يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


قلل مراقبون من قدرة الاتفاق التركي الروسي على منع المواجهة في مدينة إدلب السورية والصمود لوقت طويل، وكان الرئيسان فلاديمير بوتين ورجب طيب إردوغان اتفقا خلال لقاء جمعهما في منتجع سوتشي سبتمبر، على إنشاء منطقة منزوعة السلاح تفصل بين المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، وأخرى تحت سيطرة النظام السوري في المدينة، لمنع الهجوم العسكري الوشيك، الذي يجهز له الأسد.

ورغم ما تم إعلانه من بنود اتفاق سوتشي، إلا أن المنطقة المحيطة بمدينة إدلب، تعد آخر المعاقل التي تسيطر عليها الجماعات السورية المسلحة، تشهد حالة تأهب قصوى، تحسبا لهجوم شامل من المتوقع أن يشنه الجيش السوري والجماعات الإيرانية واللبنانية الرديفة عليها، وباتت جميع القوى الفاعلة في الأزمة (وعلى رأسها تركيا الداعم الأول للمسلحين) على قناعة بأن الهجوم أصبح مسألة وقت، وأن جهود الاستعطاف لوقف زحف الأسد على المدينة لن تجدي نفعا.

خسارة إدلب، التي ينظر إليها العالم باعتبارها نهاية المعارضة المسلحة والجماعات الإرهابية في دمشق، تعد نهاية من نوع آخر لأطماع إردوغان في سورية، وتعلن خروجه منها بـ"خُفى حُنين"، بل وتجبره أيضًا على الإصغاء إلى صوت المنتصر بشار الأسد، الذي طالما صرحت تركيا بأنها لن تسمح ببقائه. 

كفة الأسد المدعوم بقوة من إيران وميليشيا "حزب الله"، باتت هي الرابحة بعدما تمكنت من استعادة زمام الأمور وبسط السيطرة على الأراضي التي انتزعتها الجماعات الإرهابية والمسلحة من قبل.

وشهدت إدلب الفترة الماضية تدفق جميع العناصر المسلحة إليها، بعدما حسم الأسد معارك حلب والغوطة لصالحه، حتى أصبحت بمثابة سلة تحوي خصومه كافة، وأكد مراقبون أن هذا التجمع يشكل خطرًا وجوديًا على مستقبل الجماعات المقاتلة في سورية، وهو ما استغله بشار فعليًا لصالحه، ويجهز حاليًا لاقتحام المدينة.

 

بشار يتجاهل الاتفاق ويحشد لـ "أم المعارك" 
يحشد الجيش السوري آلاف الجنود والمقاتلين لتعزيز قوّاته على حدود إدلب، وبدأت 26 سفينة حربية تابعة للأسطول الحربي الروسي القيام بمناورات عسكرية، تشارك فيها نحو 36 طائرة بينها قاذفات استراتيجية، وتؤكد التقارير أن التمركز البحري الروسي سيؤمن للقوات السورية قوّة نيران ضخمة حال اندلعت المواجهات.

تحركات الأسد تؤكد إصراره على الهجوم، فيما يواصل الإعلام السوري الرسمي الحشد للعملية بقوة، ويُطلق عليها اسم "أم المعارك"، واعتبرتها الصحف والفضائيات الفصل الأخير من العمليات العسكرية على الأرض، تلك التحركات التي حولت سورية إلى تلال من الأنقاض خلال سنوات، فباتت تحتاج إلى نحو 200 مليار دولار لإعادة الإعمار، بعد تدمير البنية التحتية تمامًا، إلى جانب كلفة إعادة نشر الأمن بسبب انتشار السلاح بيد الجميع.

سقوط إدلب يكسر شوكة الحليف التركي للإرهاب
تعد مدينة إدلب نقطة استراتيجية فاصلة لجميع القوى المتصارعة على الأرض، فالأسد يعتبر تحريرها نهاية للمعارك، وانتصارًا على الجماعات المسلحة والإرهابية، لكونها آخر معاقلهم، ويرى أن إعادة نشر قواته فيها، بمثابة كسر لشوكة تركيا الداعم الرئيس للمتطرفين.

