يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحيط الشبهات بكل مظاهر الحياة في تركيا، ويبقى الجميع عرضة للاحتيال، فبينما يدعم إردوغان الجماعات الإرهابية في سورية بمال الشعب الفقير، تنتهي تبرعات الأغنياء وميسوري الحال أيضا إلى جيوب القتلة بدلا من إنفاقها على المحتاجين، فانكشف الوجه القبيح لعشرات الجمعيات التركية التي استغلت الغطاء الخيري لدعم الإرهابيين.
تستجدي جمعيات الخير في تركيا عطف المواطنين وتتسلل إلى جيوبهم لاستخراج المال بدعوى الإنفاق على مشروعات خيرية مثل بناء المساجد والمستشفيات ومساعدة الفقراء واللاجئين، ومن ثم تقدمها في أطباق من ذهب إلى الميليشيات الإرهابية لمواصلة القتل والدمار في سورية.
 

التبرع للإرهاب

يأتي على رأس الجمعيات المتورطة في دعم الإرهاب، التي تعمل تحت حماية إردوغان، منظمة "الشباب الموحدين" التي برز نشاطها جنوبي شرق البلاد، وتعمل على نشر الأفكار المتشددة بين الشباب وتجمع المال لإمداد الإرهابيين في تنظيم القاعدة وفروعه.
ظهر اسم جمعية الشباب الموحدين أثناء مذبحة محطة قطار أنقرة 2015، التي استهدفت مسيرة سلمية خارج محطة القطارات الرئيسة بالعاصمة وأسفر عن مقتل 107 أشخاص، وتورطت فيها الجمعية بالإضافة إلى أعضاء تنظيم "داعش" الإرهابي في مدينة غازي عنتاب.
فيما جاءت جمعية الإحسان للتعليم والثقافة والسلام والتضامن لتقوم بالدور نفسه، ولهما علاقات مباشرة بالتنظيمات المتطرفة في سورية، وتمارس جمعيتا "شباب تركيا" و"بناء المساجد وإحيائها "في ولاية ديار بكر أعمال النصب لسرقة أموال المتبرعين.

تلعب الجمعيات الأهلية في تركيا أدوارا متعددة، وتتخصص مؤسسة "الأتراك في الخارج" بالتعاون مع وكالة تيكا (الوكالة التركية للتعاون والتنسيق)، في التجسس على رموز المعارضة في الخارج، وقادت السلطات إلى اعتقال 80 معارضا في 18 دولة أجنبية منذ مسرحية الانقلاب الفاشلة في صيف 2016، فيما واجه رئيس جمعية "تدريب وتطوير الشباب السوري" بهاء الدين نجيب تهمة الانتماء لتنظيم داعش، لكن القضاء التركي غض الطرف عن نشاطها الإجرامي.
 

تصدير الإرهاب
تنكشف فضائح إردوغان يوما بعد يوم، إذ كشف تقرير صادر عن معهد ستوكهولم للحريات عن استغلال النظام التركي للأعمال الخيرية كغطاء لدعم التنظيمات الإرهابية في سورية، وفي مقدمتها داعش والقاعدة، سواء بالمال أو بتجنيد عناصر جديدة للقتال في صفوفها.

رصد التقرير نشاط منظمتين في جنوب شرقي تركيا وعلى مقربة من الحدود مع سورية، حيث يقودهما عضوان في تنظيمين إرهابيين، ويعملان من خلال الجمعيتين على توظيف مسلحين وتجنيدهم لجماعات الإرهاب تحت سمع وبصر الحكومة التركية.
أفاد التقرير بأن التركي عيناك بولات المنتمي لتنظيم القاعدة تورط في أنشطة جماعة تخفي نشاطها الإرهابي تحت غطاء العمل الخيري، ورغم اتهام القضاء لتلك المؤسسة بإرسال مقاتلين إلى سورية، إلا أنها مستمرة حتى الآن في ممارسة نشاطها المتطرف بحرية دون محاسبة.
يرأس بولات إحدى جمعيات الشباب الموحدين للتربية والثقافة والعلوم الاجتماعية والإحسان، وثبت دعمها للإرهابيين وفقا لتحليل وقائع محاكمة المشتبه بهم بعد الهجوم الإرهابي الذي شهدته أنقرة في أكتوبر 2015.

اعترف أحد المشتبهين بالانتماء إلى تنظيم داعش ويدعى يعقوب شاهين أنه اشترى وخزن مواد متفجرة في غازي عنتاب، وقال أمام إحدى المحاكم التركية إنه كان يواظب على حضور محاضرات الجمعية، وعندما اعتقل أقر بأن رئيس الشرطة طمأنه وطلب منه ألا يقلق لأن المدعي العام والقضاة يقفان في صفه.
 
