يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


اشتهرت الدولة العثمانية عبر تاريخها "الأسود"، بخنوع رجال الحكم إلى زوجاتهم وأمهاتهم، فكان الكثير منهم مجرد أداة طيعة في يد امرأة، ربما لجمالها أو لحنكتها على صياغة المؤامرات.. أحمد الأول، كان أحد هؤلاء الذين تلاعبت بهم النساء، فاشتهر عصره بالحروب والتمرد، وعمّ الفساد والظلم، وتعرضت السلطنة إلى خسائر فادحة على جميع الجبهات مع إيران والنمسا وفي البحر المتوسط، كما سقطت العراق في يد الفرس.

14 عاماً من الخنوع قضاها أحمد الأول كسلطان على العرش مدشنا بها عصر الانحطاط العثماني، حتى أصبح "ربيب النساء"، إذ لم يكن لديه ما يؤهله للحكم سوى أنه ابن السلطان السابق فقد قضى حياته بين حجرات الحريم وكان عمره يوم تولى العرش 13 عاما وتولت والدته الحكم نيابة عنه وبعدها سيطر الوزراء على شؤون البلاد وفي عهده انتشرت المحسوبية والفساد.
في عهده تعرض مسلمو الأندلس إلى مذابح عديدة ولم يعر السلطان صرخات المسلمين اهتماما أو يطلب من النمسا حليفة إسبانيا التوسط لوقف المذابح ولم يرسل أسطوله لإنقاذهم.

طفل الحريم
ولد السلطان أحمد الأول عام 1590 وتولى الحكم وعمره 13 عاما سنة (1603-1617) وترتيبه بين السلاطين الرابع عشر، ويُعتبر أول سلطان لا يشغل منصبا إداريا قبل تنصيبه وأول سلطان عاش طوال عمره بين الحريم، والده هو السلطان محمد الثالث ووالدته المحظية هندان سلطانة وكان له أخ يدعى مصطفى أمر بسجنه في الحريم. 

كان أحمد مهووسا بجمع أدوات الصيد رغم أنه لم يكن صيادا ماهرا ويقضي معظم الوقت على ضفاف نهر الطونة في أدرنة مهملا شؤون الحكم والإدارة. وكان لديه شغف كبير باقتناء الخيول.
تميز عهده بانتشار المحسوبية وتعدد مراكز القوى داخل العاصمة وتولت والدته ومؤدبه مصطفى أفندي زمام الأمور في بداية حكمه. أول أعمال أحمد كان سجن جدته صفية سلطانة في القصر القديم.

بعد وفاة والدته عام 1605 ومربيه عام 1607 سيطر أغا الحريم مصطفى أغا على السلطان وكان الوحيد الذي بإمكانه الدخول عليه دون استئذان وأصبح السلطان ألعوبة بيده، لدرجة أنه استخدم اسمه في بيع المناصب والتصرف في جميع شؤون الحكم.

تنازلات ومعاهدات
كانت أركان الدولة غير ثابتة في كافة بلاد آسيا ونار الحرب مستعرة مع الصفويين شرقا والنمسا غربا وكانت الحرب مع الصفويين شديدة الوطأة بعد تولى العرش الشاه عباس القوي.

الصدر الأعظم مراد باشا الملقب بقويرجي سيطر على الحكم لاحقا وهمش دور السلطان الشاب وقاد الجيوش لقمع الثورات الداخلية واستمال قلندر أوغلى أحد زعماء الثورة في الأناضول وعينه واليا على أنقرة بعد أن فشل في هزيمته.
سوء الأحوال المعيشية وانتشار الفقر وكثرة الضرائب للإنفاق على الحرب مع النمسا كانت السبب الرئيس في اندلاع ثورات الأناضول والتي قمعتها الدولة بالقوة دون معالجة أسبابها.

الشاه عباس (بلاد فارس)، انتهز فرصة ضعف العثمانيين واستعاد تبريز ووان ومناطق عدة منهم وطلب العثمانيون الصلح مقابل التنازل عن المناطق التي احتلوها زمن السلطان سليمان القانوني بما فيها مدينة بغداد.
كانت تلك أول معاهدة تتنازل فيها الدولة عن أراض استولت عليها ومثلت فاتحة معاهدات الذل التي ختمت بمعاهدة برلين عام عام 1878.

النمسا استولت على المجر ولم يوقف تقدمها إلا النزاع مع أشراف المجر الذين انتخبوا الأمير بوسكاي ملكا على البلاد وساعدته السلطنة عسكريا فما كان لها أن تتصدى للنمسا وحدها.
عام 1606 وجهت النمسا ضربة موجعة للعثمانيين، واعترفت بالملك بوسكاي ملكا على المجر وأميرا لإقليم ترانسلفانيا، وتوقف بوسكاي عن دعم العثمانيين وعاودت النمسا الهجوم العسكري وحققت انتصارات على الجيوش العثمانية.

السلطنة قدمت تنازلات للنمسا مقابل الصلح ووقف الحرب، ومنها تخفيض الجزية التي تدفعها النمسا عن الأراضي المجرية التي تسيطر عليها، وأقرت النمسا على ما استولت عليه وامتنع السلطان عن مخاطبة إمبراطور النمسا بلقب ملك في المراسلات الرسمية ومناداته بالإمبراطور وكان لقب إمبراطور حكرا على السلاطين الذين نظروا لأنفسهم على أنهم ورثة الأباطرة الرومان وحدهم لكن هذا الاعتراف يدل على مدى المهانة التي وصلت إليها الدولة العثمانية وتنازلها عن كل كبريائها السابق الذي حافظت عليه بقوتها.

