يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تعيش الأحزاب التركية حالة طوارئ استعدادًا لخوض انتخابات البلدية، المزمعة نهاية مارس المقبل في 81 محافظة، ويدرس كل منها الفرص المتاحة لكسب ما يمكن كسبه، سواء منفردًا أو بتحالف ولو كان انتهازيا. 
تشكل السيطرة على الانتخابات المقبلة هاجسا لدى الرئيس رجب إردوغان، بوصفه رئيس الحزب الحاكم، فقد وصفها بقوله: "ليست انتخابات عادية، قد تكون نهاية للمعارضة الرئيسة"، لذا يقود حزبه "العدالة والتنمية" بانتهازية معلنة، فأينما توجه عقد تحالفا ولو كان على حساب شعاراته المعلنة، كما حدث مع حزب الحركة القومية، أو حتى بالتحالف المرتقب حاليا مع خصمه اللدود حزب الشعوب الديموقراطي الكردي، تحت مبدأ "أتحالف مع الشيطان".

خوفا من الفشل الذريع
يخشى "العدالة والتنمية" من الفشل الذريع المتوقع له في الانتخابات البلدية، وهو الذي لم يتمكن من نيل الأغلبية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة منتصف العام الجاري منفردًا، فلم يتحقق له ذلك إلا بالتحالف مع حزب الحركة القومية بقيادة دولت بهتشلي.
وبالرغم من تلاعب بهتشلي بإردوغان مؤخرًا وتردده في التحالف معه في الانتخابات، إلا أن إردوغان يتمسك بالتحالف، في ظل مؤشرات أولية تنبئ بفشل الحزب الذريع نتيجة إخفاقه في إدارة العديد من الملفات في أعقاب الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جاءت بإردوغان رئيسا للمرة الثانية. 

رجب وبهتشلي.. تحالف مصلحة 
في أكتوبر الماضي، أربك بهتشلي حسابات إردوغان، وأعلن اعتزام حزبه فض التحالف مع حزب العدالة والتنمية، بعد رفض إردوغان دعوة بهتشلي إلى العفو عن بعض السجناء، بل وسخريته من الدعوة إذ قال :"هل سنذكر بوصفنا السلطة التي أطلقت سراح متعاطي المخدرات" في إشارة إلى أكثر من 50 ألف سجين متهمين في قضايا المخدرات، ما أغضب حليفه. 


كما تسبب الإفراج عن القس الأميركي أندرو برانسون في توتر الأجواء بين الطرفين، حيث قال بهتشلي إن رجب كلف بلاده ثمنا باهظا لاحتجاز أندرو ثم أفرج عنه في نهاية المطاف، وأضاف "لا يمكن الثقة في رئيس هبط بقيمة تركيا إلى قس أميركي"، مشيرا إلى أن "القرار تسبب في إيذاء الشعور الوطني".
رغم السجال الحاد، أصر إردوغان على بقاء التحالف، وعمل على إنهاء حالة التوتر والتلاسن بين الحزبين، وقال في اجتماع مع أعضاء حزبه: "يجب أن ندخل الانتخابات دون إفساد روح تحالف الشعب"، محذرا من توجيه أية خطابات مزعجة إلى "الحركة القومية" أو الدخول في سجالات كلامية تخلق توترا بين الحزبين. 
بعد ذلك، تراجع بهتشلي عن نوايا فض التحالف، وزعم أن "التحالف ليس براجماتيا لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة، وأن التعاون بين الحزبين ليس مؤقتا أو نتاج مساومة سياسية، بل شراكة تاريخية للدفاع عن بقاء الجمهورية التركية"، متابعًا "كفاحنا من أجل البقاء أهم من الحصول على الأصوات والحسابات السياسية".
سار بهتشلي على نهج حليفه إردوغان وزايد عليه أيضا في إطلاق الاتهامات الباطلة للمعارضين، قائلا :"انتقادنا بسبب التحالف لا معنى له سوى إشعال الفتنة".

"العدالة" و"الشعوب".. صداقة الأعداء
في سبيل إنقاذ موقف حزبه خلال الانتخابات، قد يقوم إردوغان مرغما بتحالف أو تنسيق آخر، أشبه بتجرع السم، مع حزب الشعوب الديموقراطي، أحد ألد أعدائه.
وعلى الرغم من  نفي رئيسة الحزب الكردي برفين بولدن نية حزبها التحالف مع "العدالة والتنمية"، في وجود ما يقرب من 7 آلاف عضو للحزب داخل السجون ، إلا أن تصريحاتها حول الأمر تنبىء بإمكانية عقد التحالف أو التنسيق في أقل الأحوال مع حزب إردوغان، إذ قالت إنها لا يمكن أن تتطرق لموضوع التحالف في ظل استمرار اعتقال أعضاء حزبها، ما يحمل إشارة إلى إمكانية التنسيق حال أفرج إردوغان عنهم.


