يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .. أطماع تركيا في ثروات منطقة شرق البحر المتوسط وقيامها بالتنقيب "غير القانوني" عن النفط والغاز في المياه الإقليمية القبرصية، تصطدم بكابوس ينغص حياة رجب إردوغان ويقضي على أطماعه التوسعية في المنطقة، وهو عودة التفاوض بين شطري الجزيرة القبرصية، تحت رعاية الأمم المتحدة. 

صحيفة "المونيتور" الأمريكية، ألمحت إلى إمكانية وحدة الجزيرة القبرصية المقسمة منذ الاحتلال التركي للجزء الشمالي 1974، ما يعني انتهاء مواصلة حكومة إردوغان استعراض قوتها في شرق المتوسط، بوحدة الجزيرة، في ضربة لأنقرة، التي تتحجج بعلاقتها بـ "جمهورية قبرص التركية" - غير معترف بها دولياً - وتقول إنها تقوم بعمليات التنقيب، بناءً على موافقة "القبارصة الأتراك".

الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس، وزعيم القبارصة الأتراك مصطفى أكينجي (أكبر مسؤول في الجانب المعترف به من قبل أنقرة فقط)، اتفقا على الاجتماع في مناقشات غير رسمية يوم 9 أغسطس المقبل، مما أعاد إحياء آمال إجراء جولة جديدة من محادثات السلام لتوحيد شطري الجزيرة المنقسمة، تحت رعاية الأمم المتحدة.

رعاية أممية وترقب أوروبي
المحادثات، سوف تُعقد في مكتب ممثل الأمم المتحدة في نيقوسيا عاصمة قبرص، وسيتم دعوة الزعيمين من قبل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش للقائه سبتمبر المقبل في نيويورك لإجراء محادثات ثلاثية.

وزير الخارجية القبرصي نيكوس كريستودوليدس، قال :"إن الهدف الرئيس للقاء الذي سيجري في 9 أغسطس هو تهيئة الظروف للسماح بإعادة بدء المفاوضات حول مشكلة قبرص، على تركيا أن تهيئ المناخ المناسب، والتوقف عن التنقيب في شرق البحر المتوسط".

الاتحاد الأوروبي، يقف في صف قبرص التي تحمل عضويته، ويؤكد رفضه عمليات التنقيب "غير القانونية"، التي تقوم بها أنقرة، وقد هدد الاتحاد بحجب بعض المساعدات المالية عن تركيا، بينما لم ترتعد حكومة إردوغان التي أرسلت سفينة "يافوز" للتنقيب عن النفط والغاز قبالة شبه جزيرة كارباس في الجزء الشمالي من قبرص الذي يخضع للإدارة التركية.

وفي حال عاقب الاتحاد الأوروبي تركيا، وإن كان ذلك بشكل رمزي، فإن هذا يعني تأجيل البت في طلب أنقرة الحصول على العضوية الكاملة للاتحاد.
محمد أوجوتجو الدبلوماسي التركي السابق ورئيس "نادي لندن" للطاقة، يرى أن العقوبات الأوروبية سيكون لها أثر عكسي لدى حكومة أنقرة، مضيفًا :"استعراض القوة العسكرية لأنقرة يجبر القبارصة الأتراك على إعادة التفكير في استراتيجيتهم"، ويتوقع أن يؤدي إبعاد تركيا عن أوروبا، لأن الديناميات الداخلية في تركيا لن تسمح للرئيس إردوغان بأن يصبح أكثر ليناً.

سياسة عدم الرد
أحمد سوزن الأكاديمي القبرصي التركي رئيس قسم العلاقات الدولية بجامعة شرق البحر المتوسط، يتفق مع رأي أوجوتجو، ويقول :"القبارصة اليونانيون يعتمدون على دعم الاتحاد الأوروبي وسلسلة الاتفاقات المبرمة مع إسرائيل واليونان ومصر لإنتاج وتقاسم الغاز في شرق المتوسط".

