يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحرش جنسي وانتهاكات بدنية وإهانات لفظية.. للنساء نصيب خاص من قمع نظام رجب إردوغان للقضاء على الصحافة الحرة، وتكميم أفواه العاملين في الإعلام، ليبقى في البلاد صوت واحد فقط، يؤيد قراراته ويروج أطماعه ويدافع عن جرائمه.

لم يكتف إردوغان بوضع تركيا في صدارة قائمة الدول الأكثر حبسا للصحفيين في 2018 بـ 32 معتقلا، بالإضافة إلى تصنيفها "أكبر سجن في العالم"، فكان للنساء حصة خاصة من القمع عبر التحرش بهن وتهديدهن بالاعتقال وإهانتهن بسبب ممارسة مهنة يرونها مقتصرة على الرجال، حسب المعهد الدولي للصحافة.

الصحفيات في تركيا مستهدفات بوجه خاص بسبب رفضهن الدور التقليدي المفروض عليهن من نظام إردوغان صاحب العقلية الرجعية، والذي يهيمن عليه الطابع الذكوري، فيرى النساء مجرد أدوات لإنجاب الأطفال وتربيتهم فقط، أما المعارضات فيواجهن درجة أشد من القمع، نتيجة فضحهن جرائم الحكومة في الداخل والخارج.

مهنة الإعلام في تركيا تواجه صعوبات متزايدة يومًا بعد آخر، فالرقابة التي تفرضها الدولة والنظام القمعي من مطاردة المعارضة وقصف الأقلام الحرة أصبحت السمة المميزة لأجواء العمل، حتى بات استخدام عبارة بسيطة مثل وسم "الصحافة ليست جريمة" على مواقع التواصل دليل إدانة يحاكم عليه الأتراك ويدفعهم إلى السجون.

نفي الصحفيين
الإرهابيون والمحرضون على القتل ينعمون بالحرية تحت حماية إردوغان، فيما يقبع الصحفيون في السجون وكل ذنبهم محاولة الحفاظ على الموضوعية ورصد انتهاكات حزب العدالة والتنمية الحاكم.

المعهد الدولي للصحافة شدد على أن احتجاز نظام إردوغان للصحفيين بين أربعة جدران محاولة لإسكات أصواتهم وسجن أفكارهم، مضيفًا :"صدر بحق بعضهم حكم بالسجن أعواما عديدة لتأدية عملهم من خلال نقل الأخبار وكشف الحقيقة، وأُجبر آخرون على الانتقال بعيدًا عن وطنهم ومنزلهم وعائلاتهم آلاف الكيلومترات".

تتعرض الصحفيات للتهديدات من القوات القمعية ويقع بحقهن الاعتداءات والإهانات الجنسية، ويتجلى ذلك في التظاهرات الأسبوعية التي تنظمها مجموعة "أمهات السبت" أمام مقر جمعية حقوق الإنسان في إسطنبول.

تُنظم المظاهرات في الموقع منذ أسبوعها الـ 700 بعدما منعت السلطات التركية الاحتجاج في ساحة غلطة سراي التي تقيم فيها قوات الشرطة الحواجز يوم السبت من كل أسبوع.

يحاول الصحفيون أداء واجبهم والتقاط الصور رغم حصارهم في منطقة مغلقة، إذ تكون "أمهات السبت" على جانب والقوات الأمنية على الآخر، إلا أن الصحفيات تتعرضن لاعتداءات بدنية ونفسية وتهديدات وألفاظ مهينة.

المحررة إيليم نازلير -تعمل بصحيفة إفرنسال- تتابع احتجاجات السبت بشكل منتظم، وتقول: "نتعرض للاعتداء، وفي الأسابيع الأخيرة هُوجمت المظاهرات ومنعت القوات الأمنية الصحفيين من التقاط الصور، وعندما عارضنا ذلك، قوبلنا بالتهديد من ضابط شرطة توعد باعتقال المراسلين الذين يغطون الفعالية، وهذه من الأمور التي تحدث طوال الوقت".

الصحفية غولفيم كاراتاش معلّقة إخبارية عملت لدى قناة "آي إم سي تي في" لأعوام قبل إغلاقها بمرسوم تشريعي، قالت: "لا أعرف أي صحفي لم يتعرض للعنف والاضطهاد من قوات الأمن، علينا جميعًا أن نتعامل مع ذلك، لكن الصحفيات يواجهن بشكل خاص تعليقات مهينة وذكورية".

