يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


العلاقة بين الكيان الصهيوني والدولة العثمانية أثبتها التاريخ بالوثائق، بينما التعاون العسكري بين البلدين جاء عن طريق سلسلة من الاتفاقيات، عبر زيارات متبادلة لكبار القادة في البلدين، ما نتج عنه وصاية كاملة لإسرائيل على الجيش التركي الذي اعتمد عليها في التسليح والتدريب، بينما كان العداء للعرب هو القاسم المشترك بين الفريقين. 

البحث عن مطور
انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع التسعينيات مثل حدثا فارقا في تاريخ السياسة الخارجية لأنقرة، وضع الأتراك  خطة طويلة المدى لشغل الفراغ الذي خلفه السوفيت في مناطق من البلقان والقوقاز والشرق الأوسط كانوا يعتبرونها امتدادات للخريطة التركية. 

الخطة اعتمدت على تشكيل جيش تركي وقوي، يمتلك قدرات جوية وبحرية تمكنه من ضرب عدة أهداف فيما وراء الحدود وفي وقت واحد. 

الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب الأوروبي، رفضوا مد الجيش التركي بأحدث الأدوات العسكرية على خلفية وضع الديمقراطية وحقوق الإنسان ومدى تطبيق القانون في البلاد، ما دفع الأتراك إلى البحث عن بديل وجدوه ببساطة في إسرائيل.

وجدت أنقرة في الكيان الصهيوني بديلا مثاليا، يملك منظومة قتالية متقدمة تقنيا ، فيما يعتبر حليفا استراتيجيا لتركيا في الشرق الأوسط، ترتبط معه بقواسم رئيسة معه في السياسة الخارجية خاصة في العداء مع العرب وإيران. 

رغبة تركيا في تحديث جيشها والاستفادة من الخبرات الإسرائيلية حول كيفية التعامل مع حزب العمال الكردستاني "بي كا كا"، تلاقت مع طموح إسرائيل في استخدام أنقرة كرأس حربة ضد خصومها في المنطقة، ما نتج عنه تقاربا بين الطرفين خلال حقبة التسعينيات، ما جعل العلاقة بين البلدين يحكمها سياسة عرفت باسم "فز _ فز" دلالة على المنفعة المتبادلة بين الطرفين. 

شهر العسل
البداية في عام 1992، حين رفع الرئيس التركي الأسبق تورغوت أوزال مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل إلى مستوى "السفارة" للمرة الأولى في التاريخ. 

الزيارات على أعلى مستوى بين البلدين تمهيدا للتعاون الكبير جاءت عام 1994، حيث زار الرئيس الإسرائيلي عزرا وايزمان أنقرة، بينما ردت رئيسة الوزراء التركية السابقة تانسو تشيلر الزيارة إلى تل أبيب في وقت لاحق من العام نفسه، ما نتج عنه توقيع اتفاقية بين الطرفين عرفت باسم "الأمن والسرية"، بغرض تبادل المعلومات الاستخباراتية، تلتها اتفاقية في العام التالي بهدف تدريب الطيارين الأتراك في إسرائيل. 

في مصانع تل أبيب
الحكومة التركية منحت عام 1996 مسألة تحديث الجيش أهمية قصوى، أعلنت عن رغبتها إقامة بنية تحتية متطورة لقواتها وتزويدها بأحدث الأسلحة، ورصدت ميزانية من 25 إلى 30 مليار دولار لأول 10 سنوات، بينما تصل إلى 150 مليار دولار على مدار الـ 30 عاما التالية. 

لتحويل الخطة إلى واقع، سافر الرئيس التركي الأسبق سليمان ديميريل إلى القدس ووقع مع قادة إسرائيل اتفاقية التعاون والتدريب العسكري في 23 فبراير 1996، والتي تعتبر الأكبر من نوعها في تاريخ العلاقات بين البلدين حتى الآن. 

أهداف الاتفاقية تمثلت في نقل التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، ومساعدة الأتراك على إقامة بنية تحتية مطورة للجيش، وتدريب الضباط في السلاح الجوي على استخدام طائرات F16 لقصف "بي كا كا" في سورية. 