أحمد سوزن، أضاف: "القبارصة اليونانيون يرون أن استعراض العضلات التركية لا يستلزم الكثير من الردود"، وبالفعل لم تخرج تصريحات من المسؤولين المصريين تعير ما تفعله تركيا اهتمامًا كبيرًا، في ظل استمرار الاكتشافات المصرية في البحر المتوسط بالتنسيق مع قبرص واليونان والأمم المتحدة. 

الأكاديمي القبرصي التركي، يرى أنه من الواجب إضافة مسألة الطاقة إلى قائمة القضايا التي تناقش عادةً خلال محادثات السلام القبرصية، مشيرًا إلى أن حكومة إردوغان تزداد تشددًا في كل يوم بسبب دعوات العدد من الأتراك إلى ضم شمال قبرص وتوطيد العلاقات مع روسيا فيما يعد قطيعة لأنقرة مع أوروبا والغرب، وهو ما يضر بمنطقة شرق المتوسط بشكل عام. 

في 20 يوليو الجاري، أعلنت جمهورية شمال قبرص التركية الانفصالية، والتي اعترفت بها أنقرة فقط، بالذكرى الخامسة والأربعين للاحتلال التركي لقبرص، وانتهز إردوغان المناسبة للتلويح بأن الجيش التركي لن يتردد في اتخاذ الخطوة ذاتها التي اتخذها قبل 45 عاما إذا لزم الأمر من أجل حياة وأمن القبارصة الأتراك.

محادثات سويسرا
محادثات ماراثونية قبل عامين في سويسرا، انتهت بلا اتفاق، وقالت مصادر مقربة من المحادثات، رفضت الكشف عن هويتها، لصحيفة "المونيتور"، إن تركيا بدت للمرة الأولى تفكر جدياً في خفض عدد قواتها من 30 ألفا إلى 600 عسكري فقط في شمال قبرص، كجزء من حزمة شاملة من الإجراءات، ستشرف الأمم المتحدة على تنفيذها.

القبارصة اليونانيون، تمسكوا بعدم وجود القوات التركية على الإطلاق على جزيرتهم وهو الأمر الذي رفضته تركيا، وعندما بدأ القبارصة اليونانيون الحفر في شرق المتوسط أوائل 2018، غارت تركيا وقامت بالرد عن طريق إرسال سفنها الخاصة إلى المنطقة.

ويتخوف كثيرون من دخول إردوغان في مفاوضات حول مصير قبرص، كون تاريخه يؤكد أنه لا عهد له، ويشيرون إلى الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بوساطة سويسرية ووقعته حكومة العدالة والتنمية مع عدوها التاريخي أرمينيا في 2009 لإقامة علاقات دبلوماسية وفتح حدودها المغلقة، إذ لم يطبق إردوغان هذا الاتفاق، رضوخًا لضغوط أذربيجان وحلفائها القوميين العنصريين داخل تركيا.

هناك جانب آخر يزيد مخاوف القبارصة الواقعين تحت رحمة الاحتلال التركي، وهو أن حكومة إردوغان تواصل مساعيها لنشر التطرف وإجبار السكان على التدين الشكلي بإقامة مساجد ضخمة ومحاولة التغلغل بين مسلمي الجزيرة، وهو أسلوب تتبعه منذ وصول العدالة والتنمية إلى السلطة في 2002، وقبلها كان لدى أنقرة سياسة مغايرة، عُرفت باسم "سياسة تتريك القبارصة الأتراك".

تقارب بين القبارصة
ميتي هاتاي، وهو باحث قبرصي تركي في معهد "بحوث السلام - أوسلو"، يرى أن القبارصة الأتراك، الذين يشعرون بقلق متزايد بشأن التحول الجذري داخل تركيا نفسها - الاتجاه ناحية التطرف الإسلامي - باتوا أكثر استعدادًا للانخراط مع القبارصة اليونانيين.

ومنذ عام 2003، تم السماح للقبارصة اليونانيين والأتراك بالعبور إلى مناطق بعضهما البعض في الجزيرة.

