يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


أصاب الأتراك جسد العالم الإسلامي كوباء فتاك وجراد يأكل كل شيء، مخلفين مشاهد الدمار وأنهار الدم، فضلا عن أطلال المدارس والمكتبات التي كانت فخر العواصم والمدن الإسلامية والعربية، حتى ضعف العالم الإسلامي وسقط فريسة سهلة لكل محتل.
تنحدر القبائل التركية من وسط آسيا وكانت بعيدة عن البحر لم تعرف ركوبه أو صناعة السفن، وكان جل همها منصبا على البر، لا تعرف إلا الخيل وسيلة للانتقال والحرب، لذا عدت البحر كائنا خرافيا لا يمكن قهره، فلم يعرف عن الأتراك الشجاعة في مواجهة الأمواج.
حين احتلت هذه القبائل العالم الإسلامي وحكمت مدن الشام البحرية ومدن الأناضول بواجهتها العريضة على البحر المتوسط، أهملت الأسطول البحري ولم تهتم به، فقد كان الأتراك يخافون ركوب السفن، ومهد التدمير الممنهج للأسطول على يدهم الطريق أمام الحملات الصليبية على الشام ومصر، فلم يكن هناك قوة بحرية إسلامية قادرة على مواجهة الحملات الأوروبية وردعها في عرض البحر.
وعندما اندفع السلاجقة الأتراك للسيطرة على إيران في القرن الحادي عشر ووصلوا إلى الشام اصطدموا بأكبر قوة بحرية في العالم الإسلامي، وهي الدولة الفاطمية في مصر، فعملوا على إضعافها وخربوا مدن الشام، ولم يستطيعوا السيطرة على الساحل الجنوبي للشام بسبب قوة الأسطول الفاطمي الذي دافع عن صور وعكا وعسقلان ويافا ببسالة.
ترك السلاجقة السواحل الشمالية لبلاد الشام بلا حماية، فتحولت إلى غنيمة لمن يمتلك الأسطول، وسرعان ما تقدمت الأساطيل الأوروبية رافعة شعار الصليب وسيطرت على معظم سواحل بلاد الشام في عامين، وحدها المدن الخاضعة للفاطميين هي التي استطاعت الصمود بفضل الأسطول المصري القوي، ولم تسقط إلا بعد خمسين عاما من الغزو الصليبي لبلاد الشام.
دخل العنصر التركي إلى مصر تحت جناح الحكم الأيوبي الكردي الذي أسقط دولة الفاطميين عام 1171م، ونقلوا أمراض البداوة التركية إلى وادي النيل، فتم التخلص من الأسطول سريعا، وهو ما تكرس في دولتي المماليك الأتراك البحرية والبرجية، إذ فقدت مصر أسطولها بشكل كامل وتركت البحر المتوسط لأساطيل المدن الإيطالية، البندقية وجنوة وبيزا وفلورنسا تعبث فيه كما تشاء، ولا غرابة في أن يتهم المؤرخ الفرنسي الكبير كريستوف بيكار في كتابه "بحر الخلفاء .. تاريخ المتوسط الإسلامي"، الأتراك بأنهم تخلوا عن بحر الخلفاء للسيطرة اللاتينية المسيحية منذ القرن الثالث عشر الهجري، وهو يقصد بالخلفاء هنا خلفاء الأمويين والعباسيين والفاطميين، الذين وضعوا استراتيجيات واضحة للسيطرة على بحر المتوسط.

سلاجقة الروم وخيانة الإسلام
استوطنت بعض القبائل التركية بلاد الشام، بينما زحف بعضها إلى الأناضول، واستولت على أراض واسعة من الدولة البيزنطية، ما كان أحد الأسباب المهمة للانتقام الأوروبي من البربرية التركية.
نجحت قبائل تركية في إقامة عدة إمارات جمعتها سلطنة عُرفت باسم سلطنة سلاجقة الروم، وكانت عاصمتها قونية، وامتدت في الفترة من 1077 م إلى 1307 م.
رغم أن الحدود التي كانت تفصل بين سلطنة السلاجقة الروم وبين الدولة البيزنطية هي مضيق البوسفور البحري إلا أن الأتراك لم يهتموا بإنشاء أسطول بحري، يحمي شواطئ المسلمين، أو البر الإسلامي.
وعانى العالم الإسلامي من الأتراك مرتين: الأولى حين جرت عليه وباء الحملات الصليبية الانتقامية من هجومهم البربري على الدولة البيزنطية، والثانية حين تركوا العالم الإسلامي بلا حماية بحرية تمنع غارات الصليبيين التي جاءت كلها عن طريق البحر. 
بدأت الحملات الصليبية منذ عام 1077 م في أوج قوة سلطنة سلاجقة الروم، واستغل الأوروبيون عدم وجود بحرية إسلامية في السيطرة على مضيق البوسفور وبحر إيجة، ونقل قواتهم من الشطر الأوروبي إلى الآسيوي، الذي كان تحت سيطرة الأتراك.
نجح الصليبيون في نقل قواتهم سالمة طوال فترة الحملات الصليبية التي امتدت حتى عام 1291 م بسبب عدم امتلاك المسلمين بحرية قوية، تطارد السفن الأوروبية الغازية.
والأدهى نجاح أول حملة صليبية وهي الحملة الشعبية بقيادة الراهب بطرس الناسك 1096 م في دخول أراضي المسلمين، رغم سوء تجهيزاتها هذه الحملة التي تكونت من الفقراء والمعدمين.
 

