مدن الشام، ويتجمعون حولها، ويقرأ واحدا منهم بصوت مسموع، إلى أن تأتي شرطة الأتراك، فيمزقوا المنشور، ويلقون القبض على بعض المتجمعين.

المنشورات كانت يعلوها شعار يمثل سيفا مسلولا، كُتب تحته البيت التالي من الشعر: لنطلبن بحد السيف مأربنا.. فلن يخيب لنا في جنبه أربُ. حتى أصبحت المنشورات حديث المجالس العامة في الشام، وأصبح ما تتضمنه موضوع الأحاديث الهامسة في المجالس الخاصة، وكان أعضاء الجمعية يشتركون في هذه الأحاديث، وينتبهون إلى آراء المتحدثين وتعليقاتهم، ويستخدمون معرفتهم برد فعل الناس في صياغة المنشورات الجديدة.

الأعضاء كانوا يتعمدون الخطأ النحوي أحيانًا، لزيادة تصعيب تتبعهم. حتى تم اتهام الصدر الأعظم السابق مدحت باشا بالوقوف وراء الجمعية، وكان اتهاما كاذبا بسبب خلاف السلطان معه، وتأكد زيف ذلك حين تم القبض على مدحت باشا، واستمرت الجمعية بعده.

خلال العهد الحميدي اشتدت وطأة الجاسوسية، وموجات الاعتقالات، فخشى أعضاء الجمعية على حياتهم، وقرروا التخفي لفترة خوفا من الانكشاف، فقاموا بحرق السجلات، وإخفاء آثار النشاط، وهاجر عدد منهم إلى مصر، وكان من بينهم فارس نمر، الذي شارك في تأسيس صحف المقطم والمقتطف.

برنامج سياسي
فكر أعضاء الجمعية مر بمراحل عديدة، تطور من خلال النشاط والنقاش، وقد أمكن للباحث "جورج أنطونيوس" تتبع هذه المراحل من خلال قراءة منشورات الجمعية، بعد أن عثر على نسخ لها في سجلات وزارة الخارجية البريطانية.

في البداية كانت العاطفة والحماسة تغلب على المنشورات؛ فكانوا يطالبون أهل الشام بالثورة، ويلومون الاستكانة لطغيان الأتراك، ويدعون إلى وحدة العرب ضد العثمانيين. بينما كان المنشور الثاني أكثر نضجا، وأحكم، واعتمد على خطاب عقلاني إلى حد كبير، إذ تحدث عن إخفاق الأتراك في تطبيق الإصلاحات التي وعدوا بها منذ عام 1860، وهي السنة التي شهدت مذابح الشام.

المنشور طالب بحكم ذاتي للشام، يقوم فيه العرب على إدارة شؤونهم، وتطبيق ما يرونه من إصلاحات. ثم بعد عدة منشورات انتقل فكر الجمعية إلى تبني برنامج شامل للإصلاح، قاموا بنشره في الشوارع، وكان ذلك بتاريخ 31 ديسمبر عام 1880.

المنشور الذي حمل البرنامج بدأ بالتنديد بالحكم العثماني، وعدد مساوئ حكمهم، وتحدث عن معاداتهم للغة العربية، وعملهم على القضاء عليها. كما تحدث عن مسألة الخلافة، مبينا أن العرب أحق بها، واتهم الأتراك بمخالفة مبادئ الإسلام.

أما البرنامج فقد تضمن الأتي: منح سوريا الاستقلال متحدة مع جبل لبنان، والاعتراف باللغة العربية لغة رسمية في البلاد، ورفع الرقابة والقيود الأخرى التي تحد من حرية التعبير، ونشر التعليم، واستخدام المجندين العرب في المهام العسكرية داخل البلاد العربية فقط.

نداءات الجمعية مثلت أول صرخة استنفار أطلقتها الحركة العربية الوليدة. فقد كانت أول عهد العرب بالعمل السياسي الحديث. كان برنامج الجمعية سابقا لعصره، وساعد على لفت انتباه العرب إلى حقوقهم، وكسر فكرة السيادة العثمانية.

المصادر :


Qatalah