يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


لم ير العرب خيرا من الأتراك قط،، فاليوم يقتلون أهل سورية ويدمرون المصانع والمزارع وينهبون النفط، وقبل نحو القرن فعلوا الشيء نفسه، في المكان نفسه، حين صادر العثمانيون حصاد الحقول السورية، ليتسببوا في موت 500 ألف عربي جوعا وقهرا وفي ساحات القتال، منهم 200 ألف في جبل لبنان وحده، أي ما يعادل ثلث السكان وقتها.
غدر العثمانيون بالعرب بعد أن قدموا شبابهم فداءً لإمبراطورية الترك المتهالكة في الحرب العالمية الأولى، على أمل الوفاء بوعود الإصلاح بعد أن تضع الحرب أوزارها، لكنه كان محض سراب، حيث نال العرب جزاء سنمار من الأتراك، الذين يحاولون اليوم تزوير التاريخ وتسويق أوهام "الخلافة" القديمة.

الموت جوعا
ضربت المجاعة بلاد الشام تحت الاحتلال التركي بين عامي 1915 و1917 ولم تنته إلا بعد طردهم على يد الثوار العرب وقوات الحلفاء. كانت أسباب المجاعة متعددة، منها نقص المحاصيل عام 1915 بسبب مهاجمة أسراب الجراد لبعض المناطق الزراعية، وكان بمقدور السلطة أن تقدم مساعدات غذائية عاجلة لتلافي ارتفاع الأسعار نتيجة شح السلع، لكن الاحتلال التركي أقدم  على نقيض ذلك بفرض سياسة تجويع ممنهجة بحق سورية الكبرى، بهدف تركيع السكان، خوفاً من أن يثوروا على وقع هزائم متتالية للعثمانيين على يد الحلفاء في الحرب العالمية الأولى.
يوضح الأستاذ بالجامعة الأميركية في بيروت، يوسف معوض في حديث لـ"فرانس 24" دور الأتراك في المجاعة بقوله: " الحصار البري الذي فرضه الحاكم العثماني جمال باشا على مدن الشام، ومنع دخول القمح تحديدا إلى جبل لبنان، ما أدى إلى تجويع كامل لسكان المنطقة خاصة أنها جبلية ولم يكن إنتاجها من المحاصيل كافيا لإطعام سكانها إلا أربعة أو خمسة أشهر بالعام". 

حصار المدن
استغل الأتراك نشوب الحرب وانشغال العالم بالقتال ونظموا حملة شعواء على سورية الكبرى بهدف قتل روح الإصلاح والتغيير في العرب، عبر استهداف جذور القومية العربية التي بدأت في الظهور والمطالبة بالاستقلال التام عن العثمانيين.
أعدم الأتراك آلاف القوميين العرب، وقاموا بتشتيت الفرق العسكرية العربية في مناطق متفرقة وجرى نفي آلاف الأسر، ثم كانت الطامة الكبرى بالحصار البري على الشام بهدف تجويع السكان حتى لا يفكروا في الثورة.
منع الأتراك دخول الأغذية بعد حصار المدن، ويقول جورج أنطونيوس في كتابه "يقظة العرب": أصدر جمال باشا السفاح تعليمات قضت بأن يُمنح الناس تسهيلات لشراء القمح أو يُحرموا من ذلك على أسس سياسية، ولما كانت مناطق كاملة في لبنان معروفة بنفورها من السياسة التركية، فقد منع لبنان من شراء القمح ما أدى للكارثة.
يضيف أنطونيوس "زاد من نقص المؤن ما كانت تعانيه البلاد من سوء إدارة ورداءة في وسائل النقل وانحطاط في قيمة العملة، وفوق ذلك كله ما كان يجري بين الموظفين الأتراك وبعض التجار من تبادل المنفعة وتواطؤ نذل خسيس في احتكار السلع".
لم يكتف الأتراك بذلك إنما صادروا بداية من عام 1914 المحاصيل الزراعية والسلع لصالح الجيوش العثمانية في إطار الاستعدادات العسكرية للحرب العالمية الأولى، واكتملت سياسة التجويع بمنع المؤسسات الإنسانية من تقديم المعونات إلى السكان، فقد جرى منع الصليب الأحمر الأميركي من إغاثة أهل لبنان بالإضافة إلى  المساعدات الآتية من دول أوروبا.
كشف أنور باشا وزير الحرب التركي عام 1916 عن نية الأتراك في تجويع اللبنانيين بقوله: "إن الحكومة لا يمكنها استعادة حريتها وشرفها إلا عندما يتم تنظيف الإمبراطورية من الأرمن واللبنانيين. الأوائل دمرناهم بالسيف أما الآخرون فسنُميتهم جوعا".