سلاجقة الشام و طعنة الغدر
اجتاح وباء الأتراك مدن الشام العامرة، ووجهوا قوتهم لتحطيم الدولة الفاطمية التي كانت تحكم مصر ومناطق من الشام والقدس وجزيرة العرب.
أنهكت أطماع السلاجقة التوسعية القوة العسكرية للفاطميين في الدفاع عن مصر وجنوب الشام، حتى عجزت الدولة الفاطمية عن دفع خطر الصليبيين نتيجة ضعفها، كان هدف السلاجقة السلب والنهب، ولذا وجهوا قوتهم للإغارة على الدولة الفاطمية.
استقل كل أمير تركي بحكم مدينة، ودب الخلاف والنزاع بينهم، ما أدى إلى خراب المدن والقرى، لم يهتموا بحماية حدود العالم الإسلامي البحرية، على الرغم من طول ساحل بلاد الشام، وكون الغزو يأتي عن طريق البحر في معظم فصول تاريخ الشام.
حين هاجم الصليبيون الشام كان يحكمه عدة أمراء أتراك منهم كربوقا صاحب الموصل، دقاق صاحب دمشق، وجناح الدولة صاحب حمص.
تغلب الصليبيون على الأمراء السلاجقة، وسقط الشام بيدهم، وأصبح البحر طريق التواصل مع أوروبا، وطريق نقل المؤن والمدد العسكري، دون خطر، إذ لم يكن للأتراك السلاجقة وجود بحري ذو شأن.

تخلي الأتراك عن التجارة لأوروبا
لم يهتم الأتراك (السلاجقة - المماليك - العثمانيون) ببناء أسطول بحري تجاري، ينقل البضائع إلى موانئ أوروبا، ويقوم برحلات استكشافية وعلمية، لكن كان همهم الربح السريع، وذلك ما وفرته الرسوم التي كان الأوروبيون يدفعونها للجمارك.
تسبب هذا في سيطرة مدن البندقية وجنوة على تجارة العالم الإسلامي، ما أدى لنمو ثروات هذه المدن، ودفعها للمشاركة في تجهيز الحملات الصليبية للسيطرة على الموانئ الإسلامية، من أجل التخلص من الرسوم التركية الباهظة.
بجانب ذلك أدى الإهمال التركي للبحرية إلى فشل المسلمين في تطوير تقنية بحرية، مقابل نجاح الأوروبيين في ذلك.
كما أن كل الاكتشافات الجغرافية لم يكن للعالم الإسلامي نصيب فيها، فقد كانت البحرية التركية العثمانية مجرد تجمع للقرصنة، ولم يكن الانشغال بالبحث العلمي والكشوف الجغرافية عملاً يستهوي الأتراك، لكن السلب والنهب كان جل ما يجذب أبصارهم.

فشل العثمانيين في صد البرتغاليين
بدأ الصدام العثماني البرتغالي في البحر الأحمر وبحر العرب منذ عام 1517م بعد احتلال العثمانيين مصر.
أبقى العثمانيون أقرباءهم المماليك على حكم مصر، وتابعوا مشاريعهم في البحر الأحمر، وكان لدى المماليك خطة لمواجهة النفوذ البرتغالي.
جهز العثمانيون حملة عسكرية بحرية انطلقت من مدينة السويس إلى بلاد العرب ثم اليمن بهدف احتلال اليمن، بدعوى تأمين الجزيرة العربية من مخاطر الغزو البرتغالي.
كانت الحملة العثمانية عبارة عن خليط غير منتظم من الجنود، بقيادة سليمان باشا الخادم، ذي الأصول اليونانية، والذي اتصف بالغدر.
دخل سليمان باشا مدينة عدن بسلاح الغدر، فقد استغل ترحيب حاكم المدينة بالأسطول العثماني وفتح أبوابها أمام جنود الحملة للتزود بالمؤن، واحتل المدينة على حين غفلة من أهلها، حين كان حاكمها على سفينة سليمان باشا نفسه.
تسببت هذه الحادثة الآثمة في استعداء كل الإمارات الإسلامية في بلاد الهند، وجنوب جزيرة العرب ضد العثمانيين، وحين وصلت سفن الأسطول العثماني إلى شواطئ الهند، قامت الإمارات الإسلامية بمحاربتها، وفضل المسلمون الهنود التحالف مع البرتغال على التحالف مع العثمانيين الذين اشتهروا بالغدر.
انهزم العثمانيون أمام البرتغاليين، وعندما لم يجدوا إمكانية للسلب والنهب، تركوا المنطقة الجنوبية للعالم الإسلامي فريسة تحت رحمة الأساطيل الأوروبية.
في حين ركز العثمانيون جل همهم على القرصنة البحرية بغية سلب السفن الأوروبية في غرب البحر المتوسط، تنازلوا عن البحار الجنوبية للعالم الإسلامي.
تؤكد وقائع التاريخ فشل الأتراك العثمانيين في بناء قوة بحرية حديثة تحمي العالم الإسلامي، فقد نجح الاستعمار الأوروبي في اكتساح بلاد المسلمين بكل يسر، بسبب فشل العثمانيين البحري.

Qatalah