وأشار 3 مشتبهين آخرين في الهجوم إلى ترددهم على الجمعية، منهم  الذي كان مسؤولا عن شراء ونقل المواد المتفجرة، حيث اعترف بالحضور إلى الجمعية بعد أن توقف عن تعاطي المخدرات، حسب تقرير معهد ستوكهولم للحريات.
 
عمل رئيس الجمعية عيناك بولات خبازا قبل انضمامه إلى تنظيم القاعدة في أفغانستان، حيث تخلى عن زوجته وابنته البالغة 4 سنوات ورضيعه الذي لم يكمل عامه الأول استجابة لدعوة القيادي الراحل أسامة بن لادن للسفر إلى كابول بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وشارك في الحرب برفقة القيادي التركي محمد يلماز و20 مسلحا آخرين، لكنه فر إلى باكستان وعاد إلى تركيا عام 2002.
اعتقل بولات فور وصوله مطار أنقرة في 12 فبراير، وأطلق إردوغان سراحه مع متطرفين آخرين فور توليه رئاسة الحكومة في نوفمبر 2002، ضمن مشروع قانون العفو الذي مرره حزب العدالة والتنمية الحاكم في البرلمان.
 

بوابة داعش
وصف الجيش الأميركي بولات بأنه "إرهابي معروف يقود خلية تسهل حركة المقاتلين الأجانب إلى العراق لعمليات التنظيم"، وفي يناير 2008 أعيد اعتقاله بعد مداهمة للشرطة في غازي عنتاب أسفرت عن اعتقال 25 شخصا ومقتل آخرين، وطالب المدعي العام بأحكام سجن تراوحت بين 7 و16 عامًا بالنسبة للمشتبه بهم بتهم الإرهاب، ثم أطلق سراحه وجميع المشتبه بهم في يناير 2009.

أكد تقرير معهد ستوكهولم أن بولات وزملاءه يمارسون عملهم المتطرف في جنوب تركيا تحت غطاء المنظمات الخيرية التي وصفها القضاء التركي بأنها "بوابة داعش" ودان بعضها بالعمل مع جمعيات أخرى تحت الستار الخيري والديني.

في أكتوبر 2014، كشفت إحدى الرسائل التي تلقاها الكاتب التركي يالسن باير عن أن شرطة غازي عنتاب تدافع عن الجمعيات المتطرفة التي تستتر خلف الدين، فضلا عن تسهيلها لعملياتها المشبوهة في جنوب شرقي تركيا، حيث تقول: "الجمعية لا تقوم بأي شيء غير قانوني، ببساطة توفر الدورات الدينية، وإذا أصبح المنضمون إلى داعش شهداء فسيكون ذلك جيدا".


الكاتب التركي أشار إلى أن المرسل تعرف على شخص يدعى أنيس بن قعب كان يجمع مقاتلين للانضمام إلى صفوف المتطرفين في سورية، ويعتقد أنه ساهم في تجنيد نحو 6 آلاف شخص في داعش، ورغم الشكاوى التي قدمت ضده لم يخضع للتحقيق في أية مرة.
 
في النصف الأول من 2018، أصدرت منظمة المرأة الكردية تقريرا يؤكد أن النظام التركي يحرك عناصر داعش في أوروبا وبلدان عربية منها سورية عبر مكاتب للتخطيط تديرها الاستخبارات التركية تحت غطاء العمل الخيري لتمرير الدعم المادي واللوجستي للإرهابيين وتوفير الغطاء القانوني لأعمالها الإجرامية.
كشفت المنظمة أسماء تلك الجمعيات وهي جمعية البدر وأحفاد العثمانيين والتعاون الاجتماعي وغرف العثمانيين والإغاثية، ومن مهامها إرسال الذخائر واللوجستيات إلى عناصر داعش وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، فضلا عن القيام بنفس الدور لتنظيمات أخرى موالية لتركيا مثل الجيش السوري الحر.
وكشف الجهاز المكلف بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في وزارة الداخلية الفرنسية في ديسمبر 2017 عن نحو 200 جهة خفية في كل من تركيا ولبنان تمول تنظيم داعش الإرهابي تحت غطاء العمل الإنساني والإغاثي.
 

جني المليارات
كشفت تقارير عن تربح الجمعيات الخيرية من وراء بناء المساجد مثل جمعية تطلق على نفسها بناء المساجد وإحيائها، ويرأسها علي يغمور عضو المجلس الاستشاري لجمعية شباب تركيا ومساعد رئيس بلدية باغلار، حسبما ذكر موقع "أحوال" التركي.


تشهد ولاية ديار بكر أعمال بناء 8 مساجد من خلال جمعيات التضامن والتنمية، وتستخدم تلك المساجد في جمع الأموال التي يتم إرسالها إلى التنظيمات المسلحة المنتشرة في سورية، وتتراوح المبالغ التي يتم تجميعها من خلالها نحو 25 مليون ليرة، فضلًا عن أن تقارير أفادت بأن ريع تلك المساجد يتخطى المليون ليرة.

Qatalah