يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كانت اليابان العدو التاريخي لروسيا، والأخيرة هي العدو التاريخي للعثمانيين، ووفقا لقاعدة عدو عدوي صديقي نشأت علاقات ديبلوماسية قوية بين اليابان والدولة العثمانية منذ عام 1878، دفع ثمنها شعب الأويغور المسلم من حريته ودمه، دون مبالاة من عاصمة الخلافة المزعومة.
بعد إلغاء "الخلافة"، احتلت اليابان مقاطعات صينية وتواصلت مع أمراء إسطنبول لتولية أحدهم سلطانا على تركستان الشرقية مركز تجمع الأويغور منذ العصور الوسطى، في مقابل أن يكون خاضعا لأوامرهم، إلا أن المؤامرة فشلت، وجعلت الأويغور يقعون تحت السيطرة الصينية بعدما تخلى عنهم الأتراك.
تمضي الأيام، بينما سياسة التآمر التي تتبعها أنقرة ضد الأويغور ثابتة، فبعد مرور نحو قرن تبنت الجمهورية التركية قضية الأيغور كأقلية مضطهدة، في الوقت الذي كانت تقيم فيه المذابح ضد الأقليات اليونانية والكردية والأرمنية. 
وظف إردوغان قضية الأيغور في إطار شعارات الخلافة التي يرفعها، ليروج نفسه كحامي حمى المسلمين في العالم، وتعميق علاقاته الاقتصادية مع التنين الصين، ونتيجة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على أنقرة زادت حاجتها إلى الصين كشريك اقتصادي وكان عليه دفع الثمن ليحصل على هذا التقارب، تخلى عن دعمه الإعلامي للإيغور، إضافة إلى توطين المسلحين منهم في سورية  لمنعهم من العودة لبلادهم، والقيام بأعمال تخريبية داخل الصين.

الإيغور.. غزاة اعتنقوا الإسلام
أحد الشعوب التركية في آسيا الوسطى، معروفون عند  العرب باسم قبائل التغزغز، وفق كتاب "حدود العالم من المشرق إلى المغرب"، بينما يظهر أول ذكر للإيغور في المصادر الصينية القديمة عام 745 م، والتي ذكرت أنهم غزاة منغوليون أقاموا دولتهم على تلك الأرض  كما ذكر بارتولد في كتابه "تاريخ الترك في آسيا الوسطى".


على يد القرغيز انهارت دولة الأيغور عام 840 مما أدى إلى هجرة الأيغور إلى المنطقة التي تعرف الآن باسم تركستان الشرقية أو  إقليم سينكيانج، لتكون عشيرة الإيغور دويلة لها عام 860 وتستمر حتى القرن الرابع عشر، وفق المرجع السابق. 
عرف الإيغور الإسلام منذ وقت مبكر، ولكن الديانة انتشرت بينهم بعد عدة قرون، خضعت فيها تركستان إلى حكم خانات المغول ليصبح الإقليم تحت السيادة الصينية،ما أدى إلى قيام الأيغور بعدة ثورات ضد الحكم الصيني، وفي 1860 استعاد شرق تركستان استقلاله لمدة قصيرة، ونجح يعقوب بك أحد القادة العسكريين لخانية قوقند في السيطرة على تركستان الشرقية بالكامل عام 1867، لكن دولة يعقوب بك انهارت على يد الجيش الصيني المدعوم من القوات المسلمة التابعة للخليفة داود عام 1877.
الخلاصة أن تركستان استقلت عن الصين مرتين الأولى عام 1931، والثانية 1944، بينما خضع الإقليم مرة أخرى لحكومة الصين الشعبية حتى هذا الوقت ويتمتع في الوقت الحالي بالحكم الذاتي.

يعقوب.. قاتل المسلمين 
يصور الأتراك يعقوب بك على أنه بطل أنقذ تركستان الشرقية من الحكم الصيني، وأقام دولة إسلامية في تركستان، أما سبب الاحتفاء التركي بالرجل فهو اعترافه بالدولة العثمانية وإعلان تبعيته لها، ما جعله يحصل من السلطان عبد العزيز على أسلحة وذخائر، إضافة إلى مستشارين عسكريين، أما السلطان عبد الحميد فحاول تأكيد هيمنته على المنطقة عن طريق إنشاء جامعة ومكاتب دينية تركية.
تعود قصة يعقوب بك إلى عام 1865 حين أصبح القائد الأعلى لجيش قوقند وكانت دويلته تقع في أوزباكستان الحالية، استغل البك انتفاضة عرق الهوي في تركستان الشرقية على الحكم الصيني، وقاد جيشه للاستيلاء على قشغر ويرقند من الصينيين، وتدريجياً استولى على معظم المنطقة بما فيها آق صو وكوجا ومدن أخرى عام 1867  شكلت تركستان الشرقية.

