يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي



"حركة الخدمة تهدد السلم الاجتماعي، لم أتعامل معهم قط"، هكذا تحدث النائب في البرلمان التركي، محمد أوزهاسكي، في 2016، في وقتٍ كان يطمح فيه لمنصب وزاري. التعليقات على خطابه حينها كانت تحمل عبارات استهجان وتكذيب، من نوعية: "يبدو أنك نسيت ماضيك، ليس عليك أن تصل إلى هذه الدرجة من الكذب لتصبح وزيراً".

صار أوزهاسكي وزيرًا في 2016 كما كان يطمح، لكنه يصبح عمدةً لمدينة أنقرة في انتخابات المحليات الأخيرة. حيث تلقى هزيمة قاسية أمام مرشح المعارضة، منصور يافاش. رغم ترشحه باسم "العدالة والتنمية"، فالحزب الحاكم تلقى نكسة مروّعة في الانتخابات، خسر خلالها أهم المدن التركية على الإطلاق: إسطنبول وأنقرة وإزمير وديار بكر، وغيرها.
خطاب أوزهاسكي دائما ما يحوي الكثير من التناقضات والكذب، فالرجل الذي أنكر علاقته بحركة الخدمة، كان معروفًا بعلاقته القوية ومصالحه مع الحركة وزعيمها، الداعية فتح الله جولن.

منذ سنوات، يحرص أوزهاسكي على تملق الرئيس التركي، رجب إردوغان، ليل نهار، يدرك أن أية علاقةٍ له بحركة الخدمة قد تؤدي للقضاء على مستقبله السياسي بالكامل، فالحركة التي كانت حليفة أساسية لنظام إدروغان منذ 2002، وصلت إلى مرحلة الصدام العلني في 2013، قبل أن يلصق بها رجب إردوغان تهمة الضلوع في مسرحية انقلاب يوليو 2016.
لكن تلك هي حال نظام إردوغان حيث يتمكن الفاسدون والمتملقون من الحصول على المناصب، حيث بالفعل تقلد أوزهاسكي بعد تلك التصريحات منصب وزير البيئة والعمران في نفس الشهر عام مايو 2016، ليترك المنصب إلى منصب آخر هو مساعد الأمين العام لإدارة الأزمات بالمحليات لحزب العدالة والتنمية الحاكم، كي يتمكن من المنافسة في الانتخابات المحلية بالعاصمة أنقرة والتي خسرها فيما بعد. 

أوزهاسكي يعد من كبار مؤيدي تيار العثمانية الجديدة في تركيا، إذ بدأ الارتباط بالأحزاب العثمانية بداية من حزب الرفاه، الذي انضم إليه في 1983 حتى تاريخ حله في 1998، ثم انضم إلى حزب الفضيلة بين عامي 1999 و2001، ليخرج مع المنشقين رجب إردوغان وعبد الله جول، ليشارك في تأسيس حزب العدالة والتنمية 2001.

من هو أوزهاسكي؟ 
حسب صحيفة يني عقد، ولد أوزهاسكي الذي يجيد اللغتين الإنجليزية والعربية، في عام 1957 في مدينة قيصري حيث تلقى تعليمه فيها، ولم يتمكن من التخرج في كلية الهندسة بجامعة هاجي تيبه قسم الإلكترونيات بسبب ظروف سياسية، ليلتحق بكلية الحقوق بجامعة إسطنبول، لكنه لم يصبح محامياً، حيث ترأس أعمال العائلة في مجال المنسوجات. 

أوزهاسكي بدأ في الظهور بمجال العمل الاجتماعي من خلال إنشاء العديد من جمعيات العمل العام بمدينته قيصري ليبرز اسمه بالثمانينيات، ويتمكن في عام 1994 من الحصول على منصب رئاسة بلدية مليك غازي، وفيما بعد يتمكن في عام 1998 من الحصول على منصب رئيس بلدية قيصري، ولمدة خمس دورات متوالية حتى العام 2014. 
تولى كذلك رئاسة منصب اتحاد تطوير الأماكن الأثرية والتاريخية في الفترة من 2004 إلى2011، لكنه أصبح من أبرز رجالات إردوغان بالتحديد منذ العام 2015 حينما استدعاه ليصبح نائباً في البرلمان ويستقيل على الفور من منصبه في بلدية قيصري. 

حسب صحيفة تقويم، أصبح أوزهاسكي وزيراً للبيئة والتخطيط العمراني عام 2016، ليتولى ملف إعادة إعمار منطقة شرق تركيا التي طالها التخريب إثر عمليات الكر والفر بين الجيش التركي وعناصر حزب العمال الكردستاني، كما بدأ يتواجد على الساحة في أنقرة حيث تولى تنظيف بحيرة جول باشي موجان، من الطمي، ثم أطلقت الحكومة يده في التعامل بشأن تطوير 160 هكتارا من أراضي العمران بأنقرة، ومشاريع أخرى أطلقت فيها الحكومة يده ويد شركاته والمقربين منه ضمن خطة تحت اسم "المدينة المثالية".

أراد إردوغان أن يهمين على كل مشاريع أنقرة لصالحه وصالح شبكة فساده، لذا أوكل لرجله أوزهاسكي مهمة إعادة تنظيم المدينة بالكامل ابتداءً من عام 2017 والتي تنتهي في عام 2038، وذلك على أساس حصوله على منصب رئيس البلدية في الانتخابات البلدية الأخيرة، لكنه لم يتمكن من انتزاعه لشيوع فساده بين النخب والأوساط الشعبية في أنقرة فذهب المقعد إلى المعارضة.

