يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


من المتوقع أن تتسبب عمليات البيع المحمومة لمصانع ومنشآت تركيا الاقتصادية المملوكة للشعب، في تورط اقتصاد أنقرة أكثر فأكثر في وحل الأزمة، بسبب سياسات رئيس متنكر في ثوب تاجر مقامر، إذ يتوقع الخبراء تراجع السوق التركي في مجال إنتاج السكر من موقع المصدر إلى المستورد وبسرعة فائقة، بعد أن تحولت لمجرد مستهلك دولي للمنتجات الزراعية التي تأتيها من الخارج، بداية من القمح إلى الحمص. 
يلقي المدير العام لنقابة عمال المواد الغذائية والسكر عيسى جوك المسؤولية على إدارة الخصخصة التابعة لوزارة المالية التي يديرها صهر رجب إردوغان بيرات آلبيراق، بوصفها المؤسسة التي قضت على إنتاج السكر في البلاد. 
تراجع عدد القرى المنتجة للسكر في السنوات بين 2006 و2017 من 4131 إلى 2423 قرية، كما تراجع عدد المزارعين من 416 ألف مزارع منذ العام  2002 إلى 70 ألف مزارع حاليًا.   
وقال رئيس اتحاد نقابات المزارعين الأتراك عبدالله أيسو إن تراجع أعداد المزارعين والعائلات المنتجة لبنجر السكر تسبب في مشاكل خطيرة، وفي حال عدم تغيير شكل الإنتاج وسياسته ستحدث كارثة، مضيفا: لامفر من احتلال تركيا موقع المستورد. 
وأوضح عيسى جوك أنه لا مفر من استيراد بنجر السكر بعد فترة، وأوضح أن المزارعين في أميركا والدول الكبرى المنتجة للسكر مشاركين في المصانع،  وأضاف: الضمانات الزراعية شرط في الإنتاج، نقوم أحيانا بتقديم هذه الحوافز في إنتاج الذرة، والقطن، هناك احتمال أن يتراجع المزارع عن إنتاج البنجر. لذلك يجب دعم مواصلة إنتاج بنجر السكر. حتى لا يتعرض إنتاج السكر إلى أي خطر. 

ضياع  14 مصنع سكر      
لا تزال الاعتراضات مستمرة بشأن عزم الحكومة خصخصة 14 مصنعا للسكر، وقال المدير العام لنقابة عمال المواد الغذائية، في تصريح صحافي، إن النقابة تقدمت بطلب إلى مجلس الدولة لإلغاء قرار مزايدة خصخصة 14 مصنعا، مشيرا إلى القيمة الاستراتيجية والوطنية لمصانع السكر، وأكد جوك أن خصخصة مصانع السكر بدأت تلحق الضرر بالمزارعين، وأبرز نتيجة لهذا الضرر ستتمثل في انخفاض حاد في إنتاج بنجر السكر العام المقبل، كما انتقد عملية الخصخصة بسبب غياب الشفافية، وأوضح أنها تدار بشكل مخالف للقانون، حتى وصلت إلى نقطة ستتسبب حتما في أضرار بالغة للدولة والقطاع العام، لهذا السبب تم رفع دعاوى قضائية في الدائرة 13 بمجلس الدولة، لإلغاء قرارات مد مهلة طرح المصانع التي لم يتم  خصخصتها حتى الآن. 
جوك قال إن بيع تلك المصانع بدأ يظهر آثاره السلبية، وتابع: إدارة الخصخصة والمدافعون عنها لا يهتمون بالعملية التي تتم ضد مصلحة تركيا، فمن ناحية يتم إجراء عمليات الخصخصة، ومن ناحية أخرى يتم فتح الطريق أمام استيراد سكر النشا من البوسنة دون جمارك، والتشجيع على تجارة مواد التحلية التي تزداد وارداتها من عام لأخر، ما يوضح أن مستقبل قطاع السكر في تركيا بات مظلما.