اتفاقية التعاون والتدريب العسكري انبثقت منها مجموعة اتفاقات تتعلق بتحديث ترسانة الأسلحة التركية، ففي 26 أغسطس 1996، وقع الطرفان اتفاقية "التعاون في مجال التصنيع الدفاعي"، والتي طورت إسرائيل بموجبها الأنظمة الإلكترونية لـ 54 من مقاتلات الفانتوم التركية F4E لمدة 5 سنوات في صفقة بلغت قيمتها 800 مليون دولار. 

تل أبيب وأنقرة وقعا اتفاقية أخرى لتحديث 48 طائرة تركية من طراز فانتوم F5 كلفت تركيا 75 مليون دولار، فضلا عن إبرام  اتفاقية لتحديث دبابات M60 بقيمة 50 مليون دولار. 

على مستوى منظومات الصواريخ، اشترت تركيا من إسرائيل صواريخ بوب آي 1، وأبدت اهتمامها بشراء منظومتي: أرو للدفاع الصاروخي، وفالكون للتحذير المبكر من الهجمات الجوية، إضافة إلى منظومات رادار وضعتها أنقرة على طول الحدود مع العراق وسورية. 

الدولتان اتفقتا على الشراكة في مجال التصنيع الدفاعي، بتوقيع عقد لاستثمار 150 مليون دولار في إنتاج مئات الصواريخ من طراز "بوب آي 1 و 2"، وتنفيذ منظومة ديليا للصواريخ بعيدة المدى. 

احتلال سماء تركيا
في مقابل التحديث السريع لترسانة أنقرة العسكرية، فإن إسرائيل في المقابل اعتمدت على اتفاقية 1996 لاستخدام سماء تركيا لأغراض عسكرية لا تتسع لها المساحة الجغرافية المحدودة للكيان الصهيوني.

استغل الصهاينة مادة في الاتفاقية تسمح باستخدام الجيش الإسرائيلي للفضاء الجوي في تركيا لتنفيذ تدريبات عسكرية واسعة، فبات متاحا للطيارين الإسرائيليين السفر إلى تركيا 8 مرات سنويا، للتدرب على الحرب ضد طهران فوق جبال الأناضول، في بيئة طبيعية مشابهة للطبيعة الجبلية في إيران.  

تدريبات مشتركة
مجموعة زيارات بالغة الأهمية تبادلها القيادات العسكرية في البلدين. في نهاية فبراير من العام 1997، قام إسماعيل حسين قرضاي القائد العام للجيش التركي بزيارة إسرائيل، حيث كان يرى في اللقاءات المباشرة وسيلة فعالة لتطوير العلاقات العسكرية. 

شهر أبريل 1997 شهد زيارة لوزير الشؤون الخارجية الإسرائيلي إلى أنقرة، ردها وزير الدفاع التركي طوران طايان.

في مايو من العام نفسه  استقبل المسؤولون في الدولة العبرية شفيق بير نائب القائد العام للجيش التركي، ما سمح لنظيره أمنون ليبكين شاهاق بزيارة مماثلة  إلى العاصمة التركية. 

نتائج الزيارات تمثلت في إقامة تدريبات عسكرية مشتركة بين الدولتين، أولها في مياه المتوسط على مقربة من سورية في يونيو من 1997، تكررت مرة أخرى في نوفمبر من العام نفسه بمشاركة الولايات المتحدة. 

في يوليو انضمت سفن تركية في ميناء حيفا إلى تدريبات ذا سي وولف 97 بالاشتراك مع الأسطول الإسرائيلي وقطع من الأسطول الأمريكي. 

من 30 نوفمبر إلى 4 ديسمبر 1997، عقدت تدريبات مشتركة بين واشنطن وأنقرة وتل أبيب تحت اسم "ريلاينت ميرميد"، وتم الاتفاق على أن تكون سنوية. 

تدريبات ثلاثية جديدة شهدها شهر يونيو عام 2001، بتنفيذ مناورة على الدفاع الجوي تحت اسم "أناتوليان إيجل"، شاركت فيها 46 طائرة تركية، و 10 طائرات F16 من إسرائيل، و 6 F16 من الولايات المتحدة، وتكرر الأمر من خلال تدريبات بحرية في قاعدة مرمري أكساز دنيز البحرية التركية. 

