يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


17 أكتوبر 2018 بينما تتجه تركيا إلى الماضي...

كل عملية انتخابية، وكل قرار يُتخذ، إنما هو انعكاس للحياة، في بعض الأحيان، يمكننا تغيير مسار مستقبلنا بالقرارات التي نتخذها، تلك القرارات لا تؤثر علينا فقط، وإنما أيضا على الناس من حولنا، وإذا تبين أن قرارا سابقا كان خطأ، فلا يوجد ما يمكن فعله حياله. 
يستمتع الناس بالتفكير في خيبات الأمل الماضية، أو تصور إمكانية سحب الأخطاء التي وقعنا فيها، نحن نحلم بالسفر عبر الزمن إلى الماضي كي نجعل مستقبلنا أفضل، أو نتساءل كيف سيكون مستقبلنا لو كنا اتخذنا قرارات مختلفة.
منذ أن كتب هربرت جورج ويلز رواية ذا تايم ماشين (آلة الزمن) في نهاية القرن التاسع عشر، كان موضوع السفر عبر الزمن مادة رائجة في الأدب والأفلام السينمائية، وبالطبع، الكتب الهزلية، وتستكشف سلاسل أفلام سينمائية مثل باك تو ذا فيوتشر (العودة إلى المستقبل) وذا تيرمينيتور المدمر) كيف يمكن أن يتأثر المستقبل بتغيير ماضينا. 


من بين الأبطال الخارقين، يأتي المثال الأشهر على الإطلاق في فيلم سوبرمان (الرجل الخارق) للمخرج ريتشارد دونر، عندما جعل الرجل الخارق الأرض تدور عكسيا (من الغرب إلى الشرق) لإعادة الزمن إلى الوراء حتى يتمكن من إنقاذ لويز لين، ورغم السخرية المتكررة من هذا المشهد، إلا أن الأبطال الخارقين لديهم بعض الأساليب المثيرة في التعامل مع السفر عبر الزمن. 
ومقارنة بكل كتب (عالم دي سي) الهزلية جميعا، فإن فلاش بوينت أو (نقطة الوميض) هو شيء مختلف تماما، في فلاش بوينت يعود فلاش بالزمن إلى الماضي لمنع موت أمه ويغير المستقبل نتيجة لذلك، وعلى غرار الجزء الثاني من باك تو ذا فيوتشر، حيث يسرق بيف روزنامة مارتي مكفلاي الرياضية من المستقبل ويصنع مستقبلا جديدا، فإن العالم الذي يصنعه فلاش مختلف كلية. 

في هذا المستقبل، لا يوجد رجل خارق. وبدلا من مقتل والدي بروس وايني في عملية السطو، يموت بروس نفسه، ويكون والده توماس هو باتمان (الرجل الوطواط). تصاب أمه، مارثا، بالجنون وتصبح جوكر. وتدخل حضارتا أتلانتيس والأمازون في حرب طاحنة، ويكون أكوامان والمرأة الخارقة عدوين لدودين. هذا العالم يبدو طبيعيا للجميع، وفلاش وحده هو من يعلم أنه سبب تغيرا في الزمن عندما أنقذ أمه.

ربما تشعر كأنك مسافر عبر الزمن عندما تنظر إلى الأحداث الجارية في تركيا وكيف يكون رد فعل قطاع معين من السكان على تلك الأحداث. الأمر يبدو كما لو أن تغيرا في الزمن قد حدث وكل شيء نعرفه اليوم مختلف تماما. 

وبرغم أن تركيا لم تكن قط دولة ديموقراطية بشكل حقيقي، فقبل أقل من 20 عاما فقط كانت البرامج التلفزيونية الكوميدية تحقق أرقاما قياسية من خلال النقد السياسي اللاذع. وفيما يتعلق بالبرامج الترفيهية، لم يكن حضور الراقصات الشرقيات نادرا. كانت هناك إعلانات تجارية بها القليل من الجنس، ولم يكن أحد يأبه حقا بهذا. 


