يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


مشروع خط الغاز العملاق "تاناب" يهدد الأتراك بالمزيد من التكاليف والخسائر، على عكس ما يروجه رجب إردوغان وحكومته، ومن المنتظر أن تتكبد الحكومة 378 مليون دولار، بسبب الفساد وحصتها الإلزامية من الغاز الأذربيجاني.

خط أنابيب "تاناب" مثال على سيادة مبدأ الولاء داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم، بالتعاون مع قطاع الطاقة الذي زادت مخصصاته في ميزانية 2019 بأكثر من 15% لتصل إلى نحو 10 مليارات ليرة بدلا من 8.51 مليار ليرة عام 2018.

موقع "شادو جفرنانس إنتل" أكد أن قطاع الطاقة التركي يبني ولاءات حول إردوغان وحزبه الحاكم، ويحظى تحالف الشركات الأربع المسؤول عن خط "تاناب" بعلاقات مباشرة وغير مباشرة بكل من الحزب والرئيس وعائلته.

"تاناب"
خط أنابيب "تاناب" مشروع لنقل غاز أذربيجان عبر جورجيا وتركيا إلى الأسواق الأوروبية، بطول 1850 كم، ووضع إردوغان ونظيره الأذربيجاني إلهام علييف والجورجي مارغفلاشفيلي حجر أساسه 26 يونيو 2012.

صحيفة "بتروليم إيكونومست" ذكرت عام 2018 أن التكلفة الإجمالية للمشروع بلغت 40 مليار دولار، منها 28 مليار دولار مخصصة للاستثمار في إنتاج الغاز في أذربيجان، ومن ثم نقله عبر جورجيا وتركيا إلى أوروبا. 

أوروبا تعول على هذا المشروع لإنهاء تبعيتها إلى روسيا، المورد الأكبر للغاز إلى القارة العجوز، ومن المتوقع إضافة أنظمة أنابيب لضخ 6 مليارات متر مكعب من الغاز إلى تركيا و10 مليارات متر مكعب إلى أوروبا.

المشروع يضم 3 أنظمة خطوط أنابيب متصلة، وهي خط ترانس أدرياتك "TAP" الممتد من ألبانيا إلى إيطاليا، وخط أنابيب جنوب القوقاز عبر جورجيا، وخط أنابيب "تاناب" عبر تركيا.

تمويل المشروع
البنك الدولي صادق على تمويل مشروع خط أنابيب "تاناب" بـ 800 مليون دولار فبراير 2017، وذكر بيان للبنك أنه وافق على إقراض شركة الأنابيب التركية "بوتاش" 400 مليون دولار، ومثلها لشركة "إس جي سي" الأذرية.

البنك سيقدم القرض إلى شركة "بوتاش" عبر البنك الدولي للإنشاء والتعمير بضمان الحكومة التركية، مع إمكانية سداد القرض على مدى 24 عاما، فيما مد فترة السماح للجانب الأذري إلى 30 عاما بضمان الحكومة الأذربيجانية.

الاتفاق يلزم شركة "بوتاش" الحكومية التركية بالإشراف على التمويل، وكذلك الإشراف على الشركات المشاركة في تنفيذه، وأبدت صحيفة "كليمت هوم نيوز" عام 2016 قلقها من الشركات التي ستتولى تنفيذ أعمال المشروع.

الصحيفة كشفت أن ملاك ومديري تلك الشركات تورطوا في وقائع فساد عديدة، بل وتورطوا في جرائم منظمة استهدفت الحصول على صفقات قطاع الطاقة بطرق غير مشروعة منذ صعود "العدالة والتنمية" إلى الحكم عام 2002.

تحالف المصالح
صحيفة "كليمت هوم نيوز" أكدت أن إحدى الشركات المكلفة بتنفيذ المشروع هي مجموعة "ليماك القابضة"، يديرها نهاد أوزدمير المقرب من إردوغان، مشيرة إلى استثمارها في مجال الإعلام الموالي للحزب الحاكم، إذ تملك صحيفة "ستار" ومحطة "360" التلفزيونية.

شركة "تكفين جروب" عملاق إنشاءات البنى التحتية للطاقة في أذربيجان تشارك في المشروع بفضل تعاون مديرها جوربان أوغلو مع بلال إردوغان في جرائم تبييض الأموال، وتأجير ناقلات النفط من شركة "بوميرز جروب" التي يملك بلال جزءا كبيرا من أسهمها.

جوربان سعى للحصول على الجنسية التركية لإضفاء بعض الشرعية على تحركاته وخطواته في سبيل دعم حزب العدالة والتنمية، حسب صحيفة "سوزجو"، كما تشارك كل من شركتي "يوكسيل القابضة" و"فرناس جروب" في مشروع "تاناب" وهما مقربتان من الحزب.