26 صفحة من الرشاوى

حسب صحيفة بيرجون عام 2010، كشف كمال كليتشدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري، وأثناء مناقشته للميزانية في البرلمان عن شبهات فساد كبيرة تتعلق بأوزهاسكي أثناء توليه منصب بلدية قيصري عام 2007، حيث قام أحد العاملين بإدارة البلدية ويدعى هاجي علي هامورجو بالاعتراف بتلقيه الرشوة عن إصدار تراخيص لمواقف التاكسي ومحطات البنزين وغيرها من الأنشطة بالبلدية في تقرير مطول وصل إلى 26 صفحة.

التحقيقات كانت شبه سرية حيث تم إخفاء ملفات الاتهام وفيديوهات التحقيق، حيث قامت الحكومة بنشر 16 صفحة فقط من اعترافات هامورجو، ليوجه كليتشدار أوغلو تساؤلا رسميا لوزارة العدل عن سبب إخفاء باقي الصفحات، وهل سبب ذلك ظهور اسم أوزهاسكي في باقي الملف.
الاتهامات وجهت إلى أوزهاسكي، ليس بالرشوة وخيانة الأمانة فحسب، بل باستغلال الوظيفة العامة، بعد ثبوت تهم الرشوة عليه، وعدد من موظفي البلدية، لكن القضية ضاعت بين المدعين الوكلاءـ ليتم إغلاقها بإمضاء وزير العدل ووكيل المدعي العام، إسماعيل دالان، تحت مبرر عدم الاختصاص!. 

وفيما بعد أثار محمد سفكي كولكول أوغلو، نائب مدينة قيصري عن حزب الشعب الجمهوري المعارض، القضية مجددا، وتوجيه تساؤل رسمي لإردوغان في البرلمان، لكن تم تهديد عائلته وابنه، لدرجة أنه بكى في البرلمان: "هددوا طفلي في التليفون، وأخافوا زوجتي في الليل، وكلاهما تقدم بإفادته للنيابة".
الجدير بالذكر أن أوزهاسكي أنكر بشدة في التحقيقات تلقيه رشاوى بقيمة 10 ملايين ليرة، واعتبرها قضية ملفقة من خصومه لتهديد مستقبله السياسي!

فساد قيصري يتواصل 
حسب صحيفة ديكن عام 2018، ظهرت قضية فساد لأوزهاسكي بالبلدية على إثر شراكة جمعيته وإخوته مع سلفه بمنصب رئيس بلدية قيصري مصطفى تشليك وأخيه وآخرين في شركة تدعى إنتار التجارية للطاقة والصناعات الزراعية عام 2014. 
الفساد تواصل عبر تلك الشراكة، فبعد أن أصبح تشليك رئيساً لبلدية قيصري تمكن وعبر ثلاث شركات يملكها هو وإخوته،
وعبر شركة رابعة هي شركة ساباز لخدمات التأمين المحدودة، من التحايل والحصول على صفقات من بلدية قيصري بالمخالفة للقانون، وذلك بتسهيلات من أوزهاسكي كوزير للبيئة والتخطيط العمراني وبموافقه من وزارته، لتحصل على صفقات التأمين في البلدية لمدة 4 سنوات بمقابل 2 مليون ليرة، ليبرز الدور الخفي لأوزهاسكي في تلك الصفقات. 

يكذب بشأن جولن
حسب وكالة أودا تي في عام 2016، ظهر من خلال مستندات وزارة البيئة كذب أوزهاسكي بشأن ادعاء عدم علاقته بحركة الخدمة، فبحسب الصحيفة منح أوزهاسكي حركة الخدمة أراضي  بقيمة زهيدة تم تخصيصها لإنشاء وقف برج التعليمي الثقافي والصحي في منطقة إركيليت، حيث خصص الوزير الذي أنكر إعطاء حركة الخدمة متراً واحداً، حوالي 166 ألف متر مربع. 

أوزهاسكي مرر تلك الصفقات رغم حالة الشد والجذب في فترة ظهور تسجيلات الفساد على حكومة إردوغان عام 2013، وبسرعة حينما كان على رأس بلدية قيصري ومن أجل مصالحة الخاصة، وذلك مقابل ثمن زهيد ليؤمن مبلغ عمولة جيدا ضمن صفقة، اضطر رئيس البلدية اللاحق وفي خضم حالة الجدل التي أثارتها إلى إلغائها. 
ورغم إنكاره علاقته بفتح الله جولن، كان أوزهاسكي قد صرح لمجلة "نقطة وتلفزيون ألف" المحلية في أثناء الانتخابات العامة العام 2007، قائلا: "لو دخلنا في الانتخابات القادمة ليس فقط بإردوغان، بل بفتح الله جولن سنأخذ أصواتا أكثر!". 

هزيمة أوزهاسكي في انتخابات أنقرة مارس الماضي لم تقض على مستقبله السياسي بعد، إذ عينه إردوغان في منصب مساعد الأمين العام للإدارات المحلية في حزب العدالة والتنمية، وهو المنصب الذي يبدو أن الهدف منه هو محاولة ترضية أوزهاسكي المشرف على العديد من ملفات الفساد لإردوغان وعصابته.

Qatalah