يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يدق الخطر أبواب الرئيس التركي رجب إردوغان في وقت تزداد مصاعبه الداخلية وتتراجع شعبيته بشكل حاد، هكذا تنظر تركيا إلى التحالف الأميركي اليوناني إذ تعتبره موجهاً ضدها ومحاولة من أثينا للثأر منها، فيما يرى خبراء أن التحالف رسالة مبطنة من واشنطن بأن لديها خيارات للنفط الغزير والمناخ الدافئ والقواعد البحرية والجوية بعيدا عن أنقرة، وقد مثلت أجواء الترحيب اليونانية الجاذب الأكبر في تحقيق التقارب وتوجيه رسالة للغريم التركي، ما سيكلف حكومة إردوغان الكثير.

تعزيز علاقات أميركا واليونان
في ظل التوتر الكبير في العلاقات التركية الأميركية راحت الولايات المتحدة تعزز تعاونها العسكري والسياسي والاقتصادي مع دولة من أكثر الدول عداءً بالنسبة لتركيا وهي اليونان. ظهر الترحيب الأميركي بالتحالف في إشادة وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس بنظيره اليوناني في واشنطن في التاسع من أكتوبر عام 2018، مع إظهار أثينا مدى رغبتها في تعزيز الوجود العسكري الأميركي، وقد جرى ترجمة ذلك في شكل اجتماعات حوار استراتيجي بين الطرفين من المقرر أن تبدأ ديسمبر المقبل تحقيقاً لأجندات أخرى تتعلق بخلافات مع الجانب التركي.


 

فرصة واشنطن
جمعتهما أربع حروب كبيرة، اقتسما جزيرةً وتنازعا على المياه بما فيها، هكذا يمكن تلخيص العلاقة بين تركيا واليونان، تاريخ طويل من النزاع، رواسب قومية واجتماعية ودينية عمّقت الخلاف بين الجارتين، حتى لم يعد يَبدُو من ورائها أية بادرة ممكنة للتسوية على الرغم من المحاولات المتكررة،  لذلك اعتبرت اليونان أن التحالف الأميركي بمثابة هدية من القدر خاصة في ظل الصراعات الحالية بين الولايات المتحدة وتركيا. 
وساهمت الصراعات في اهتمام الجانب اليوناني بتسريع وصول القوات الأميركية، فاليونان لا ترى في تركيا حليفاً في الناتو إنما عدو والحرب معها مسألة وقت، ما يشير بشكل واضح  إلى احتمالية  نقل القواعد العسكرية الأميركية من تركيا إلى اليونان.
وكانت آخر محطات الخلاف بين اليونان وتركيا في فبراير الماضي إثر اصطدام سفينة تركية بأخرى تابعة لخفر السواحل اليوناني في بحر إيجة، ما نتج عنه إلحاق الضرر بالسفينة اليونانية قرب جزيرة إيميا غير المأهولة المتنازع عليها بين البلدين، ما اعتبرته السلطات اليونانية انتهاكاً للقواعد البحرية. 
تقدم الجانب اليوناني بشكوى رسمية إلى تركيا بسبب الحادث، فضلاً عن إدانة صادرة من رئيس الوزراء اليوناني بلهجة عدائية، مؤكداً أن الاستفزازات ضد بلد عضو في الاتحاد الأوروبي تستهدف كل الاتحاد، داعيا أنقرة إلى احترام القواعد الأساسية للقانون الدولي.
ولم يكن الحادث مصادفة إنما جاء ترجمة لاعتراض تركيا على اتفاقية 2013 بين مصر وقبرص لأعمال التنقيب في شرق البحر المتوسط، فضلاً عن الادعاء التركي الدائم بوجود المئات من الجزر التركية المحتلة من اليونان، وتصريح إردوغان عن مواصلة بلاده التنقيب عن الغاز والنفط في البحر الأبيض المتوسط رغم اعتراض بعض الجهات إشارة إلى اليونان، واتهام رئيس الوزراء التركي القبارصة اليونانيين بالقيام بشكل أحادي بالتنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط. 


