يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


"الزعفران.. أثمن هدية من إقليم هيرات".. جملة مكتوبة على نافذة كشك صغير بمطار هيرات الدولي يطل على المسافرين القادمين إلى أفغانستان، تكشف مدى أهمية هذا النوع من التوابل، ولما لا وقد وصل سعر النبتة التي تستخدم في إنتاج الدواء والطهي وعلاج الكثير من الأمراض لحوالي 2000 دولار للكيلوجرام الواحد، بحسب البنك الدولي.

وإن كان الزعفران الذي يطلق عليه اسم "الذهب الأحمر" هدية إقليم هيرات للمسافرين، فإنه بالنسبة لتركيا التي تتبع حكومتها سياسة توسعية في دول الجوار، منقذًا من أزمة مالية خانقة يعاني منها اقتصادها منذ أغسطس الماضي، لذلك لم يكن مستغربًا استماتة أنقرة في استمالة حكومة كابول للاستيلاء على نبتتها النفيسة.

عبر سلسلة من الإجراءات الخادعة على رأسها رفع الرسوم الجمركية وتدريب المزارعين الأفغان، تحاول حكومة العدالة والتنمية الاستيلاء على ذهب أفغانستان الأحمر، وتحويل تركيا إلى نافذة النبتة الوحيدة لأوروبا والولايات المتحدة.

الذهب الأحمر
الزعفران من أغلى التوابل والأكثر طلباً في العالم، وشاعت تسميته بـ"الذهب الأحمر" في إيران التي تعد أكبر منتج له في العالم، حيث يقدر سعر الجرام الواحد من توابله ذات الجودة العالية بـ 65 دولاراً، ما يمكن أن تفوق قيمته المعادن النفيسة كالذهب.

وينمو الزعفران في بيئة فريدة، ويتميز برائحته العطرية ومذاقه القوي، ويُستخدم كتوابل في المأكولات المحلية، وفي صناعة مستحضرات التجميل، فضلاً عن الاعتماد عليه في الكثير من العلاجات في الطب التقليدي.
أما أحد أبرز الأسباب التي تجعل قيمة الزعفران مرتفعة جداً فتتمثل في طرق الحصاد التي تعتمد على العمالة اليدوية المكثفة.

وتُعتبر إيران الدولة الأكثر إنتاجاً للزعفران بلا منازع، ويعود تقليد زراعته فيها إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، وتساهم في إنتاجه بما يزيد عن نسبة 90%، تليها اليونان التي أنتجت ستة أطنان، فيما يقدّر إنتاج أفغانستان بثلاثة أطنان، أما المغرب والهند فيتساويان بإنتاج الزعفران، بمعدل طنين لكل منهما.

وتأثرت تجارة الزعفران بالعقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على إيران الأمر الذي منع تصدير ووصول المنتج إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية وكندا لكن استطاعت إيران إيجاد أسواق في الدول العربية والشرق الأوسط.

تعهدات تركية كاذبة
أما في أفغانستان، فينتج إقليم هيرات حاليا أكثر من 90% من النبتة رغم أن مزارعين في 25 إقليما آخر يزرعونه أيضا، وفقا للنقابة الوطنية لمزارعي الزعفران.

ويزرع أكثر من 6000 مزارع في هيرات الزعفران وتعمل 18 شركة في بيعه وتصديره، ويصل إنتاجه في الإقليم إلى حوالي 3 أطنان سنويا، يتم تصدير ما بين 60 و80%. 

وتظهر بيانات النقابة الوطنية لمزارعي الزعفران أن زراعته أكثر انتشارا في غوريان وباشتون زارغون وإنجيل وجوزارا مقارنة بالمناطق الأخرى بالإقليم، فيما يقول رئيس النقابة، بشير أحمد رشيدي، إنه يمكن زراعة الزعفران في كثير من المناطق، وإذا قامت كل أسرة بزراعة نصف فدان أو فدانًا كاملا فلن يكون هناك فقر.

رشيدي قال في ديسمبر الماضي، إن تركيا تعهدت بشراء 300 كيلو جرام من الزعفران الأفغاني سنويًا، فيما زارت مجموعة من ممثلي جمعية الزعفران في هرات، تركيا مؤخرًا في محاولة لإيجاد سوق للنبتة وحل القضايا المحيطة بالضرائب وإصدار تأشيرات العمل.

بحسب تقرير صادر عن البنك الدولي، بدأ إنتاج الزعفران في أفغانستان قبل 100 عام، لكن زراعته توقفت حتى 22 عاما مضت حين عاد بعض الأفغان ممن تعرفوا على زراعته في إيران وقرروا إنتاجه في منطقة غوريان بإقليم هيرات، لتزداد المساحة  المنزرعة به سريعا من 60 مترا مربعا فحسب إلى 800 هكتار في الإقليم.

وأثارت غلة الزعفران الكبيرة انتباه الحكومة إلى أنه قد يصبح مصدر دخل جيد للمزارعين، فاستوردت وزارة الزراعة والثروة الحيوانية والري 18 كجم من الزعفران من إيران وبدأت المرحلة التجريبية لزراعته، وبعد أربع سنوات اتضح أن النتيجة أفضل مما كان متوقعا.

تحت ستار المساعدة
تحت ستار دعم الاقتصاد الأفغاني، حاولت حكومة العدالة والتنمية الاستيلاء على ذهب أفغانستان الأحمر، حيث أعلنت مطلع العام الجاري عن  خطة لرفع الرسوم الجمركية عن وارداتها من الزعفران الأفغاني التي تصل إلى 30%.