إهانة النساء
لجنة حقوق المرأة التابعة لاتحاد الصحفيين في تركيا سلطت الضوء في تقرير نشر مارس 2018، على التمييز والعنف الذي تتعرض له الصحفيات في بيئة يسيطر عليها الذكور.

النساء يواجهن التمييز والاعتداء النفسي والتحرش بسبب جنسهن، وفي استطلاع للجنة ذكرت أن 61% من الصحفيات أبلغن عن تعرضهن للتهديد، و59% للمضايقات، و17% للعنف الجسدي.

التقرير أضاف :"لا تتقاضى الصحفيات أجورًا متساوية مع الذكور"، فيما يتعرضن للاعتداءات الجنسية مرة واحدة على الأقل في الشارع أو في مكان العمل. 

من بين 168 سيدة أجبن عن أسئلة حول طبيعة العنف، قالت 61% إنهن تعرضن للإساءة النفسية، و54% اللفظية، و17% الاعتداء البدني، و15.5% للتحرش الجنسي.

تضييق آخر يواجه الصحفيات في تركيا، إذ يحتقر العاملون في وسائل إعلام مؤيدة للحكومة نظراءهم في جرائد مستقلة، وأكدت المحررة في موقع بيانت إفريم كيبينيك  أن العقلية الذكورية تنعكس في تغطية المحتوى، ما يجعل القارىء يتلقى موضوعات تهين النساء. 

في مواجهة المشاكل الناجمة من عقلية الدولة التي يهيمن عليها الذكور، يزداد التضامن بين العاملات في مؤسسات إعلامية مستقلة، وتعتني الصحفيات في الميدان أثناء تغطية الحوادث ببعضهن البعض، ويحمين زملاءهن من العنف الذي تمارسه قوات الشرطة.

المحررة إفريم كيبينيك نوهت إلى عمل لجنة حقوق المرأة التابعة لاتحاد الصحفيين، قائلة إن التضامن النسائي يتجلى من خلال فعالياتها، منها متابعة جلسات محاكمة الزميلات المعتقلات، وتنظيم العمل التضامني معهن.

الصحفيات يواصلن العمل لتحقيق طموحاتهن المهنية، ويتحمّلن ظروفًا قاسية من أجل نقل الأخبار الحقيقية والموضوعية لجعل أصواتهن مسموعة، في تحدٍ للعقلية الذكورية لنظام إردوغان.

اغتيال الصحافة 
بنهاية عام 2018، دفن إردوغان جزءا كبيرا من الصحافة الحرة، ليصنف بأنه عام اغتيال المهنة، وبينما يردد أكاذيب منها أن "تركيا دولة رائدة على مستوى العالم بحرية الإعلام"، تعتقل قواته الصحفيين وتصادر الجرائد، لتحتل بلاده المركز الأول في قائمة الدول انتهاكا للحريات، وفق منظمة "مراسلون بلا حدود". 

أخضع إردوغان القضاء لأوامره وحول منصات العدالة إلى منابر لظلم الإعلاميين، فأصدرت المحاكم العام الماضي 112 حكما ضدهم بينها المؤبد بحق 3 من كبار الصحفيين، بينهم الكاتبان الشهيران أحمد ألطان وناظلي أليجاق. 

خضع 520 صحفيا للتحقيق بسبب مقالاتهم والموضوعات التي نشروها ولم تنل رضا إردوغان، فوجهت إليهم تهم الانتماء لحركة الداعية المعارض فتح الله جولن وتنظيمات أخرى.

عدد وسائل الإعلام المغلقة وصل إلى 3 وكالات أنباء و16 قناة تلفزيونية و23 محطة راديو و45 جريدة و15 مجلة و29 دار نشر منذ الحملة الشرسة التي بدأت مع مسرحية الانقلاب يوليو 2016.

أحكم إردوغان قبضته على الفضاء الإلكتروني بسن قانون يسمح لهيئة الإذاعة والتلفزيون الحكومية "تي آر تي" التحكم في الشركات التي تقدم خدمات الإنترنت، وبعد إقراره مباشرة بلغ عدد العاطلين ممن كانوا يعملون في وسائل الإعلام 2500 شخص.

استحوذ رجال النظام على المؤسسات الخاصة ومنها "دوغان ميديا" التي بيعت في فبراير 2018 إلى رجل الأعمال إردوغان ديميرورين، ليملك 80 % من مجموع وسائل الإعلام ويجعلها أبواقا لإردوغان وحاشيته، ونقلت السلطات ملكية وكالة جيهان للأنباء إلى صحيفة صباح المقربة من الحكومة، وخصصت مقر جريدة زمان لهيئة تي أر تي.

Qatalah