يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يعشق رجب إردوغان أن يقرن اسمه بمشروعات ضخمة، من دون أن يولي اهتمامًا بكيفية تنفيذ هذه المشروعات ومصادر تمويلها، كل ما يشغله هو التقاط صورة الافتتاح، وتدوين ذلك في كتاب الإنجازات السنوي الذي تصدره مؤسسة الرئاسة التركية.

من أجل الزعامة الزائفة، افتتح إردوغان اليوم الجمعة مسجدًا في مدينة إسطنبول قال إنه "أكبر مسجد في تركيا"، مضيفًا في كلمة ألقاها خلال حفل الافتتاح، إنه سعيد للغاية بـ"جامع تشامليجا فهو ليس مجرد مسجد فحسب بل مجمع كبير يضم قاعة مؤتمرات ومتحفا للآثار الإسلامية التركية".

إردوغان عدد مزايا المسجد قائلا: "جامع تشامليجا هو الأكبر في تركيا ويمكن مشاهدته بسهولة من جميع مناطق إسطنبول"، محاولًا تصدير صورة عن نفسه على أنه المدافع عن المسلمين حول العالم، "سنواصل العمل من أجل التصدي لتنظيمات النازيين الجدد التي تعتدي على مساجد المسلمين في أوروبا".

عملية افتتاح المسجد تمت وسط تدابير أمنية متشددة داخل المسجد ومحيطه، فضلا عن استعداد الفرق الطبية للتعامل مع أي حالات تستدعي التدخل الطبي، حسب وكالة "الأناضول"، التي أشارت إلى أن المسجد استغرق نحو 6 سنوات لبنائه.

في عام 2013، بدأت عمليات بناء المسجد على أعلى قمة في مدينة إسطنبول بمنطقة أوسكودار على طراز الهندسة المعمارية العثمانلية، وأقيم على مساحة 15 ألف متر مربع، ويتسع لنحو 63 ألف مصلٍ في وقت واحد، وتوجد به 6 مآذن، 4 منها بطول 107.1 أمتار، واثنتان بطول 90 مترًا، فيما يبلغ ارتفاع قبته نحو 72 مترا وقطرها 34 مترا. 

حاكم لا يبالي 
مصممو المسجد ألحقوا به حدائق بمساحات كبيرة كما جرى تزيينه بسجادة خاصة تغطي مساحة 17 ألف متر مربع بمواصفات الوقاية من البكتريا، وهي مكلفة للغاية، في حين لم تعلن حكومة إردوغان عن التكلفة الإجمالية للمسجد الذي يجرى افتتاحه وسط أزمة اقتصادية خانقة تضرب إسطنبول وعموم البلاد.

أحدث التقارير الاقتصادية أكدت عمق الأزمة المالية، فقد تراجع احتياطي البنك المركزي التركي من العملات الأجنبية من 26 مليارا و898 مليون دولار، إلى 25 مليار و858 مليون دولار، اعتبارًا من 26 من أبريل الماضي.

في المقابل، تهرب مدير البنك المركزي، مراد شيتينكايا، خلال اجتماع تقرير التضخم الذي عقد يوم الثلاثاء الماضي، من الإجابة عن الأسئلة الموجهة إليه حول إعلانه زيادة الاحتياطي النقدي منتصف أبريل 20 مليار دولار.

ولم تنجو العملة التركية (الليرة) من مسلسل الانهيار الاقتصادي، فمؤسسة الخدمات المالية والاستثمارية الأمريكية، جولدمان ساكس، توقعت فقدان الليرة 15% من قيمتها أمام الدولار، طوال فترة الـ12 شهرًا المقبلة.

اعتبرت المؤسسة الأمريكية أن الدعم المقدم من البنك المركزي التركي لليرة ليس كافيا، ورجحت عودة العملة المحلية مرة أخرى إلى أدنى نقطة وصلت لها العام الماضي، حيث فقدت نحو نصف قيمتها، وأنهت العام بخسارة تقدر بـ 30%، نتيجة فشل السياسات الاقتصادية لحكومة العدالة والتنمية، وتوتر العلاقات بين أنقرة وواشنطن، والمخاوف المرتبطة باستقلال البنك المركزي.