وأظهرت روسيا - قبيل الاتفاق - حرصها على حسم معركة إدلب، القريبة من مياه البحر المتوسط، معقل النفوذ الروسي في سورية، وجعلها في قبضة الأسد، بعدما شن المسلحون المتحصنون بها هجومًا بالطائرات المسيرة، وقذائف الهاون على قاعدة حميميم الروسية، ما يفسر إصرار بوتين على تحرير المدينة من يد المسلحين لتأمين مناطق نفوذه.

كما يحتاج الكرملين إلى إثبات نجاحه في التعامل مع الأزمة السورية، والتأكيد على أن نفوذه في الشرق الأوسط أصبح أقوى من عدوه اللدود الولايات المتحدة.

خسائر إردوغان
تعتبر المدينة السورية نقطة جغرافية بالغة الأهمية لتركيا، وخسارتها تهدد جميع المكاسب الميدانية التي تم تحقيقها منذ اندلاع عملية "غصن الزيتون"، خاصة المتعلقة باحتلال عفرين السورية في الشمال. 

يدرك إردوغان أنه سيصبح الخاسر الأكبر من سقوط إدلب وإخلائها من الإرهابيين التابعين له، سيفقد السيطرة على 12 مركزًا عسكريًا مهمًا في المدينة، ما يعني ضياع عفرين وعدم الاستفادة من معبر "جلفاكوز" الحدودي، المقابل لمعبر باب الهوى السوري، الذي يعد من أكبر المنافذ الحدودية مع سورية، والمستخدم في توصيل الدعم اللوجستي للإرهابيين.

تتخوف تركيا من موجات نزوح كبيرة حال الهجوم على المدينة، ويتوقع وصول 250 ألف سوري إلى المناطق الحدودية إذا ما اندلعت المواجهات، كما أن سقوط إدلب ربما يشجع الأكراد على العودة، الأمر الذي يؤرق أنقرة.

كما ترى تركيا أن قرب إدلب من مدينة اللاذقية التي تعد بمثابة "قلب نظام الأسد"، ذو أهمية استراتيجية لابد من التمسك به، إضافة إلى أنها تبعد في الوقت نفسه مسافة 45 كيلو مترا فقط عن مدينة الريحانية التابعة لولاية هاطاي التركية، ما يعني أنها منطقة مهمة لها انعكاسات على أمنها القومي، وأن خسارتها يصعب تعويضها.

فصائل إرهابية
يتواجد في إدلب حاليًا فصيلان أساسيان معارضان لحكومة دمشق، هما "الجبهة الوطنية لتحرير سورية"، المدعومة من قبل أنقرة، و"هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقا)، ويقول مراقبون إن تركيا ستُجبر مقاتلي "الجبهة الوطنية" على استيعاب تنظيم القاعدة (هيئة تحرير الشام)، واستيعاب أعضائها، لتفادي تنفيذ الهجوم. 

لكن "هيئة تحرير الشام" رفضت عرضا للاندماج مع "الجبهة الوطنية لتحرير سورية"، وحلّ الهيئة في 28 أغسطس الماضي، فيما يقول مراقبون إن النقاش في هذا الطرح مستمر، ومن الممكن أن يمرر.

20 كيلو مترا تحت السيطرة
أكد بوتين خلال الاجتماع الصحافي المشترك عقب قمة سوتشي التوصل لاتفاق بشأن إنشاء منطقة منزوعة السلاح في نقاط التماس بين قوات النظام السوري والمعارضة المسلحة في إدلب، مشيرا إلى أنه سيتم إنشاء المنطقة بعرض يتراوح بين 15و20 كيلومترا بدءا من 15 أكتوبر المقبل، وستخضع تلك المنطقة لسيطرة الجانبين الروسي والتركي.   

