يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم تستطع أنقرة التهام لبنان، السجل الأسود للعثمانيين تتوارثه الأجيال، القصص المروعة للمذابح التي أقامها الاحتلال التركي في البلاد تحكيها الجدات على مسامع الأطفال، قرون الاستعمار خلفت وراءها آلاف القتلى في كل مكان.

بيروت رفضت أن تضع يدها في يد العثمانيين الجدد، وتقدم لهم خيرات البلاد على طبق من فضة، مزقت اتفاقية التجارة الحرة وألقت بها في وجه إردوغان وأغلقت أبوابها أمام احتلال اقتصادي يستنزف موارد البلاد ويصب في الخزانة التركية. 

العداء التاريخي
الجرائم التركية في العصور السابقة ليست السبب الوحيد لجمود العلاقات بين تركيا ولبنان، ثمة عوامل أخرى بينها التباين الايديولوجي، خاصة في ظل حكم إردوغان، زعيم العثمانيين الجدد.

تركيا تحاول استعادة الإمبراطورية المقبورة، في حين يعد لبنان (البلد العربي المسيحي) خصمًا تاريخيًا لأفكار العثمانيين في المنطقة، احتضن مركز إشعاع حركة إحياء العروبة في أعقاب القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي ظهرت لمواجهة الحركة الطورانية التركية والعنصرية العثمانلية، فيما كان الإصلاحيون ورموز النهضة اللبنانية الآباء المؤسسون لمشروع العروبة، يحملون لواء مواجهة سياسة التتريك العثمانلية. 

العامل المذهبي لعب دورًا كبيرا في فتور العلاقات بين بيروت وأنقرة، المجتمع اللبناني الفسيفسائي من حيث طوائفه وأديانه المختلفة (لا يهيمن عليه الإسلام السني) مثّل عاملًا إضافيًا لوجود مسافة بين البلدين، فضلًا عن وقوع لبنان في دائرة النفوذ الإيراني بفضل ميليشيات حزب الله وبعض الحركات الشيعية الموالية لطهران، ما جعل من بلاد الأرز بمنأى عن النفوذ التركي الذي لم يستطع مزاحمة الإيرانيين في لبنان.

الجالية الأرمنية
أثناء مذابح (1915 - 1917) التي راح ضحيتها مليونا ونصف المليون أرمني ونفذها قادة "الاتحاد والترقي" في واحدة من أفظع الإبادات الجماعية على مدار التاريخ، هرب عشرات الآلاف الأرمينيين من تركيا إلى لبنان، وشكلوا فيما بعد جالية كبيرة في البلاد أصبحت ذات ثقل وتأثير في صناعة القرار السياسي للدولة. 

مذابح الأرمن وقفت حاجزا أمام إمكانية إقامة أي علاقات جيدة وقوية بين بيروت وأنقرة، لا سيما أن مسيحيي لبنان لا يستطيعون نسيان الاضطهاد الذي عانوا منه تحت وطأة الاحتلال العثماني، إذ كان ينظر للبنانيين المسيحيين بوصفهم مواطنين من الدرجة الثانية.

النوايا التوسعية
منذ وصول العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في 2002 سعى إردوغان لتوقيع اتفاقيات شراكة تجارية مع بلدان المنطقة، طمعًا في توسيع دور أنقرة في العالم العربي، وتحقيق أوهام الخلافة  باستعادة الإمبراطورية العثمانية من خلال الاقتصاد وزرع وكلاء في البلد يعملون لخدمة المشروع التركي.

إردوغان بدأ خطة توقيع اتفاقيات التجارة الحرة مع الدول العربية عام 2004 بعد عام واحد من توليه رئاسة الوزراء، بدأها بثلاث اتفاقيات مع سورية والمغرب والسلطة الفلسطينية، واتفاقيتين مع مصر وتونس في العام التالي، وأخيرا اتفاقية مع الأردن في 2009  وأخرى مع لبنان في العام التالي، والتي لم يتم إقرارها أو تنفيذها حتى الآن.

الحرب الاقتصادية
الاتفاقيات التركية تسببت في آثار كارثية على اقتصاد الدول العربية، عملت على خدمة مصالح أنقرة بتصدير منتجاتها، في مقابل تدمير الصناعات الوطنية العربية.

عائدات الخزانة التركية ارتفعت على حساب الاقتصاد العربي، ما دفع الأردن والمغرب إلى إلغاء الاتفاقيات في العام الماضي، ومن قبل سورية في ديسمبر 2011 على خلفية التدخل التركي السافر في شؤونها الداخلية.

أيقن اللبنانيون عدم قدرة المنتجات المحلية على الصمود أمام نظيرتها التركية التي تقوم حكومة العدالة والتنمية بدعمها في الخفاء، وتخفيض سعرها من أجل كسب المنافسة والاستحواذ على السوق، ما يخالف قواعد التجارة الحرة، وهي الخطة الشيطانية التي كاد أن يدمر بها إردوغان صناعة المنسوجات في المغرب.

العجز التجاري
لم ينزلق اللبنانيون إلى اتفاق التجارة الحرة مع تركيا، خوفا من حدوث عجز كبير في الميزان التجاري لصالح أنقرة كما حدث مع الأردن والمغرب وتونس، فضلًا عن هشاشة بعض القطاعات الاقتصادية في البلاد لا سيما الزراعة، في حين لا يعد الاقتصاد اللبناني ريعيًا مثل دول الخليج، ما يضاعف قلق المسؤولين من هروب النقد الأجنبي إلى الخزانة التركية دون إمكانية تعويضه.