سراب الخلافة
مسجد "تشامليجا" ليس الأول من نوعه المعبر عن ولع إردوغان بافتتاح المساجد وتحديدًا يوم الجمعة، إذ يحرص على الظهور كخليفة للمسلمين، ويعمل على حضور افتتاح المساجد داخل تركيا وخارجها. 

إردوغان أوكل إلى مؤسسات حكومته مثل "تيكا" ووقف ديانة ورئاسة الشؤون الدينية مسؤولية ترميم وبناء مساجد في عدد من الدول وخصوصا العربية والأفريقية.

في ديسمبر الماضي، افتتح مندوب شركة توسيالي التركية للحديد والصلب الجمعة الماضية  مسجد  الأمير عبد القادر الجزائري بمحافظة وهران غرب البلاد، بعد مرور 6 أشهر من افتتاح إردوغان مسجد هالة سلطان في الجزء المحتل من العاصمة القبرصية نيقوسيا.

الشركة التركية موّلت بناء المسجد، الذي يحمل اسم أحد أبطال المقاومة الجزائرية، ويعد ثاني أكبر مساجد وهران، حيث يقام على مساحة 14 كيلو مترا، وتمزج هندسته  بين النمطين المغربي والتركي.

في أبريل 2018 افتتح في العاصمة الجزائر مسجد كتشاوة الذي رممته الجمعية التابعة لرئاسة الوزراء التركية، وتتخذ من شعار العمل الخيري والتعاون الدولي ستارا لتنفيذ مهام قذرة في مقدمتها الترويج لـ"سلطان أنقرة"، وتنفيذ مخططه التوسعي الجديد في العالم العربي. وأقيمت في المسجد أول صلاة جمعة  منذ عشر سنوات بحضور وزراء جزائريين، وسفير إردوغان محمد بوروي.

في عام 2013 زار إردوغان الجزائر، ووقع اتفاقا مع حكومتها، يقضي بأن تتولى أنقرة ترميم المسجد. مع بداية العام التالي بدأت "تيكا" تنفيذ المهمة مستعينة بالخطاط التركي حسين قوطلو للإشراف على أعمال الرسم والكتابة لصبغه بالهوية العثمانلية، ما جعل المسجد يحظى باهتمام الأسرة الحاكمة في تركيا، ففي فبراير 2018 زارته أمينة إردوغان في أجواء دعائية مبالغ فيها.

في ألمانيا وقبرص  
ونهاية سبتمبر 2018، افتتح إردوغان المسجد المركزي بحي إيرنفيلد بمدينة كولونيا الألمانية، ويعد أكبر مساجد ألمانيا وأوروبا، وسط معارضة شعبية كبيرة. وبدأ العمل على بناء المسجد في عام 2009، وشيد بالأسمنت والزجاج على مساحة 4.5 كيلو مترا، وسط مزاعم تركية بأنه سيكون رمزا للانفتاح، واستقبل المصلين منذ عام 2017 .

تولت جمعية "الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية (ديتيب) أعمال تمويل بناء المسجد، الذي رفض المسؤولون الألمان حضور مراسم افتتاحه . ونددت رئيسة الحزب الديمقراطي المسيحي  أنغريت كرامب كارنباور - المستشارة المقبلة لألمانيا حسب توقعات المحللين - بما يجرى على أراضي بلادها، عبر حسابها على تويتر قائلة " لافتتاح الذي أجراه إردوغان، ليس انفتاحا للإسلام، وإنما رمزا لانغلاقه" في إشارة إلى أفكار الرئيس التركي المتشددة.

نتيجة الاحتجاجات التي عمت المنطقة قبيل افتتاح المسجد، نشرت الشرطة الألمانية في كولونيا الآلاف من عناصرها، فيما وصفه رئيس الشرطة المحلية أوفي ياكوب بأنه "أكبر انتشار للشرطة في تاريخ المدينة".

وبتمويل تركي، افتتح إردوغان في يونيو الماضي مسجد هالة سلطان في العاصمة القبرصية  نيقوسيا الذي يتسع لـ 3 آلاف شخص وسط معارضة من الساسة في البلاد. واتهم مؤسس حزب قبرص الموحد الاشتراكي عزت إزجان، في تصريحات نشرتها صحيفة ديلي ميل، سياسة إردوغان بأنها تفضي إلى تغيير هوية القبارصة الأتراك.

Qatalah