هاتاي، أوضح أن تلك التنقلات ساعدت في القضاء على الصور النمطية السلبية التي كان يعتقدها كلا الطرفين عن بعضهما البعض، مضيفاً :"الوقت قد حان ليشرع القبارصة اليونانيون والأتراك في بوادر حسن نوايا متبادلة دون وجود أجندة محددة". 

وبحسب ما اتفق عليه سكان الجزيرة المنقسمة، فإن القبارصة الأتراك يمكنهم حاليًا إعادة آلاف من الرموز الأرثوذكسية اليونانية في قلعة كيرينيا منذ عام 1974، ويمكن أيضا فتح القرى المارونية المسيحية لإعادة توطينها من قبل سكانها الأصليين، الذين لجأوا إلى الجنوب اليوناني.

في المقابل، يمكن للقبارصة اليونانيين تخفيف الحظر المفروض على منح جنسية بلدهم للقبارصة المحتلين الذين يتزوجون من الأتراك، فضلًا عن الاعتراف بالدرجات التي حصلوا عليها في الجامعات القبرصية التركية.

عدو الجميع 
رئيس وزراء اليونان الجديد كيرياكوس ميتسوتاكيس، أطلق تصريحات تزعج أنقرة، قائلاً خلال زيارته قبرص اليوم الاثنين، :"على الجنود الأتراك مغادرة شمال جزيرة قبرص وإنهاء الاحتلال التركي للجزيرة".

ميتسوتاكيس، الذي تولى منصب رئيس وزراء اليونان هذا الشهر خلفا لـ ألكسيس تسيبراس، أضاف :"أن القسم الشمالي من قبرص واقع تحت احتلال تركيا، يجب قبل بدء أي مفاوضات من أجل توحيد الجزيرة أن يغادر الجنود الأتراك قبرص"، ما اعتبرته الصحيفة التركية "تصريحات فظة ووقحة".

رئيس الوزراء اليوناني الجديد التقى برئيس قبرص اليونانية، نيكوس اناستاسيادس، وأعرب عن حماسه الشديد لزيارة الجزيرة لأول مرة، وأشار إلى أنه تم مناقشة مسألة انقسام الجزيرة بين الأتراك واليونانيين خلال ذلك الاجتماع وأن هناك تفاؤلا فيما يخص عقد محادثات سلام.

ميتسوتاكيس، أوضح وفقاً لصحيفة "يني تشاغ" التركية، أنه في حال توتر العلاقات مع تركيا بسبب أعمال الحفر والتنقيب عن الغاز الطبيعي التي تجريها إسرائيل واليونان والقسم اليوناني بجميع أنحاء الجزيرة، ستحمي بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي القسم اليوناني وليس أثينا فقط. 

من جهته، طالب الرئيس القبرصي "نيكوس أناستاسيادس" في كلمته عقب لقائه برئيس وزراء اليونان، تركيا بالتوقف عن أعمال التنقيب في مياه قبرص الإقليمية وإتاحة الفرصة أمام المفاوضات، ووفقاً لـ "أسوشيتد برس"، طالب الرئيس القبرصي، تركيا بالتوقف عن أعمال التنقيب غير المشروعة والمشبوهة، التي لا تضيف أي شيء ملموس بالمفاوضات بين قبرص الشمالية والجنوبية.

وأضاف الرئيس القبرصي أنه عزم على عقد لقاء مع رئيس قبرص الشمالية مصطفى كينجي، بتاريخ 9 أغسطس القادم.

الناطق باسم الحكومة القبرصية، وصف الزيارة بالرسالة الواضحة إلى تركيا، مؤكدا أنها تعكس عدم القبول بأي انتهاك لحقوق جمهورية قبرص، وقال :"إن الزيارة مهمة لأنها الأولى لميتسوتاكيس وتأتي بفترة تواجه بها الدولتان استفزازات تركية"، وأضاف :"أن الزيارة ستشهد مشاورات حول الردود المناسبة لوضع حد للاستفزازات التركية، وتسوية الأزمة القبرصية".

Qatalah