"البيع تحت إشراف الرئيس وحده"
بدأت الخصخصة في تركيا في النصف الثاني من الثمانينيات، حيث طالب الرئيس الثامن تورغوت أوزال - الذي بدأ التوجه نحو الخصخصة - بالتخلص من الملكية العامة للمؤسسات الاقتصادية الكبيرة، واقترح بيع كوبري البوسفور بسندات شراكة العائد، وفي عام 1985 جرت أول عملية خصخصة في تركيا ببيع شركة أغدير للقطن والنسيج التابعة لبنك سومر إلى شركة أراس للأنسجة مقابل 6,7 مليون دولار.  
بعد انتقالها من النظام البرلماني إلى الرئاسي، عقب فوز رجب إردوغان بولاية رئاسية ثانية لتركيا، أصبحت أغلب سلطات اللجنة العليا للخصخصة في يد الرئيس، ونشرت الجريدة الرسمية أغسطس الماضي خطابا تعميميا صادرا عن إردوغان يخول رئيس الجمهورية وظائف وسلطات اللجنة العليا للخصخصة، التي ينص عليها قانون الخصخصة.
 ومن بين هذه الصلاحيات، الموافقة على القرارات النهائية للمناقصات وإدخال بعض المؤسسات إلى برنامج الخصخصة، وبحسب الخطاب التعميمي، يخول لرئيس الجمهورية اتخاذ القرارات المهمة في موضوعات الاقتصاد الداخلي والخارجي، وتحديد أسس التشجيع على الاستثمارات والتصدير، والموافقة على ميزانية إدارة الإسكان الجماعي. 
حسب تقارير صحافية، فإن 88% من عمليات الخصخصة في تركيا تمت في فترة حكم حزب العدالة والتنمية، وتم بيع الميراث الاقتصادي للجمهورية التركية البالغ عمره 80 عاما، مقابل 60 مليار دولار خلال 16 عاما، ليبلغ عدد المصانع الحكومية التي تم بيعها منذ العام 1986 حتى الآن 220 مصنعا وقطاعا حكوميا، وبلغ إجمالي أموال الخصخصة في هذه السنوات 68,4 مليار دولار.


عرضت وزارة المالية على لجنة التخطيط والموازنة في البرلمان التركي مارس الماضي، تقريرا يظهر الأملاك الحكومية التي تم خصخصتها خلال 16 عامًا، والتي بلغت أموالها 60.8 مليار دولار.
المثير للدهشة أن أغلب عمليات الخصخصة تمت لصالح رؤوس الأموال الغربية، ففي عام 2005 تم بيع 55% من حصص شركة الاتصالات التركية ترك تليكوم إلى شركة أوجر تليكوم السعودية اللبنانية.
وتم بيع 51% من حصص شركة مصافي النفط التركية المساهمة توبراش، إلى شركة كوتش/شيل العالمية مقابل 4.1 مليار دولار. وفي عام 2006 تم بيع 51% من حصص شركة باتكيم التركية إلى شركة النفط الأذربيجانية سوكار، مقابل 2 مليار دولار، وبيع 6 مصانع سجائر تابعة لشركة تيكل مقابل 1.7 مليار دولار إلى الشركة الأميركية البريطانية للتبغ ريتش أميركان توباكو، ومقرها هولندا. 

العمال ضحايا الترحيلات
سياسة الخصخصة، ألقت بتبعاتها على العمال، فتم تسريح قرابة 2000 عامل في المصانع المباعة، وبدأ تكليف الباقين بساعات عمل غير محددة، ولم يتم تأمين وظائف جديدة للعمال المسرحين، وطلب من هؤلاء العمال إخلاء المساكن التي تؤمنها لهم المصانع، والتي كانوا يقيمون فيها مقابل أجر رمزي، وتم نقل بعض العمال من مدينة لأخرى.
تم نقل رئيس عمال من مصنع سكر في مدينة أرضروم، تمت خصخصته يونيو الماضي، إلى مدينة كاستامونو، وبعد انتقاله مع زوجته وأبنائه الثلاثة، جرى نقله بعد فترة قصيرة للعمل في مدينة يوزغات، وبعد مضي 20 يوما نقل نفس الشخص بعائلته إلى كاستامونو من جديد، وبعد العمل شهرا نقل إلى بلدة إرجيش في مدينة وان. 
وقد طرح نائب حزب الشعب الجمهوري عن ولاية إزمير مراد باكان على البرلمان مشكلة نقل أحد رؤساء العمال بأحد المصانع  إلى  ملاطية ومنها إلى أريلي، ثم إلى ملاطية مجددا وأخيرا إلى كاستامونو.

Qatalah