نصـب داوود نفسه حاكماً على قشغريا واتخذ من قشغر عاصمة لها، وحصل في ذلك الوقت على لقب أتاليك غازي وهو الاسم الذي يعرف به أحياناً، ليحكم في وقت كانت الإمبراطوريات البريطانية والروسية والصينية تتصارع على آسيا الوسطى. 
لم يكن يعقوب بك أكثر من مغامر ذي مطامع سلطوية، ارتكب مذابح عدة بحق المسلمين التابعين لحكم توو مينك أو الخليفة داود، الشهير باسم "الدونكان"، وكان متعصباً لمذهب أبي حنيفة، الأمر الذي جعله يخوض حريا ضد الشافعية في شرق تركستان.
استعان في جيشه بمرتزقة من عرقية الهان الصينية ليقاتلوا بجانبه ضد المسلمين في معركة أورومجي عام 1870، استولى على مدن مهمة في تركستان خاضعة لحكم ذاتي من قبل المسلمين مثل:  آق صو وطرد سكانها إلى جبال تيين شان في الشمال إضافة إلى ارتكابه مذابح عدة بحق المسلمين الدونكان.
دخل يعقوب في علاقات ووقـَع معاهدات مع الإمبراطورية الروسية وبريطانيا العظمى، إلا أنه حين حاول طلب عونهم ضد الصين رفضوا، وكان مكروها من رعاياه المسلمين الترك خاصة بعد أن أثقل كاهلهم بضرائب باهظة وتعسف في تطبيق الشريعة الإسلامية.
سقطت دولة يعقوب بك على يد الجيش الصيني الذي ضم قوات مسلمين صينيين بقيادة الجنرالين تسوي وهوا، لينتهي الهجوم بقتله وتدمير دولته وانهيارها عام 1877.
استغل العثمانيون مبايعة يعقوب بك لهم، وحاولوا اللعب بقضية تركستان عن طريقين: الأول من تصوير أنفسهم كحماة للمسلمين في الوقت الذي كانت الولايات العربية تتساقط أمام الاحتلال الأوروبي بمباركة السلاطين، والثاني بالديبلوماسية التي حاولت إيجاد موطئ قدم للدولة العثمانية في آسيا الوسطى، القريبة من مناطق النفوذ البريطاني، أما محاولات العثمانية في القرن السادس عشر الميلادي فقد كان هدفها إقامة مستعمرات في الهند من أجل مواجهة النفوذ الأوروبي والسيطرة على طرق التجارة.

فشل المؤامرة العثمانية اليابانية
اندلعت الحرب العالمية الثانية 1939 - 1945، حيث كانت  اليابان تحتل مساحات شاسعة من الصين وحاولت كسب ود المسلمين في تركستان الشرقية من أجل ألا ينخرطوا في المقاومة لتثبيت وجود اليابان التي كانت تتمتع بعلاقات طيبة مع الدولة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

وضع الاحتلال الياباني في الصين خطة لإحياء الدولة العثمانية بالاتفاق مع الأمير عبد الكريم بن سليم على توليته خليفة على المسلمين في تركستان وهي المؤامرة التي تورطت فيها أسرة العثمانيين المنفية، بينما تسببت الظروف الدولية المتمثلة في الموقف البريطاني الأميركي والصيني المعارض للاحتلال الياباني لمنشوريا في إفشال مخطط اليابانيين والعثمانيين، لينتهي الأمر بمقتل الأمير عبد الكريم في أحد فنادق نيويورك بطريقة غامضة وفق ما ذكر كتاب "مذكرات حفيد السلطان عبد الحميد".

ورقة الأويغور في الحرب الباردة 
لم يسلم مسلمو تركستان الشرقية من المؤامرات العثمانية التركية التي أضرت بهم، فقد ظلوا شعبا منسيا طيلة القرون التي حكمت فيها الدولة العثمانية العالم الإسلامي، فلم يهتم السلاطين بقضيتهم باعتبارهم خارج دائرة الأطماع التركية، وحين ظهرت إمكانية لاستغلالهم هب الأتراك يدافعون عن قضيتهم ويزعمون الوقوف بجانبهم لنصرتهم.
منذ منتصف القرن العشرين بدأ الأتراك في استقبال قادة سياسيين من الأويغور بهدف استخدامهم في الدعاية ضد الصين في إطار الحرب الباردة باعتبار تركيا حليفة للمعسكر الغربي الذي أعلن الحرب ضد الشيوعية.
بداية من عام 1995 استغل إردوغان قضية الأويغور وكان يشغل في ذلك الوقت  منصب رئيس بلدية إسطنبول، أطلق على جناح من منتزه السلطان أحمد (المسجد الأزرق)، اسم ألبتكين - أحد زعماء تركستان السياسيين - مشيداً بأهمية تاريخ وحضارة ونضالات تركستان الشرقية، وقال بالحرف الواحد :"شهداء تركستان الشرقية هم شهداؤنا".
استمرار رجب في المتاجرة بقضية الأويغور أثار غضب الصين لكن إردوغان لم يعبأ بالتقرب إلى الصين لأنه يضع في تصوره ما تمثله بلاده كموقع استراتيجي للغرب، إلا أن الغرب استفاق من الوهم الذي يصدره إردوغان خاصة بعد وجود دلائل تؤكد تورطه في دعم الإرهاب تزامنا مع العقوبات الاقتصادية الأميركية على أنقرة، الأمر الذي جعل إردوغان يدير بوصلة النفاق باتجاه الصين على حساب الأويغور.
يقول متخصصون في الإعلام التركي إن سيطرة إردوغان على الإعلام حالت دون تبني سياسة متسقة مع مشاعر الأتراك التاريخية تجاه تركستان الشرقية وفق مقال بعنوان "تركيا وإيران "،تتملقان" للصين وتتجاهلان قمعها للمسلمين".

Qatalah