امتيازات وخضوع
هزائم العثمانيين امتدت إلى البحر فتعرضوا إلى خسائر في جميع المناوشات البحرية التي وقعت مع سفن رهبان مالطة وملك إسبانيا وجمهوريات إيطاليا. في البحر الأسود تعرض العثمانيون إلى هزيمة مريرة على يد القوزاق الذين أغاروا على ثغر سينوب ونهبوه، ونتيجة لذلك غضب السلطان على الصدر الأعظم.
السلطان استجاب للوشاة وأمر بقتل الصدر الأعظم نصوح باشا خنقا عام 1614 بعد أن حمله مسؤولية غارة القوزاق.

عهد أحمد الأول كان أشد عهود الانبطاح والذل العثماني فقد توافدت رسل دول أوروبا تطلب تجديد الامتيازات التجارية وتعديلها لتكون في مصلحة هذه الدولة بشكل أكبر مما سبق.
السلطان قّبِل بتجديد معاهدات فرنسا ومعاهدات بولونيا وحصلت هولندا على امتيازات مساوية لكل من فرنسا وإنجلترا.

هولندا كانت أول من أدخل التبغ إلى السلطنة وعارض المفتي في استعماله وأصدر فتوى بمنعه فهاج الجند ووقف السلطان عاجزا بين الطرفين وكسبت قوة السلاح المعركة وتراجع المفتي.

خائن الأندلس
خلال حكم أحمد الأول صدر مرسوم ملكي في إسبانيا باسم الملك فيليب الثاني ينذر كافة المسلمين الموجودين في البلاد بالرحيل خلال 72 ساعة وإلا كان مصيرهم القتل.
نفذ الأسبان مذابح عديدة بحق المسلمين استمرت لمدة 10 أشهر دون أن تتحرك الدولة العثمانية لإنقاذهم أو الطلب من إمبراطور النمسا التوسط لدى إسبانيا بإيقاف المذابح.

توفي السلطان وعمره 28 عاما بسبب مرض في المعدة بعد 14 عاما في الحكم لم يترك فيها أي منجز حضاري أو مجد عسكري واشتهر عصره بالخضوع للأجانب والهزائم العسكرية على جميع الجبهات. 

السلطانة كوسِم
ماه بيكر أو السلطانة كوسِم، كانت زوجة السلطان أحمد وتعتبر أشد النساء تدخلا في شؤون الحكم وجلبت كوارث عديدة على الدولة. يصفها المؤرخ التركي، يلماز أوزتونا، قائلا: "كانت ذكية إلى درجة استثنائية، ماكرة ومراوغة، أستاذة في صنع خطط سياسية ومؤامرات متعددة الوجوه، مؤثرة ومقنعة في كلامها".

"كوسم سلطان".. أشهر سلطانات الدولة العثمانية التي حكمتها فعليا في عام 1617، مارست نفوذها بصورة غير مسبوقة أو متبوعة، ووصلت إلى قمة المجد والسلطة في الدولة العثمانية في مشهد استثنائي، وهي أكثر سيدة احتكرت منصب "السلطانة الأم" خلال مدة سلطنة ابنيها "مراد الرابع، وإبراهيم الأول"، لفترة امتدت لربع قرن، وكانت نائبة السلطان لابنها "مراد الرابع" ثم حفيدها "محمد الرابع" لما يقارب 12 عاما، فتجمع بين يديها سلطات واسعة مكّنتها من أن تكون ضلعا أساسيًا في السياسة العثمانية في النصف الأول من القرن الـ17 الميلادي.

عندما وصلت إلى سن 15 عاما من عمرها، أصبحت من أهم الشخصيات المفضلة عند زوجها أحمد الأول وأثرت عليه بذكائها، لكن حياتها تغيرت عندما فارق زوجها السلطان الحياة صغيرًا -قبل بلوغه سن الـ30-، إذ لم تكف عن لعب أدوار سياسية شديدة التعقيد في ظل واحدة من الفترات السيئة في تاريخ الدولة العثمانية، فأظهرت عشقها للسلطة الذي لم يقل يوما بعد أن رفضت أن يلي السلطنة الأمير "عثمان" ابن ضرتها وعدوتها "خديجة ماه فيروز"، خوفا من ضياع فرصة ابنها الأمير "مراد الرابع" في الحكم، الذي كان وقتها لا يزال طفلا صغيرا.

فضّلت "كوسم سلطان" أن تستعين بشقيق زوجها الأمير "مصطفى" الذي لم يكن راغبا في ارتقاء العرش، بل كان يريد الهرب بعيدا، خاصة أن معظم رجال الدولة لم يقتنعوا بشخصية الأمير "مصطفى"، المعروف بخفة عقله وطيشه، ولم يكن الأمر إلا مجرد اتفاق بين السلطانة "كوسم سلطان" ورجال الدولة على تصعيد الأمير "مصطفى"، لإتاحة الوقت أمام السلطانة لتحسم أمرها مع كبار قادة الجيش المنقسمين حول أيّ من أبناء السلطان "أحمد" أحق بولاية العرش، هكذا وصل السلطان "مصطفى" إلى سدة الحكم، كأول أخ يلي السلطنة بعد أخيه في التاريخ العثماني.

المصادر :


Qatalah