وقد كشف الكاتب التركي موسى أوزجلو تفاصيل صفقة محتملة بين الحزبين برعاية أميركية، موضحا في مقال له بصحيفة دوفوار أن "الولايات المتحدة اقترحت إجراء تنسيق بين حزبي الشعوب والعدالة والتنمية مقابل تسوية الأوضاع في شرق الفرات".
يشترط الأكراد لإنجاز هذا الاتفاق منع أية عمليات عسكرية تركية ضد إخوانهم في شرق الفرات، وضمان وجود آمن لوحدات حماية الشعب، إضافة إلى الإفراج عن أعضاء الحزب السجناء، بينما يتطلع "العدالة والتنمية" إلى التنسيق مع الأكراد وممثلهم السياسي حزب الشعوب لأهميتهم التصويتية خاصة في مدن الجنوب والجنوب الشرقي، وهو أمر قد يكون بمثابة "الدواء المر" لإردوغان الذي يبحث عن البقاء في السلطة بأي ثمن.

الشعب الجمهوري.. الحصان الرابح
تصدع تحالف العدالة والتنمية والحركة القومية، القائم على مضض، جعل أحزاب المعارضة أكثر المستفيدين، إذ يتوجه الناخبون نحو معاقبة الحزبين اللذين لم يسفر تحالفهما سوى عن مزيد من المشاكل للمواطنين الأتراك وتفاقم الأزمات، فتشير استطلاعات الرأي إلى أن شعبية حزب الشعب الجمهوري أخذت في التزايد، مع تراجع شعبية حزب إردوغان وحليفه "الحركة القومية".
زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو يبدو متفائلا بالجولة المقبلة من المنافسة، فقد تعهد بالفوز في الانتخابات المحلية، وتحديدا في كبرى المدن، وفي مقدمتها إسطنبول وأنقرة، مؤكدا سعيه لإعادة الواجهة الحضارية والتاريخية لتلك المدن.
ويخطط الحزب لما بعد الانتخابات، فيقول زعيمه: "سننجز عملية التحول الحضري في إسطنبول في أسرع وقت ممكن، وسيكون ذلك من وجهة نظر علمية مدروسة لن تجبر أحدا على التخلي عن مسكنه أو المنطقة التي يقيم بها"، كما تعهد بالفوز في مدينة بورصه أول عاصمة للدولة العثمانية، وإعادة نسيجها الاجتماعي والتاريخي، وإنشاء "بورصة الخضراء" من جديد.
يعتمد كليتشدار على شعارين: تحسين الاقتصاد والديموقراطية، ومن ثم تطبيق نموذج الإدارة والتحول الحضري الذي يهدف إلى إنشاء مدن ذكية، بدلاً من التحول القائم على الخرسانات.
 ما يجعل الحزب متحمسا بشدة لهذه الانتخابات هو إدراكه قوة موقفه منها، خصوصًا أنه فاز في الانتخابات البلدية الأخيرة (مارس 2014) في أنقرة وإسطنبول، المدينتين الأكبر والأكثر تأثيرا، قبل أن يتلاعب نظام إردوغان بالنتائج، ويعلن إرجاء الفرز لانقطاع التيار الكهربائي، ومن ثم يخرج بنتيجة فوز أعضاء العدالة والتنمية.
ويتجه الحزب إلى إتاحة الفرصة للشباب، وأكد رئيس بلدية إزمير المنتمي للحزب عزيز كوجا أوغلو (70 عامًا) أنه لن يخوض انتخابات مارس 2019، بهدف إتاحة الفرصة لقيادة شابة جديدة.
وقضى كوجا أكثر من  14 سنة في البلدية، نجح خلالها في أن يضاعف الاستثمارات 28 مرة، وأجرى تغييرا كاملا لشبكة السكك الحديدية، كما أعاد هيكلة البنية الزراعية.
ربما تكون خطوة أوغلو بعدم الترشح مجددا بمثابة طوق نجاة لحزب العدالة والتنمية الذي فشل على مدار السنوات الماضية في أن يفوز مرشحوه في إزمير، فيما يحاول إردوغان وحزبه أن يستحوذ على البلدية، بهدف السيطرة على كامل البلاد.

الشعوب الديموقراطي.. شوكة إردوغان  
ثاني أكبر المستفيدين من تدني شعبية "العدالة والتنمية" هو حزب الشعوب الديموقراطي، وتحديدًا في المناطق ذات الطابع الكردي في الجنوب والجنوب الشرقي، وللتضييق على الحزب، وحرمانه من التخطيط للانتخابات المحلية، أوعز إردوغان برفع الحصانة البرلمانية عن 12 نائبا من الحزب من بينهم رئيسته بولدان.
إذا لم يتحالف إردوغان مع "الشعوب الديموقراطي" وفق الصفقة التي تريدها واشنطن،  فإن الحزب قد يتجه إلى التحالف مع "الشعب الجمهوري"، فى ضوء تصريحات مسؤولي الأخير بأنهم سيحاولون جذب أصوات ناخبي "الشعوب".

الصغار في قلب المنافسة
لن تكون الساحة متاحة للأحزاب الكبيرة فقط، فهناك أحزاب صغيرة تحاول أن تجد  لنفسها دورا،منها حزب "الخير" بقيادة ميرال أكشينار، فضلا عن إمكانية منافسة حزب جديد يخطط لتأسيسه فاتح أربكان نجل رئيس الوزراء التركي السابق نجم الدين أربكان المعلم الأول للرئيس التركي.. وكلها تخصم من رصيد الحزب الحاكم وتضيق الخناق على إردوغان.

Qatalah