يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


في واحدة من أغلى المدارس الثانوية الخاصة في الضواحي الشرقية لإسطنبول، يتم سنويًا الاحتفال بالنتائج المذهلة لخريجي مدرسة كوتش، حيث يحظى العديد منهم بفرصة الالتحاق بالجامعات الكبرى في جميع أنحاء العالم، مثل هارفارد وييل، وهو ما يعد مصدر فخر للطلاب ومدرسيهم على حد سواء.

هذا الأمر في طريقه للتحول، بفضل الإصلاحات التعليمية الجديدة التي صممها حزب العدالة والتنمية الحاكم، والتي تثير مخاوف بشأن اعتبارها مثالًا على هندسة اجتماعية جديدة مُناهضة للعلمانية ومؤيدة لـ"تفسيرات متشددة للدين" يتبناها الرئيس التركي، رجب إردوغان.

في تقرير نُشر اليوم السبت، قالت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية، إن التعليم بات تحت حكم إردوغان مجالًا آخر لإظهار الصدع الاجتماعي الذي ضرب تركيا، حيث يتهم الأتراك المرتبطون بالتقاليد العلمانية المؤسسة للجمهورية النظام الحاكم بإدخال الكثير من المواد الدينية المتطرفة، في حين يجادل المحافظون الذين يدعمون حزب العدالة والتنمية في كثير من الأحيان بعكس ذلك، حيث يرون أن الإصلاحات الجديدة تقدم القليل جدا من الدين.

هندسة اجتماعية جديدة
في السابق، دعا إردوغان إلى إنشاء "جيل تقي"، وقدم نظامًا تعليميًا باعتباره "يجب أن يكون" من أجل مستقبل وطني آمن، لكن بالنسبة لمدرسة كوتش، فإن إعادة تحديد نظام التعليم في تركيا قد تحد من قدرة خريجها في المستقبل على الالتحاق بكبريات الجامعات في العالم.

أستاذة التاريخ وعميد مدرسة كوتش آية آلان قالت للصحيفة الأمريكية :"كل أيديولوجية تحاول تكوين مواطنيها، هذا طبيعي، الآن يلعبون مع مناهج التاريخ، وهي قصة قديمة. هم دائما يفعلون ذلك. كل حكومة تغير شيئا ما".

"لكن الدين، هو المسار الأكثر أهمية، على الأقل بالنسبة لحكومة إردوغان" تقول ألان، الأستاذة المعروفة في تركيا بكتاباتها ضد "العسكرة" الدينية الجديدة في المدارس.

عسكرة دينية
في عام 1923 تأسست الدولة التركية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك العلماني من رماد الإمبراطورية العثمانية، التي هُزمت خلال الحرب العالمية الأولى، ولعدة عقود بعد ذلك، رأى الجيش التركي نفسه مدافعًا عن هذا التقليد العلماني وقام بعدة انقلابات للقيام بذلك.

ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية بقيادة إردوغان إلى سدة الحكم عام 2002، أحدث تغييرات عميقة في تركيا حيث نجح في تحييد دور الجيش في السياسة، ومكنته المكانة المتزايدة للإسلام السياسي في تركيا والتي تحققت بفضل أستاذه نجم الدين أربكان بإحداث تغييرات عميقة في المجتمع.

في عام 2017، أدت تغييرات الحزب الحاكم في المناهج الوطنية إلى مضاعفة التعليم الديني في المدارس الثانوية إلى ساعتين كل أسبوع وقطع نظرية تشارلز داروين للتطور من فصول العلوم.

الأستاذة آلان تقول: "يمكنك الآن في تركيا إرسال طفلك بسهولة إلى مدرسة رياض الأطفال الدينية حيث يعلمون مواد دينية والتلاميذ في سن الخامسة فقط، هم يعلمون الطلاب أن يكونوا جنودًا في النظام الجديد". وأضافت" إذا راجعت تاريخ تركيا، فإن العسكرة جزء من تاريخنا"، الخطر الآن هو أن لدينا كلاهما: لدينا عسكرة ونظام ديني في نفس الوقت. هذا يخيفني حقًا".

فشل الإصلاحات 
في أكتوبر الماضي، تم إطلاق الدفعة الأولى من إصلاحات التعليم في وثيقة "رؤية التعليم 2023"، ثم في مايو، تم نشر مجموعة منفصلة من الإصلاحات الخاصة بالمدارس الثانوية. على الرغم من قصر التفاصيل، إلا أنه يبدو على غرار برنامج البكالوريا الدولية.

بحسب كريستيان ساينس مونيتور، يتفق اختصاصيو التوعية على وجود العديد من الجوانب الإيجابية، لكن الأمر يأتي في الوقت الذي لا يزال فيه نظام التعليم في تركيا يعاني من تطهير عشرات الآلاف من المعلمين بعد محاولة الانقلاب المزعوم في يوليو 2016.