جدد بوتين تهديده بعدم السماح للمسلحين في إدلب بشن أي هجوم على حلب والقواعد  العسكرية الروسية في حميميم وطرطوس البحرية، وأكد أن تركيا ستخرج كل الفصائل المسلحة ومنها هيئة تحرير الشام، مع نزع أسلحتهم الثقيلة من صواريخ ومدافع ودبابات، فضلا عن  تسيير دوريات من وحدات الجيشين التركي والروسي. 

أوضح بوتين أن تطبيق قرارات القمة سيسرع بحل المشكلة السورية، مع استمرار محادثات آستانة للسلام من أجل التشجيع على عملية التسوية السياسية وتأسيس لجنة دستورية.  

وحسب صحيفة برجون، وقع  كل من وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، ونظيره التركي خلوصي أكار، اتفاقا بخصوص تحويل منطقة "تخفيف التوتر" في إدلب إلى الوضع الطبيعي. 

توصل الرئيسان الروسي والتركي إلى اتفاق على إعادة فتح حركة المرور بين حلب واللاذقية، وبين حلب وحماة، وبحسب صحيفة جمهورييت أكدت الصحافة الغربية أهمية هذا الاتفاق في إزالة خطر أزمة الأوضاع الإنسانية.

عملية عسكرية مؤجلة
علق المراقبون على قمة سوتشي بالقول إن العملية العسكرية المرتقبة من روسيا وجيش الأسد ضد الجماعات المسلحة تم التنازل عنها في هذه المرحلة على الأقل، فيما قال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عقب الاجتماع الصحافي، إنه لن يتم تنظيم هجوم على إدلب، استجابة لمطالب تركيا بعدم شن هجوم عسكري على إدلب وصفته بأنه سيكون "كارثة".

أثار الاتفاق من ناحية أخرى علامات استفهام حول كيفية تطبيقه، في مقدمتها حدود المنطقة التي تضمنها الاتفاق، حيث لم تشتمل تصريحات الرئيسين الروسي والتركي على أية معلومة بهذا الشأن، وليس معروفا حتى الآن هل ستدخل المدينة الكبرى التي تحمل نفس اسم بلدة إدلب في المنطقة منزوعة السلاح أم لا، ففي حال دخولها تنسحب الجماعات المسلحة التي تسيطر على جزء كبير من المنطقة عمليا، وتبقى علامة الاستفهام الكبرى تحيط بمدى موافقة المسلحين أنفسهم على الاتفاق من عدمه.

الأسد يتجاهل.. وحسام الدين: نعتزم تخليص إدلب من الإرهابيين
من جهتها، تجاهلت دمشق الاتفاق، وقال مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف السفير حسام الدين آلا: إن حكومة الأسد تعتزم إعادة السيطرة على إدلب وتخليصها من الجماعات الإرهابية ومنها جبهة النصرة. 

فيما نسبت صحيفة يني أقيت لمصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية قوله للتليفزيون الرسمي إن الحكومة السورية ترحب باتفاق المنطقة منزوعة السلاح الذي توصلت إليه قمة سوتشي، معقبا: سنظل نحارب الإرهاب حتى تخليص آخر شبر في الأرض السورية، وأن هدف نظام الأسد في إعادة السيطرة على سورية بالكامل.

ويعيش ثلاثة ملايين شخص في مدينة إدلب الواقعة على الحدود السورية، ويوجد بها أكثر من 60 ألف عنصر من الجماعات المسلحة، وتعتبر آخر أكبر مدينة بقيت في أيدي المعارضة المسلحة، وفي حال عودتها إلى سيطرة الحكومة السورية، ستستعيد دمشق حكمها للجزء الأكبر من سورية بعد  ثلاث حروب استمرت سبع سنوات. 

 

تسيطر الجماعات الإرهابية على إدلب منذ العام 2015، وتشكلت فيها خلال إحدى الفترات إمارة النصرة، بينما تسيطر الآن هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقا التابعة لتنظيم القاعدة) على 60% من المدينة، بقيادة أبو محمد الجولاني، فيما توحدت بقية الجماعات الجهادية المعارضة تحت سقف واحد ضد هيئة تحرير الشام.

Qatalah