يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تمكّن إردوغان من تحويل تركيا إلى ضيعة يعبث بها كما يشاء، شكل جيوشًا من المتطرفين والقتلة، لتصفية الحسابات مع خصومه، إلى جانب تنفيذ عمليات مشبوهة تخدم مصالحه، ويعد تنظيم "تحشية"، الفرع التركي لتنظيم القاعدة الإرهابي، أحد هذه الكيانات المتطرفة التي مارست أنشطة مشبوهة بمباركة من الرئيس التركي مقابل تنفيذ تكليفاته السرية خارج دائرة القانون.

منذ عام 2010، غيّر إردوغان من التوجه العام في تركيا، فبعدما فشل التوجه العلماني في إلحاق أنقرة بالاتحاد الأوروبي، أعلى النظام من شأن النزعة الدينية، لتمرير المشروع التوسعي، وكان القرار بالانفتاح على الجماعات الأصولية المسلحة، ودعمها.

وقع اختيار إردوغان منذ عام 2004 على تنظيم "تحشية" الذي يقوده محمد دوغان، بعد أن توسم فيه التطرف والقدرة على تكوين قاعدة جماهيرية، وكان المستهدف تشويه أصحاب النزعة الدينية في تركيا بشكل عام، وجماعتي "النور" - نسبة إلى سعيد النورسي - و"الخدمة" - نسبة لفتح الله غولن - بوجه خاص.

وساوس شيطانية.. مبايعة أسامة بن لادن على الدم وقائمة اغتيالات
تنظيم "تحشية" مجموعة متطرفة زعمت أنها تندرج داخل جماعة "النور"، وقدمت تفسيرات لـ"رسائل النور" - 9 مجلدات وضعها النورسي خلال الفترة التي قضاها في المنفى، وتتضمن خُلاصة فهمه للقرآن والسنة - اللافت أن تلك التفسيرات لاقت معارضة قوية مع العديد من علماء الدين ووصفت بـ"المتطرفة".

يُعد عبد القادر باديلي - أحد طلاب سعيد النورسي وتوفي عام 2014 - من بين أبرز المنتقدين لتفسيرات محمد دوغان، وقال خلال عام 2003: "تفسيرات دوغان هذيان وتخريب وتشويش للأفكار".

ذكر "باديلي" نماذج من هرطقة "دوغان"، وقال: "تفسيراته موجهة، يعتبر محمد الموشي هو المهدي الأعظم الذي سيظهر في آخر الزمان. وأن أسامة بن لادن، الذي يحارب أميركا هو القوة والجند الرائد للمهدي. فأسامة سيقوى في القريب العاجل، وسوف يتغلب على الولايات المتحدة، ومن ثم يؤسس دولة الإسلام في فلسطين. وبعدها سيسلّم إدارة الدولة إلى المهدي (أي إلى محمد الموشي). ثم سيؤسس المهدي الحكم الإسلامي مع سيدنا عيسى عليه السلام"، وتابع باديلي: "حماقة، وسوسة شيطانية، وأصبع سلبي خفي".

أكدت تقارير صحافية أن "تحشية" مرتبط بتنظيم "القاعدة"، وأنه يتبنّى الإرهاب ويعتبره جهادًا وكفاحًا.،ولعب دورًا في استهداف عناصر حركة "الخدمة" بتكليف من إردوغان، فضلًا عن الهجوم النظري على زعيمها فتح الله غولن اللاجئ حاليًا في ولاية بنسيلفانيا الأميركية.

حررت الجماعة كتابات تهاجم دعوة "غولن" للحوار بين الأديان، وتقول صحف تركية إن العام 2005 شهد إصدار التنظيم كتابًا مسيئًا له، وتطرق "غولن" إلى الحديث عن الحركة خلال إحدى جلساته عام 2009، وقال إنها جماعة متطرفة تبايع زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن على الدم.

تكمن خطورة التنظيم كونه تكفيريً،. فقد أفتى "دوغان" بكفر جميع الجماعات الدينية، وأنه وزمرته الفرقة الناجية، كما دعا خلال إحدى جلساته إلى ضرورة أن يكون للجميع أسلحة في منازلهم ليتمكنوا من قتل أتباع الجماعات والطرق الدينية التي كفّرها.

أعلن "دوغان" أنه يقبل بزعامة أسامة بن لادن، ودعا أنصاره إلى مبايعته. ووصف جيشه بجيش المهدي المنتظر، وشجع عناصر جماعته على القتال في أفغانستان والعراق وباكستان.

لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، فدعا إلى التخلص من شخصيات عامة وسياسية معارضة في الدولة، وكانت قيادات من حزب "الشعب الجمهوري" على رأس قائمة الاغتيالات التي حددها، وتقول وثائق إن تحديد القائمة تم بالتنسيق مع إردوغان، وأن رئيس الجمهورية حينها عبد الله غول كان من بين المستهدفين.

ميلشيا إردوغان.. خطة تفجير الحركات المعارضة من الداخل
ينسب إلى فتح الله غولن أنه السبب في الكشف عن ذلك التنظيم الإرهابي، إلا أن الوثائق أوضحت أن جهاز المخابرات كان يتابع أنشطة الجماعة منذ عام 2004، وأنه أطلق عليها اسم "التحشية" - نسبة إلى إدخالهم حواشي على رسائل النور - لكن معرفة جهاز المخابرات بالتنظيم يطرح العديد من الأسئلة، بينها لماذا صمت الجهاز عن التنظيم كل هذه الفترة رغم تصاعد خطابه المتطرف والتكفيري؟.