غير أنه في وقتنا الحاضر، يبدو الأمر كما لو أن الماضي لم يكن موجودا قط. يتذكر معظم الأتراك هذا كذكريات طفولة باهتة. والبرامج النقاشية التي كان عادة ما ينضم إليها الزعماء تقبع في قاع أرشيف الذاكرة. كان هناك إقبال على فتح محطات تلفزيون وإذاعة خاصة بشعارات تزعم أنها حرة، لكن الآن هناك إقبال على إغلاقها. والقنوات التي لا تزال مفتوحة تذيع جميعها نفس الأنباء. 
والارتياح الذي شعر به الناس خلال السنوات الأولى من قيادة حزب العدالة والتنمية كان مدهشا، لا سيما في شرق وجنوب شرق الأناضول. وتابع الأكراد التطورات بسعادة بعد أن كانوا يخشون السير على ممشى إلى جانب جنود من الجيش أو الشرطة. كانت لا تزال هناك مشكلات في جنوب شرق البلاد، لكن المنطقة كانت تستقر ببطء. 


ومع ذلك، وعلى الفور بعد فترة من "فتح العلاقات" والدخول في حوارات مع حزب العمال الكردستاني، زادت الحكومة الضغط على المنطقة كما لو أن الأيام القديمة لم تحدث قط. واضطر أناس إلى الهجرة عندما هُدمت قراهم ومدنهم. والأمر يبدو كما لو أن شخصا قد سافر عبر الزمن إلى الماضي وفعل شيئا ما ليجعل حزب العدالة والتنمية يغير سياساته التي كانت ستفيد البلاد، وفي غضون فترة قصيرة، اختفى كل شيء كنا قد مررنا به.


وفي إشارة إلى الانتخابات المحلية القادمة، أعلن الرئيس رجب طيب إردوغان أنه "إذا أفرز صندوق الانتخابات أي شخص متورط في الإرهاب، فسوف نعين أمناء"، بما يعني أنه لن يقبل النتائج في المناطق التي لا يفوز فيها حزبه. لا يهم أنه خلال العقد الماضي، بدءا من الوقت الذي كان فيه حزب العدالة والتنمية يواجه خطر الإغلاق، كانوا يصرون على ضرورة احترام اختيارات الناس في صندوق الاقتراع. أما الآن فهم يقولون للناس إن اختياراتهم لا تهم.
وليست تلك هي التغييرات الوحيدة التي تشهدها تركيا. فباسم التجديد الحضري، يتم إغلاق أماكن الترفيه واحدا بعد الآخر، كما يتعين على بعضها التعامل مع قواعد جديدة مقيدة تتعلق ببيع الخمور، خاصة في المدن الكبرى. 
تسلك تركيا هذا الطريق كما لو أن الماضي لم يحدث قط. فهناك أحداث لم يكن حتى ورودها على الذهن من قبل ممكنا باتت الآن جزءا من الحياة اليومية. لا أحد يهتم بدرجة ما بأن هناك 500 طفل من عمر أقل من عام وحتى ستة أعوام في السجن مع أمهاتهم، وبأن طلاب المدارس العسكرية يقضون عقوبات بالسجن مدى الحياة لمجرد اتباعهم الأوامر خلال محاولة الانقلاب في يوليو 2016. 
في فلاش بوينت، عندما رأى فلاش أن المستقبل الجديد كان مروعا، عاد إلى الماضي ليمنع نفسه من إنقاذ أمه. وباستثناء بعض التغييرات الصغيرة، عاد إلى الحياة التي يعرفها. في تركيا، يمكن أن يتغير أي شيء في أي لحظة.  غير أن أحد الأشياء القليلة التي لم تتغير منذ العهد العثماني هي أنه عندما يشعر من هم في السلطة أن سلطتهم تتفلت من بين أيديهم، يوجهون ضربتهم أولا لأقرب الناس إليهم، حيث يؤلبون بينهم وبين من يقفون تحت تصرفهم. وبغض النظر عن مدى التغير في تركيا، فهذه سمة لن تتغير بسهولة.

نقلا عن صحيفة "أحوال" التركية

Qatalah