 

اليونان ورقة رابحة للولايات المتحدة
سعي واشنطن لتوسيع تواجدها العسكري في اليونان لم يكن من فراغ إنما مكايدة لتركيا، فتفاوض الجيش الأميركي مع اليونان لاستخدام القواعد الجوية والبحرية، جاء بسبب تزايد التوتر الأميركي مع تركيا، وخطط الأخيرة لشراء منظومة الصواريخ الدفاعية "إس -400" من روسيا، ما يعني أن واشنطن تريد تحقيق جملة من المكاسب جراء ذلك التقارب، أولها تخويف أنقرة من تداعيات الانسحاب الأميركي من قاعدة إنجيرليك وأثره على الأمن القومي التركي، إلى جانب استفزاز إردوغان بالتقارب من عدوته اللدود اليونان، وثانيها منع آثينا من الارتماء في أحضان روسيا. 
كما أن مناخ اليونان الدافىء وتواجد المرافق العسكرية التابعة لحلف شمال الأطلسي على أراضيها، يسمح بإجراء تدريبات جوية عسكرية على مدار العام، ما جعلها من أهم عوامل الجذب بالنسبة للجيش الأميركي الذي وجد فيها فرصة سانحة لنشر قواته بصورة مؤقتة.
الدعم اليوناني للولايات المتحدة يسمح لها باستخدام القاعدة البحرية الموجودة في خليج سودا، ما يتيح لواشنطن تنويع بنيتها العسكرية في شرق البحر المتوسط للسيطرة على الجزء الغربي من الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي دعا رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية خلال زيارتة لأثينا إلى شكر نظيره اليوناني الأميرال "إيفانغيلوس أبوستولاكيس".
 كما أن تعزيز التعاون بين الولايات المتحدة الأميركية واليونان يمثل أهمية كبيرة في ظل التحالفات الجديدة التي نشأت في شرق المتوسط مؤخرا، حيث يتيح لواشنطن التحالف مع شركاء استراتيجيين جدد، وتطويق شرق البحر المتوسط من خلال التواجد العسكري، ويمثل مكسباً كبيراً لواشنطن من ناحية مكايدة تركيا صاحبة الأطماع في شرق المتوسط فضلا عن الوجود الاستراتيجي على المياه الدافئة للمتوسط، والوجود في منطقة غنية باكتشافات الغاز والبترول.



 

هل تحالف أميركا مع اليونان بديل لتركيا؟
لا يعني التقارب الأميركي اليوناني المفاجىء أن الولايات المتحدة قررت أن تبحث عن بديل ليحل محل تركيا، لأنه حتى وإن بلغت الصدامات أوجها في العلاقات بين واشنطن وأنقرة إلا أن الولايات المتحدة تدرك أهمية تركيا ولن تسمح لإردوغان أن يكون سببًا في فقد نفوذها في تلك المنطقة المحورية، لكن تحالفها مع اليونان بمثابة ورقة ضغط أو رسالة من واشنطن إلى أنقرة، حسبما يرى عدد كبير من الخبراء.
أكد خبير أمنى أميركي في مركز الدراسات السياسية في واشنطن، يدعى جون سي دانفورث أن أميركا لن تستطيع أن تمحي تركيا من دفترها، لكن المخاوف على مستقبل علاقات البلدين يزداد ما يدفع الولايات المتحدة لمحاولة تأمين البدائل في ضوء المخاوف المحتملة من مستقبل العلاقات، لذلك ترى واشنطن في اليونان أملاً لضمان هذه البدائل، كما أنها تعطي رسالة لتركيا بوجود بديل جديد بشكل غير مباشر.
بينما قال أحد الخبراء، إن اتجاه حكومة "ترامب" للتحالف البديل ليس صحيحا وأن الأميركيين لا يريدون التخلي عن إردوغان بهذه الحملات إنما يريدون أن يوصلوا رسالة "لدينا خيارات أخرى" .
اللافت أن تقارير صحافية أشارت إلى أن المفاوضات مع اليونان تجري من طرف القائد العام للقوات المسلحة المشتركة لحلف الناتو في أوروبا، الجنرال كورتيس سكاباروتي، وأن سكاباروتي لا يقترح نشر القوات الأميركية والمعدات في اليونان على أساس دائم.
وعلى الرغم من كل المزايا التي تتمتع بها اليونان، لا تعتبر واشنطن استخدام منشآتها العسكرية  بشكل متكرر بديلا عن قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا، وفق تأكيد المصادر، فمن الواضح أن واشنطن غير مستعدة للمضي حتى النهاية فثمة تكاليف مالية ضخمة، لأن نقل القوات الجوية الأميركية والبحرية الأميركية من تركيا إلى اليونان سيكون أمراً لا رجعة عنه، بل سيعني أيضاً الوصول إلى نقطة اللاعودة في العلاقات مع تركيا.
وتبقى القضية الرئيسية مدى جدية النوايا الأميركية، إذ لا يمكن استبعاد أن يكون إعلان نوايا تحويل القواعد إلى الأراضي اليونانية في شرق البحر الأبيض المتوسط مجرد محاولة للضغط على أنقرة لإجبارها على تقديم تنازلات جديدة.

Qatalah