"يوكسيل القابضة" يملكها أمين سازاك، فيما يملك "فرناس جروب" مظفر أوغلو، وكلاهما مقرب من إردوغان، وسبق أن تورط في قضية فساد مع 14 شخصا عام 2001، تتعلق بصفقة بناء محطة قيصري يامولا الكهرمائية التي فازت بها شركة "دمير إنرجي".

تحقيقات المدعي العام كزل أرسلان توصلت إلى أن "تلك العصابة استطاعت تمرير أكثر من 7 صفقات أخرى"، ورغم ذلك جرى تأجيل محاكمة المتهمين نحو 11 عاما حتى 2012، حيث كان إردوغان يغير قضاة التحقيق باستمرار في أثناء المحاكمة.

منظمة "بنك ووتش" لمكافحة الفساد أكدت أن الأحكام الصادرة بحق المتهمين في القضية جاءت "هزيلة"، وأفرج عن معظم المتهمين بموجب قانون الإفراج المشروط في قضايا الفساد، ومن بينهم مظفر أوغلو ويشار جيريجيز مدير "فرناس جروب".

حفلات جنس
تقرير "بنك ووتش" أكد أن مسؤولي شركة الأنابيب الحكومية "بوتاش" اتهموا بالفساد فيما عرف بعملية "الخط الأزرق" عام 2007، والتي شهدت انتحار أحد مديري الشركة بعد تقديم اعتراف كامل عن  تورطها ببيع الغاز بأقل من سعره الحقيقي.

عام 2008، بدأت محاكمة 77 متهما من الشركة من بينهم رضا تيشفتشي نائب مدير شركة "تاناب" وسكرتير وزير الطاقة السابق بكير أكسوي، وشملت التحقيقات كذلك نهاد أوزدمير مدير شركة "ليماك القابضة" وأحد القائمين على تنفيذ مشروع "تاناب". 

التسجيلات الصوتية في التحقيقات كشفت عن تواصل أحد المتهمين الرئيسيين ويدعى إبراهيم سلجوك، مالك شركة "إزجي إنشاءات"، الذي كان على علاقة وثيقة بمدير الاستخبارات كاشف كوزين أوغلو المتوفى عام 2011، فضلا عن علاقته بالحزب.

سلجوك تحدث في التسجيلات مع قيادي في الحزب الحاكم عن رغبة الشركات المشار إليها في الفوز بصفقات شركة "بوتاش" الحكومية، عن طريق استضافة مسؤولي شركة "تاناب" في فنادق فخمة، فضلا عن إغرائهم برشاوى جنسية.

المحكمة عاقبت المتهمين بأحكام تراوحت بين 3 أعوام و52 عاما، ومع ذلك ألغت المحكمة العليا تلك الأحكام عام 2016 بأوامر من إردوغان، بدعوى "عدم كفاية التحقيقات والاستجواب غير الملائم للشهود".

صحيفة "هابير تورك" كشفت عام 2008 تفاصيل شاهد عيان في القضية، قال نصا: "في إحدى المكالمات كان سلجوك يرتب مع نائب في الحزب الحاكم لحفلات جنسية لنائب مدير (تاناب) رضا تشتفتشي".

الشاهد أضاف: "النائب طلب من سلجوك استضافة تشتفتشي بدلا من الحزب حرصا على صورته المحافظة قائلا: نحن في (العدالة والتنمية) لا يمكننا الذهاب لتلك الأماكن، لكنك يساري، فهل يمكنك استضافته الليلة!".

خسائر بالملايين
صحيفة "حرييت" أفادت بأن الجانب التركي راجع اتفاق الغاز مع أذربيجان أكتوبر 2014، لتغيير سعر نقل الألف متر مكعب عبر خط "بوتاش" من 11 : 13 دولارا ليصبح 79 : 102 دولار عبر خط "تاناب".

الصحيفة أكدت أن تكلفة نقل الغاز عبر خط "تاناب" البالغة 90 دولارا لكل ألف متر مكعب، ومع احتساب تكلفة 6 مليارات متر مكعب حصة أنقرة من الغاز بموجب الاتفاق، فإن الجانب التركي سيتحمل نحو 540 مليون دولار.

في المقابل، تتراوح تكلفة نقل الغاز عبر خط "بوتاش" بين 66 و78 مليون دولار، ما يعني أن الجانب التركي سيخسر 462 مليون دولار كتكلفة إضافية، ومع احتساب نسبة الشراكة في الخط البالغة 30% من الأرباح، والتخفيض الذي ستحصل عليه أنقرة بموجب حصتها، ستتكبد 378 مليون دولار خسائر.

Qatalah