بلغ عدد عناصر التنظيم 5 آلاف شيخ، وأصبحت بلدة الريحانية الحدودية مع سورية مقرهم، واستخدموها في تدريب مقاتليهم على حمل السلاح، وتجهيزهم تمهيدًا لإدخالهم "العراق"، وكانت مقاراتهم في الجنوب وجنوب الشرق بمثابة غرف عمليات لتنظيم "القاعدة" الذي كان يلعب دورًا في بغداد وقتذاك.

صمت المخابرات لا يتوقف عند حد التواطؤ، بل تفسره السياسة التي اتبعها إردوغان في تأسيس منظماتٍ، لمواجهة الجماعات والحركات المعارضة، فدأب الرئيس التركي على الخلاص من خصومة عبر "تفجير كياناتهم من الداخل" - تأسيس جماعات متشابهة للتشهير بالحركة الأم - وبالفعل نجح في ذلك مع أحزاب اليسار والشيوعيين والإسلاميين.

كان إردوغان خلال تلك الفترة يتبنى الخطاب العلماني، بغية الالتحاق بالاتحاد الأوروبي، ويسعى لعرقلة أية نزعات دينية في المجتمع، تعطل وصوله إلى حلم دخول المعسكر الغربي.

جماعتا "النور" و"الخدمة" كانت أشهر الكيانات الدينية في ذلك الوقت،وكلف الرئيس التركي مخابراته بتدشين "التحشية"، كجزء من "النور"، وأطلق لها العنان فصعدت من الخطاب المتطرف، وأراد من خلال ذلك دفعها لارتكاب عمليات اغتيال ضد معارضيه من القوى المدنية، ثم إلصاقها بعد ذلك بجماعة "النور" لتبرير قمعها أمنيًا.

كشفت صحيفة "طرف" عن مخطط الرئيس التركي، فخلال عام 2004 نشرت قرارات مجلس الأمن القومي الذي عقده إردوغان، اتخذ المجلس قرارا بتنفيذ عمليات ضد جماعات معارضة.

ونص القرار: "من أجل مكافحةٍ فعالة وجذرية ضد مجموعة غولن والعناصر الرجعية الأخرى، لا بدّ من سنّ قوانين جديدة تقترح فرض عقوبات ثقيلة على الذين يخلّون بأمن الدولة عبر استغلال الدين والمشاعر الدينية والأمور المقدّسة، وتأسيس جمعيات وأوقاف ومنظمات شبيهة".

في أعقاب ذلك الاجتماع ظهر "تنظيم تحشية" بوصفه جزءًا من جماعة "النور". وبدأ محمد دوغان يلقي خطبًا يدعو أنصاره إلى الجهاد، ويحضّ على الانضمام إلى تنظيم القاعدة ومبايعة أسامة بن لادن.

 

النظام يحمي رجاله بعد انكشاف المستور
تمكنت وسائل إعلام من كشف خطة إردوغان، ونشرت صحيفة "الزمان" ومجموعة "سامان يولو" الإعلامية عام 2009 تفاصيل عن تنظيم "تحشية" وعلاقته بالنظام التركي، وكيف استخدمه في الخلاص من معارضيه وتشويه سمعة جماعتي "النور" و"الخدمة".

أجبرت الحملة الإعلامية قوات الأمن على شن حملة مداهمة على مقار تنظيم "تحشية"، وتم توقيف عدد من عناصره بينهم، محمد دوغان. في المقابل ضرب إردوغان بما نشر عرض الحائط، وادعى أنها حملة تشهير وتشويه بنظامه، كلف أجهزة الأمن بشن حملة أخرى مضادة على مقار تلك المؤسسات الإعلامية، وألقى القبض على عدد كبير من الصحافيين الذين حرروا موضوعات عن الواقعة.

اللافت أن المدعي العام وقتها أوغوز كاغان كوكسال - عضو حالي في حزب العدالة والتنمية - ارتكب جملة من الممارسات من شأنها الإخلال بسير التحقيقات، حيث أعرب عن تضامنه مع الموقوفين بوصف التهم بـ"المزاعم" و"المؤامرة"، الأمر الذي كان من تداعياته إغلاق القضية، وإخضاع مجموعة من الصحافيين للمحاكمة بتهمة الكذب والإخلال بالأمن العام.

إغلاق القضية تبعه مذكرة توضيحية تؤكد أنه لا وجود لتنظيم "تحشية"، وأن اعتقال محمد دوغان جاء بناء على تحريات وأخبار كاذبة، وأنه سيتم محاكمة من تولى نشر تلك البيانات والأخبار.

لم يتطرق التقرير إلى الوثائق التي تم إعدادها أو التسجيلات الصوتية لمحمد دوغان، التي يفتي فيها بكفر الجماعات الدينية، ويدعو إلى قتالهم والانضمام إلى "القاعدة"، فضلًا عن شهادة الشهود التي كانت حاسمة في كثير من جوانبها.

بل إن رئيس حزب "العدالة الوطنية"، وزير الداخلية الأسبق، إدريس نعيم شاهين، وصف  ادعاء السلطات التركية بأنه لم يكن هناك تنظيم يدعى "تحشية" بـ"الكاذب"، وتابع: "الموقوفون من الصحافيين والإعلاميين على ذمة تحقيقات تتهمهم بنشر أخبار كاذبة يعانون الظلم".

قال "شاهين" :إن الكشف عن تنظيم تحشية جاء من خلال تقارير جهاز المخابرات الوطنية وقوات الدرك (الجندرمة)، وليس عن طريق الصحافة والإعلام كما يزعم البعض وأنه مرتبط بالقاعدة الإرهابي، وأن هذا التنظيم تجرى متابعته منذ عام 2004.

Qatalah