أعداء النهار..رفاق الليل
مع وصول رجب طيب إردوغان إلى حكم تركيا في العام 2002، توقع محللون أن يفرض الخطاب الإسلامي الزاعق لحزب العدالة والتنمية على رئيس الوزراء وقتها قطع العلاقات مع إسرائيل وإنهاء الوصاية الصهيونية على الجيش التركي.  

إردوغان أكمل مسيرة أسلافه في توثيق العلاقة الأمنية والعسكرية مع إسرائيل إيمانا بأهمية العلاقة في استمرار تنفيذ الخطة التي وضعت في التسعينيات، ما يمكن تركيا من الوثوب المسلح  على الجزر اليونانية في بحر إيجة أو على الشمال العراقي والسوري.

الحروب الكلامية التي يتقنها رجب ضد الدولة العبرية من أجل خداع الناخبين، لم تمنعه من الالتزام باتفاقية التعاون الدفاعي عام 1996، وعقد مزيد من الصفقات العسكرية مع تل أبيب. 

الحاكم الذي يهاجم الصهاينة على منابره الانتخابية، زار إسرائيل في 2005، والتقى رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون، وأبرم صفقة بين الدولتين وصلت قيمتها إلى 687.5 مليون دولار، حدث بموجبها مصانع الجيش الإسرائيلي 170 من الدبابات التركية من طراز M60A1. 

في 6 سبتمبر 2007، هاجمت إسرائيل منشأة سورية اشتبه أنها نووية في مدينة "الخبر" قرب دير الزور في الشمال السوري. وأعلنت أنها زودت مقاتلاتها بالوقود في تركيا قبل التحرك نحو سورية.

الهجوم التركي الرسمي على إسرائيل بسبب القصف الوحشي على غزة في ديسمبر 2008 يناير 2009، لم يكن إلا مجرد خطاب شعبوي للاستهلاك الإعلامي، ما أكده جمال تشيشيك نائب رئيس الوزراء التركي في مؤتمر صحفي عقده بأنقرة، في الوقت الذي كانت فيها الطائرات الإسرائيلية تدمر منازل الفلسطينيين، مشيرا إلى  أن تركيا لن تلغي الاتفاقات الأمنية مع إسرائيل.

بعد أقل من يوم على القصف على غزة، وقع الأتراك سرا اتفاقية تسليح جديدة مع تل أبيب لم يعلنها إردوغان حتى لا يفضح القناع الذي يرتديه أمام العالم الإسلامي، إلا الطرف الإسرائيلي أعلن عن تفاصيل الصفقة.

إسرائيل أكدت  أن تركيا اشترت 10 طائرات بدون طيار UAV من طراز "هيرون" مقابل 183 مليون دولار، أول 6 منها وصلت تركيا في مارس 2010 بعد تأجيل دام لمدة سنتين، والـ 4 المتبقية وصلت في سبتمبر من العام نفسه. 

أضاف الإعلان الإسرائيلي: أن "إيروسبيس إسرائيل اندستريز" لأبحاث الطيران والفضاء، بالشراكة مع شركة "البيت للأنظمة" فازت بعقد قيمته 141 مليون دولار لصالح دعم الطائرات التركية بدون طيار بأنظمة تصوير استخباراتي IMINT.

شركة أسيلسان التركية للصناعات الدفاعية التي تولت عملية التعاقد مع الجانب الإسرائيلي، تعتبر اليوم ضمن أهم 100 شركات في الصناعات الدفاعية في العالم، بفضل تطوير نظام Payloads الخاص بطائرات "هيرون" الإسرائيلية. 

احتفال رسمي شهده يوم 7 أبريل 2010، في مدينة قيصرية التركية بمشاركة مندوبين عن مصانع الجيش الإسرائيلي IMI ومندوبين عن أسيلسان وشركة MKE بغرض تطوير جديد في الأنظمة الدفاعية التركية.

صفقة السلاح الأخيرة أعقبها حادثة سفينة مرمرة في مايو 2010 والتي نتج عنها حالة من القطيعة بين الجانبين التركي والإسرائيلي امتدت على الورق حتى 2016 وقت توقيع المصالحة التركية الإسرائيلية، فيما استمرت العلاقات في الخفاء حيث أمدت إسرائيل سلاح الجو التركي بمنظومة متطورة للإنذار المبكر بين عامي  2012 _ 2013،  في خطوة وصفها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بالممتازة.

المصادر :


Qatalah