جثث في الشوارع
ينقل جورج أنطونيوس عددا  من شهادات الجوع منها مذكرة القنصل العام الأميركي في بيروت "حال الفقراء في البلد يستثير الحزن والرثاء، الشوارع مكتظة بأطفال ونساء جوعى، والحكومة متبلدة الإحساس نحو آلام المساكين، ولا تسمح للصليب الأحمر الأميركي بمد يد العون إليهم، وكثيرا ما شاهدت أثناء تجوالي جثث الموتى على قارعة الطريق".
نشرت صحيفة التايمز الأميركية تقريرا في العام 1915، كشف "أن حال أهالي سورية لا يُصدق، إذ يتعرض المسلمون الناطقون بالعربية لإرهاب جديد، ويُقدر عدد الذين قضت عليهم المجاعة شمالي سورية بين الستين ألفاً والثمانين".
وصف الروائي توفيق يوسف عواد المشاهد التي رأها في رواية "الرغيف" المنشورة عام 1939 "امرأة شعثاء مستلقية على ظهرها رأسها مائل، غزا القمل جسدها، تعلق بها رضيع ذو عيون كبيرة، ومن صدرها برز ثدي ملأته الخدوش يعصره الرضيع بأصابعه الصغيرة وبشفتيه
المتلهفتين ليهجره باكيا يائسا من ظهور الحليب".
أما تقرير لجنة الصليب الأحمر الأميركية في بيروت فقد أفاد بأن "خلال رحلة استغرقت يومين في لبنان زرنا البيوت في عديد من القرى بيتا بيتا، كانت المناظر مما يعجز دونه الوصف، وكم رأينا عائلات كاملة تتلوى من الآلام المبرحة على المصاطب العارية في أكواخهم البائسة، وكانت الآنات في طرف الحي تُسمع في طرفه الآخر، لقد باع هؤلاء كل قطعة من أثاث بيوتهم ليشتروا خبزاً، وفي كثير من الأحيان نزعوا آجر السقف أيضا، إن أقل تقدير للضحايا في لبنان وحدها 120 ألف إنسان".

الخلاص.. طرد الأتراك
كان من حسن حظ سكان سورية أن العداء التركي مع بريطانيا وفرنسا لم يمتد إلى الولايات المتحدة، رغم دخول الأخيرة الحرب بجانب الحلفاء إلا أنها لم تواجه بشكل مباشر القوات العثمانية، فقد جاءت مشاركة واشنطن في الحرب متأخرة، ما سمح لرعاياها في الشام بحرية في الحركة وتقديم الإسعافات والمساعدات للسكان بعيدا عن أعين السلطات التركية، في وقت منع العثمانيون رعايا بريطانيا وفرنسا من حرية الحركة.
استمرت معاناة أهل الشام ثلاث سنوات تقريبا ولم تنته إلا بطرد المحتل التركي على يد الثورة العربية، وأدت المنظمات الإغاثية الأميركية دورا كبيرا في الإغاثة وتقديم الخدمات الطبية.
يقول جورج أنطونيوس، إن القوات العربية بعد دخول مدينة بيروت وزعت الطعام والكساء من مخازن مؤنهم على السكان، ولاحقاً أميركا حملة إغاثة كبرى شملت المناطق الداخلية في الشام على مدى شهور.
يصف مؤلف كتاب "يقظة العرب" فرح سكان الشام بالخلاص من الأتراك "أثار فتح بيروت وحلب وكل مدينة أخرى في سورية مشاهد من البهجة والفرح كالتي استقبل بها المُحرِرون بدمشق، وارتفعت العواطف المستثارة بآمال الحرية إلى نوبة محمومة من السرور للخلاص من الأتراك".

محو القرى
ضحايا الجوع والأمراض الناشئة عن سوء التغذية لا يقلّون عن 300 ألف نفس في سورية وحدها، كما ذكر جورج أنطونيوس، أما في لبنان فقد تسببت وطأة المجاعة في محوقرى كاملة ونقص سكان بعضها الآخر إلى أقل من النصف، وكان بعض القرويين يتجولون على أقدامهم في الريف ليموتوا أغرابا، فيما نساؤهم وأطفالهم الجائعون ينتظرون عودتهم بلقمة تسد الرمق، بينما يؤكد يوسف معوض: "كان هناك 200 ألف ضحية في أربع سنوات فقط  في لبنان". 
فقدت سورية بالإضافة إلى ضحايا الجوع عشرات الآلاف نتيجة سياسة القمع التركية خلال الحرب العالمية الأولى، بجانب من قُتلوا في المعارك، وبجمع هذه الأرقام نصل إلى إحصاء تقريبي لا يقل عن نصف مليون نسمة من مجموع سكان سورية الكبرى وقتها، والبالغ أربعة ملايين أي ما يعادل 12.5 % ، حسب كتاب "يقظة العرب".
لكن رد العرب جاء مزلزلا، فقد ساقوا الأتراك إلى الأناضول مهزومين أذلاء وكفوا شرهم عن سورية، بينما البعض لا يتعلم من التاريخ ويحاول جاهدا استدعاء الخراب التركي من جديد.

Qatalah