وفي المقابل شهدت تركيا طفرة في المدارس الدينية، المعروفة باسم مدارس الإمام خطيب، والتي تم تصميمها في السابق لإنتاج رجال الدين ولديها اليوم منهج تهيمن عليه الدراسات الدينية. من إحصاء واحد، قفز عدد الطلاب في مدارس الإمام خطيب المتوسطة من أقل بقليل من 100000 في 2012-2013 إلى ما يقرب من 750 ألفا اليوم.

وعلى الرغم من أن تركيا تنفق جزءًا كبيرًا من ميزانيتها على التعليم 11.9% في العام الماضي، إلا أن نتائج الاختبارات التي تم نشرها في شهر يوليو كانت منخفضة، حيث وجد المكافئ المحلي لاختبار البرنامج العالمي لتقييم الطلاب أنه في الرياضيات، سجل 86% من طلاب الصف الثامن في المستويات المتوسطة أو الدنيا على مقياس درجات من خمسة مستويات، مع تسجيل 53% في أدنى فئتين.

بالنسبة للغة التركية، كان حوالي 66% من طلاب الصف الثامن في المستويات المتوسطة أو الدنيا، مما يعني أنهم ناضلوا من أجل فهم التعابير والهجاء.

انتقادات مؤيدي إردوغان
في خضم هذا الوهن، ليس المعلمون العلمانيون وحدهم الذين اشتكوا من الإصلاحات الجديدة، إذ يقول طلعت يافوز، مدير منطقة إيتيم-بير-سين، وهي نقابة محافظة للمعلمين المؤيدين لحكومة إردوغان، "يبدو أن البرنامج الجديد قد تخلى عن مشروع تربية جيل متدين".

يافوز قال لـ"كريستيان ساينس مونيتور": "لقد استثمر حزب العدالة والتنمية حقًا الكثير في نظام التعليم، وبناء المدارس، ولكن لا يزال هناك هذا الرأي الواسع النطاق الذي مفاده أننا لم نتمكن من تحقيق نوع النجاح الذي نريده في التعليم".

التربوي التركي لفت إلى أن البرنامج الجديد لا يهتم كثيرًا بقضايا مثل الأخلاق والقيم، ويبدو مدفوعًا بالوظائف، ولا يشجع الطلاب على أن يسألوا من نحن ولماذا نحن هنا، ويركز بدلًا من ذلك على المهارات القابلة للتسويق، موضحًا أن هذا البرنامج يخاطر بالقضاء على الرضا الاجتماعي الذي تحقق بشأن مسألة التعليم الديني، من خلال الاقتصار على تعليم القرآن، وحياة النبي محمد، والمعرفة الدينية الأساسية فحسب.

وفي تنديد صريح ببرنامج الإصلاح، قال زكيريا إرديم، مستشار منذ فترة طويلة لكبار المسؤولين في حزب العدالة والتنمية في إسطنبول وأنقرة، إن البرنامج الجديد "يضع جانبًا ديننا ودولتنا ووطننا وأمتنا وثقافتنا وحضارتنا لصالح المواطنة العالمية للثقافة والحضارة المهيمنة (أي الغرب) التي تصنع جحيمًا من كل شيء تمسه".

ومع ذلك، يقول يافوز إن الزيادة في عدد المدارس الدينية هي "إعادة توازن" لنظام التعليم في تركيا، بعد عقود من العلمانية القسرية. هذه عملية تطبيع، لقد حققنا الكثير من التقدم، ولكن بعد 10 سنوات هل سيكون هناك انقلاب آخر من شأنه أن يدفعنا في اتجاه آخر؟"

براجماتية العدالة والتنمية
في الأشهر الأخيرة، غير حزب العدالة والتنمية بعض البرامج التعليمية التي شجعها لسنوات، وتشمل المجالس الطلابية التي قدمت التدريب العملي، وتمارين محلية في الديمقراطية، علاوة على برنامج متعمق للتوعية الجنسانية.

هذه الخطوات وصفتها عميد مدرسة كوتش آلن بأنها "مثال آخر على رؤية حزب العدالة والتنمية، وأيديولوجيته، ومع ذلك لا يزال هناك عام قبل بدء الإصلاحات الجديدة بالنسبة للمدارس الثانوية في تركيا، لحل القضايا وتخفيف مجموعة المخاوف.

آلان قالت: "الشيء المثير للاهتمام أن حزب العدالة والتنمية بدأ هذه المشاريع الديمقراطية المختلفة"، في إشارة إلى المجالس الطلابية. وهو يعرف ثقافة تركيا جيدًا. في تركيا، يمكنك تغيير رأيك أربع مرات في اليوم، وهذا غير مهم. أنت تعلن فقط أنك غيرت رأيك، والناس سيقبلونه".

Qatalah