التحرك التركي يأتي في وقت يأمل فيه المنتجون أن يشهدوا زيادة في الطلب بالأسواق الأجنبية والمحلية، فرغم بداية الإنتاج الطيبة للنبتة إلا أن توزيعه خارجيًا مازال يعاني من بعض الصعوبات، وهو ما يؤكده بشير أحمد رشيدي الذي أكد أن بلاده لديها عقود قليلة للغاية تتيح للمزارعين تصدير الزعفران بصورة رسمية، وأنه يصدر إلى الهند ودبي وتركيا بصورة منفردة بحسب البنك الدولي.

وقال علي أرجون شينار، رئيس فرع وكالة التعاون والتنسيق "تيكا" في أفغانستان، إن تركيا التي تحتاج ما يصل إلى 300 كجم من الزعفران سنويًا، لافتًا إلى أنها ستتحول إلى زبون كبير للزعفران الأفغاني.

مسؤول الوكالة التي تتخذها تركيا ذريعة للتدخل في شؤون الدول الأخرى كشف عن مطامع حكومة إردوغان في تحويل تركيا لمركز لتصدير الزعفران الأفغاني قائلًا:" تريد تعزيز سوق الزعفران في أفغانستان عبر تركيا، وآمل أن يعكس الزعفران هويته الأفغانية".

خدعة الوساطة التركية لتصدير ذهب أفغانستان الأحمر، انطلت على مسؤولين كبار في اتحاد منتجي الزعفران الأفغاني، حيث أشاروا إلى أن أنقرة يمكن أن تكون جسرا مهما لتصدير المنتج إلى الولايات المتحدة والسوق الأوروبية.

 قدرة الله رحمتي، نائب رئيس الاتحاد، زعم أن رفع الرسوم الجمركية سيكون مفيدًا وسيكون إنجازاً لقطاع الزعفران إذا تم تنفيذه، فيما أكد وزير الزراعة والري والثروة الحيوانية  الأفغاني، ناصر أحمد دوراني، أن اهتمام تركيا بشراء الزعفران من أفغانستان سيعالج المخاوف التي أثارها المزارعون بسبب نقص الأسواق.

وقال دوراني إن المسؤولين في في وكالة التعاون التركية أخبروه أن تركيا تحتاج إلى 300 كجم من الزعفران سنويا وأن هذا الجزء من هذا الطلب سيتم توفيره من أفغانستان، مشيرا إلى أن تصدير الزعفران إلى تركيا سيساعد المزارعين الأفغان والاقتصاد الوطني.

التدخل عبر تيكا
لتنفيذ مخططها حركت حكومة إردوغان "تيكا" التي تعد وسيلة أنقرة لتبرير تدخلها في شؤون الدول الأخرى، تحت أقنعة المساعدات، ورفع الأضرار، ومراعاة الجوانب الإنسانية لتنفيذ بعض من مشاريعها الذائفة.

فأشرفت الوكالة التركية العام الماضي على تدريب مزارعين في أفغانستان وتزويدهم بـ16 كجم من بصيلات نبتة الزعفران من أجل الإنتاج.
حينها، قالت "تيكا" في بيان رسمي، إنه جرى توزيع 16 كجم من بصيلات الزعفران لـ40 مزارع أفغاني بالتعاون مع مديرية الزراعة بولاية "هرات، لافتة إلى توقيع عقود مع أسر أفغانية خبيرة في مجال زراعة النبتة ولديها أراض صالحة لهذا الغرض، بمناطق "زيندجان" و"كيروخ" و"كوريان".
 
وبيّنت أنه بموجب العقود سيتم جمع 10% من بصيلات الزعفران المنتجة من قبِل الأسر الأفغانية المعنية، على أن يتم توزيعها لمزارعين آخرين، مشيرة إلى أن الهدف هو توسيع نطاق زراعة الزعفران، وزيادة جودة الإنتاج، وضمان مشاركة عدد أكبر من الأسر الأفغانية في هذا الإنتاج.
 
الوكالة لفتت إلى أنها أشرفت أيضًا على تدريبات نظرية وعملية للمزارعين بهدف زيادة الإنتاج والنوعية، موضحة مواجهة مزارعي "هرات" الأفغانية صعوبات في تأمين بصيلات الزعفران من أجل زراعتها.

خدعة التبادل التجاري
نظرة سريعة على تطور العلاقات التجارية بين كابول وأنقرة تكشف زيف ادعاءات حكومة إردوغان الوقوف بجوار نظيرتها الأفغانية، حيث لم يُسجل التبادل التجاري بين البلدين في الفترة من 2010 إلى 2016 سوى 1.6 مليار دولار مالت في غالبيتها لصالح تركيا.

وتحتل تركيا الموقع الخامس بين الدول التي تستورد المواد التجارية من أفغانستان بعد الهند، وباكستان، وإيران والعراق، واشتركت أنقرة بعد عام 2005م إلى اليوم في مؤتمر ريكا (RECCA) أو ما يسمى بالمجلس الإقليمي لإغاثة الشعب الأفغاني، في سبعة مؤتمرات وتم عقد معاهدة "الطريق اللازوردي "بين أفغانستان، وتركيا، وتركمنستان، وأذربايجان، وغرجستان في عام 2017 من هذه المؤتمرات.

منذ عام 2003 إلى عام 2016  نفذت 127 شركة تركية 627 مشروعا بقيمة 6 مليارات دولار أمريكي، فيما عملت الدولتين على الدولتين على تقليل أو رفع الضرائب الجمركية "DTPA"، وقد تمت المفاوضات الأولية لهذا الغرض في أنقرة عام 2016.

ورغم كل الوعود التركية، إلا أن مستوى التجارة بين البلدين يهبط عاما بعد عام، حيث كانت التجارة بين الدولتين في عام 2010 نحو 265 مليون دولار، وهوت في عام 2016 إلى 155مليون دولار سنويا.

Qatalah