محمد شقير رئيس اتحاد الغرف اللبنانية شكا لوفد من رجال الأعمال الأتراك عدم تقديم بلادهم التيسيرات المطلوبة لتدفق المنتجات اللبنانية إلى تركيا مثلما تتدفق المنتجات التركية إلى لبنان قائلا : "لذلك نرى ضرورة أن يأخذ الأتراك بالاعتبار موضوع التوازن في علاقاتنا الاقتصادية، وهذا يقتضي إزالة العقبات والقيود الفنية التي تعيق انسياب السلع".

تحفظات وزارية
الإعلان عن اتفاقية التجارة الحرة بين لبنان وتركيا في 2010،  قوبل بانتقادات لاذعة داخل أروقة الحكومة اللبنانية نفسها، ما أدى إلى عدم إقرار الاتفاقية  وتنفيذها حتى الآن، اعترضت وزارة الزراعة في يوليو 2012 على الاتفاقية وحذرت من تداعياتها على القطاع.

وزارة الاقتصاد والتجارة انضمت إلى رفض بنود الاتفاقية، ورأت أنها تلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد اللبناني، وتسمح بغزو المنتجات التركية إلى البلاد، واختلال ميزان التبادل التجاري بين الجانبين لصالح تركيا، فيما رفضت الحكومة اللبنانية توقيع اتفاقية للنقل البحري مع نظيرتها التركية، ولم تستجب لمناشدات أنقرة المتكررة من أجل التنسيق بينهما في رفع الحظر على بعض السلع التركية.

غياب العملاء
عامل آخر جعل اللبنانيين غير متحمسين لتنفيذ اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، هو غياب دور العميل الإخواني في البلاد، على عكس دول مثل تونس والأردن والمغرب ومن قبلها مصر، حيث كان العملاء من أعضاء التنظيم الدولي في تلك البلدان، ما يسهل تمرير الاتفاقيات.

لبنان لا يعاني من عزلة دولية يرغب في التحايل عليها ما يضطره إلى الاستعانة باتفاق للتجارة الحرة مع أنقرة كما حدث مع سورية  التي لجأت إلى تركيا، إضافة إلى أن لبنان لا يوفي دعمًا كبيرًا للسلع  يمكنه من مواجهة أسعار البضائع التركية مثلما الحال في مصر.


 
تشابكات السياسة
سياسات تركيا التوسعية، وأطماعها في المنطقة - التي لا تحرص على إخفائها - أدت إلى نفور الساسة من فكرة وضع بلدانهم رهن نفوذ قوة إقليمية أخرى، ما يدق مسمارًا جديدًا في نعش المنظومة الديمقراطية اللبنانية التي تئن تحت وطء التصدعات الحزبية والولاءات الخارجية.

السياسة التركية الرعناء في سورية، وقيام الحكومة التركية بتسليح التنظيمات الإرهابية تسبب في نتائج مدمرة لا على سورية فحسب ولكن على لبنان أيضا بحكم الجيرة.

قرابة مليون ونصف المليون لاجئ سوري نزحوا إلى البلاد في ظل مشكلات اقتصادية جمّة يعاني منها الاقتصاد اللبناني، فيما حاولت أنقرة التودد لبيروت من خلال  مهدي أكر، مسؤول العلاقات الخارجية لحزب "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا، بذريعة أنهما أكثر دولتين استيعابًا للاجئين بيد أن ذلك لم يفلح في تحسين العلاقات بين البلدين.

الحرب بالوكالة
المواجهة بين "حزب الله" اللبناني الداعم لنظام الأسد، وميليشيات تركيا في سورية، شكلت سببا آخر في التوتر بين الجانبين، وصل إلى مرحلة خطيرة بعد حادثة أعزاز، عندما قام لواء "عاصفة الشمال" التابع لأنقرة بخطف 22 لبنانيًا بمنطقة أعزاز بمحافظة حلب، شمالي سورية سنة 2012، أثناء رحلة عودتهم من زيارة أماكن مقدسة لدى الشيعة في إيران، لمبادلتهم بسجينات لدى النظام السوري.

أهالي المخطوفين اتهموا أنقرة بالضلوع في خطف ذويهم، ونظموا تظاهرات مناهضة لتركيا في لبنان، نتج عنها التعرض لأفراد الجالية التركية في لبنان، وتكلل بخطف طيارين تركيين بالقرب من مطار بيروت، على يد جماعة تدعى "زوّار الإمام الرضا" في لبنان للضغط على أنقرة بغية الإفراج عن اللبنانيين المختطفين، وهو ما تم في النهاية.

غياب المصالح
فضلًا عن المواجهة بين "حزب الله" وتركيا في الساحة السورية، ساهمت السياسة العدوانية التي تنتهجها أنقرة تجاه دول المنطقة، في توتر العلاقات بين البلدين في النواحي التنسيقية والتعاونية، ما ألقى بظلاله على غياب المصالح بين تركيا ولبنان، وما ترجم في صورة تجميد اللجنة المشتركة اللبنانية التركية بعد عام 2009، فيما حاولت أنقرة إقناع بيروت بإعادة تفعيلها ولكن دون جدوى.

يدرك اللبنانيون أن الأتراك طامعون في مصادر الغاز الموجودة على السواحل اللبنانية، وأنهم سيبذلون كل ما في وسعهم للظفر بالوليمة، لكنهم يرهنون المصالح الاقتصادية بالسياسية، ما لفت إليه رئيس اتحاد الغرف العربية، نائل الكباريتي، لوفد رجال الأعمال الأتراك الذي زار لبنان في فبراير 2018، للاستثمار في النفط والغاز. 

Qatalah