يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


30 يونيو 2019 تداعيات موقعة إسطنبول

كانت الهزيمة السياسية القاسية، التي تلقاها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في انتخابات بلدية إسطنبول، أقرب إلى زلزال سياسي تؤذن توابعه بتغييرات جوهرية في الموازين السياسية الداخلية والحسابات الإقليمية في أحد مراكز الإقليم المشتعل بالنيران.
كان الاستنتاج الرئيس الذي شاع بما يشبه الإجماع أن عصر إردوغان يوشك على الأفول، وأن صفحة جديدة في التاريخ التركي الحديث توشك أن تفتح.
بالحساب التقليدي فإن الانتخابات البلدية، أية انتخابات بلدية، لا تحتمل حجم الاستقطاب والاستنفار وضراوة الدعايات والتهديدات، التي أطلقها الرئيس التركي بلا تحسب وبلا اتزان، فكانت الهزيمة مذلة بقدر ما اعتبر انتخابات إسطنبول استفتاء عليه.
بقوة الرموز، فإن إسطنبول هي المدينة التي صعد من انتخابات بلدية مماثلة نجم إردوغان قبل ربع قرن بالضبط، وهو نفسه صاحب العبارة التي استبقت الانتخابات: "من يسيطر على إسطنبول يحكم تركيا كلها".
وبقوة الرموز، فإنها المدينة الأكثر أهمية تاريخياً، حيث كانت عاصمة الخلافة العثمانية، والأبعد تأثيراً سياسياً، حيث هي مركز النخب الثقافية والأكاديمية والحزبية والأشد جذباً لحركة السياحة، يسكنها ربع السكان، وينظر إليها على أنها العاصمة الاقتصادية، حيث تحوي نحو (70%) من حركة الاستثمارات ورأس المال.
رمزية إسطنبول في أجواء الاحتقان السياسي أضفت على انتخابات بلديتها طابعاً قومياً محملاً بالإشارات والتفاعلات والسيناريوهات بقدر حجم السخط المكتوم على سياسات إردوغان الذي انفجر على غير توقع في زلزال الهزيمة القاسية. لو أنه تقبل نتائج الانتخابات التي أجريت مارس الماضي لما لحقت به مهانة الهزيمة الثانية في يونيو الحالي.
في المرة الأولى ضغط على اللجنة العليا للانتخابات لإلغاء فوز مرشح حزب "الشعب الجمهوري" المعارض أكرم إمام أوغلو الذي فاز بفارق (13) ألف صوت بعد أن تولى منصبه بـ (18) يوماً. وفي المرة الثانية خسر مرشحه "بن علي يلدريم" رئيس الوزراء الأسبق بفارق (800) ألف صوت.
الأزمة الاقتصادية الخانقة سبب أول للهزيمة، حيث اهتزت الليرة التركية وتجاوزت خسائرها قدرة المواطن العادي على التحمل، التضخم تجاوز الـ (20%)، والبطالة وصلت إلى حدود الـ (13%) وأسعار المواد الغذائية دخلت دائرة الغلاء بلا أمل في السيطرة عليها.
التعسف في استخدام السلطة لقمع المعارضة السياسية سبب ثانٍ للهزيمة حين بدت الديمقراطية مهددة والسلطات كلها يحتكرها الرئيس، تنفيذية وتشريعية وقضائية.
وفق مؤشر حرية الصحافة لعام 2018 احتلت تركيا المرتبة الـ 157 من بين 180 دولة، أغلقت أكثر من 180 وسيلة إعلامية، وطرد 2500 صحافي وإعلامي من وظائفهم.
وقد وظف "إردوغان" الانقلاب الفاشل قبل ثلاث سنوات في أوسع عملية اعتقالات لمعارضيه المفترضين من ضباط جيش وقضاة وأكاديميين ومدرسين وموظفين تجاوزت كل حد، كأنها هيستريا لا نهاية لها سحبت من الدولة أي التزام بالقانون وحقوق التقاضي.
بين التداعيات المحتملة رفع منسوب ضغوط العودة إلى المسار الديمقراطي وإعادة النظر في نظام الرجل الواحد الذي كرسه التعديل الدستوري في أبريل 2017 على ما يطالب رفاق إردوغان التاريخيون، الذين أطاحهم، وأهمهم توأمه السياسي لسنوات طويلة الرئيس السابق عبدالله جول، ورئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو المنظر الرئيس لـ "العثمانية الجديدة"، ووزير الاقتصاد الأسبق علي باباجان الذي ينسب إليه الفضل الأول في الطفرة الاقتصادية التركية مطلع القرن.
وقد تمتد التداعيات في وقت منظور لصدام معلن بين قصر الرئاسة وبلدية إسطنبول على خلفية ملفات فساد تورط فيها بعض مقربي الرئيس.
من غير المستبعد أن يجر ذلك الصدام تركيا إلى استقطابات أوسع، وقد لا يتورع الرئيس التركي عن استخدام سلطاته شبه المطلقة ضد عمدة إسطنبول المنتخب.
في حساب التداعيات المحتملة تحتل الأزمة الكردية موقعاً مركزياً في موقعة إسطنبول وسبباً ثالثاً للهزيمة، حيث صوت الأكراد بما يشبه الإجماع لمصلحة مرشح المعارضة على خلفية ما يتعرضون له من تهميش وتنكيل، على الرغم من محاولات "إردوغان" في الأيام الأخيرة قبل الموقعة استمالة الصوت الكردي بكل الترضيات.
في تركيا الآن نحن أمام "كل المشاكل" لا "صفر مشاكل" حسب وعد مرحلة صعود "إردوغان"، الذي صاغه "أحمد داود أوغلو"، حيث تتورط في سورية والعراق وليبيا والتحرش العسكري شرق المتوسط قبالة سواحل قبرص بجهود التنقيب عن الغاز، شاملاً الحقلين المصري واليوناني في مياههما الإقليمية.
في الإطار العام تتبدى أزمة الأزمات، التي أفضت تداعياتها، إلى تدهور مكانة إردوغان، حيث رهن حركته لجماعة الإخوان المسلمين ومستقبله لحلم عودة الخلافة إلى إسطنبول، وأن يكون هو السلطان الجديد.
تقوض رهانه بصورة أفقدته توازنه، بما لا يليق بدولة في حجم تركيا.
متابعون أوروبيون يرون أن تأثير الزلزال التركي ينعكس أساساً على الأوضاع الداخلية لا على الملفات الخارجية.
بصورة أو أخرى فإن تركيا مقبلة على علاقات ملتبسة مع روسيا أقرب إلى تحالف الضرورة دون أرضية صلبة، ومشروع صدام وعقوبات أمريكية جديدة على خلفية شراء المنظومة الصاروخية الروسية (إس 400)، كما هي مقبلة على ضغوطات داخلية لتخفيف وطأة التدخلات في الملفات الإقليمية على مستوى معيشة مواطنيها.
تداعيات موقعة إسطنبول بعضها يمكن توقعه، وبعضها الآخر قد ينفجر فجأة بالنظر إلى شخصية إردوغان التي تتميز بقدر كبير من الرعونة واعتبار كل مواجهة مسألة حياة أو موت.

نقلا عن "الخليج".

Qatalah