يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


دفع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اتفاق "منبج" مع الولايات المتحدة لحافة الهاوية، بعد أن تأزمت العلاقات بين أنقرة وواشنطن بفرض الأخيرة عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين، على خلفية إصرار تركيا على توقيف القس الأميركي أندرو برونسون بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة التي يرأسها المعارض فتح الله غولن.

لا يمكن اعتبار قضية القس السبب الوحيد للأزمة، فجملة من سياسات إردوغان قادت إلى تصعيد التوتر بين البلدين، منها التوجه التركي نحو روسيا، وإبرام اتفاقيات تسليح معها تشمل منظومة الدفاع الجوي S400، إلى جانب التداخل القوي مع إيران، ما يعرض طموحات إردوغان في تحقيق انتصار على خصومه الأكراد في "منبج" للضياع.

أمريكا تلاعب إردوغان 
تملك واشنطن عددًا من أوراق الضغط يمكن تفعيلها ضد نظام إردوغان مثل فرض عقوبات اقتصادية على بلاده، وتهديد أمنه القومي بورقة الأكراد، فيما تنظر تركيا إلى الدعم الأميركي للكرد بعين القلق، وترى أن احتلالها لمنبج والسيطرة عليها أمر مصيري حيث جهزت للمعركة باعتبارها الأكبر بعد احتلالها "عفرين"، لكن من المؤكد أن واشنطن لن تسمح لها بتحقيق النصر في تلك المعركة.

تربط مدينة منبج بين كل من حلب والرقة والموصل وعنتاب، وتقع في شمال شرق حلب، كما تربط الباب بالرقة، وتبعد 30 كيلومترًا عن النقطة الفاصلة بين سورية وتركيا، وتتمركز القوات الأميركية في المنطقة الغربية من منبج، لقطع خطوط الإمداد عن تنظيم داعش الإرهابي.

في قبضة الجيش السوري
أصبحت منبج حاليًا نقطة تضارب بين مصالح إقليمية عدة، ففي 24 أغسطس 2016، شنت تركيا عملية درع الفرات، وأعلنت الدخول في معركة للسيطرة على مدينة الباب القريبة منها، إلا أن مجلس إدارة المدينة - الكردي - قطع الطريق على أنقرة، وسارع إلى تسليم المدينة للجيش السوري. 

الخطوة جعلت النظام السوري وجهًا لوجه مع ما يسمى "الجيش الحر" في غرب الفرات، وتزامن ذلك مع نشر القوات الأميركية مدرعات بشكل غير مسبوق في شمال منبج، ما أدى إلى تطويقها وإفشال المخطط التركي. 

يصل تعداد سكان منبج إلى 70 ألف نسمة من الكرد والعرب والشركس والتركمان، بينما تبلغ نسبة الأكراد 25%، وتبعد منبج 65 كيلومترًا جنوب غربي كوباني، وسقطت في يد تنظيم داعش مطلع 2014.

ودخلت تركيا وأميركا في مباحثات لتحقيق الاستقرار والأمن في منبج بعد تجاوز جيش إردوغان والميليشيات الموالية عقبة عفرين باحتلالها، وتوصلت الدولتان إلى اتفاق على سحب الأسلحة من المقاتلين الأكراد بالمدينة وإجلائهم من غرب الفرات، خلال اجتماع وزيري خارجية البلدين فى مايو 2018.

يتكون اتفاق منبج من ثلاث مراحل، حسب وكالة الأناضول التركية: مغادرة عناصر وحدات حماية الشعب للمدينة خلال 30 يومًا، وأن تراقب تركيا والولايات المتحدة منبج لمدة 45 يومًا بشكل مشترك، مع إنشاء إدارة محلية خلال شهرين من بدء سريان الاتفاق.

النفط يؤجل تسيير الدوريات المشتركة
تحاول تركيا انتزاع السيطرة على المدينة رغم تمسك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بها، إلى جانب تمركز القوات الحكومية السورية مع الروسية والإيرانية على تخومها، لكن واشنطن تبدو أشد عزما من أنقرة، حيث شوهدت أربع شاحنات استكشاف أميركية ضخمة في منبج قبل عام، وتكرر الأمر بعد ذلك لإجراء عمليات مسح وقياس تمهيدا للبحث عن النفط.

وتسربت أنباء عن أن منبج تطفو على بحيرة نفطية من النوع الذي يجعل التمسك الأميركي بها خيارا نهائيا، إذ يصعب التخلي عنها في المستقبل القريب إلى جانب المناطق النفطية الأخرى، فضلًا عن كونها تعتبر بوابة المنطقة الشامية، وترى واشنطن أن الحفاظ على وجود الأكراد فيها المبرر القوي للبقاء.

وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) العقيد روب مانينغ، في الاجتماع الصحافي خلال الربع الأول من أغسطس 2018: تركيا حليف قريب، نحترم مخاوفهم الأمنية، وفي الوقت نفسه نعمل معهم لإتمام وتبسيط خريطة طريق منبج.

وردا على سؤال يتعلق بمدى تأثير العقوبات الأميركية المفروضة على تركيا، على خارطة الطريق الخاصة بمنبج، قال "مانينغ": نستمر في البحث عن تسوية يمكن تنفيذها بشأن مستقبل المدينة بما يحقق أمن المواطنين فيها، مشيرًا إلى زيارة القائد العام لقوات الناتو وقائد الجيش الأميركي في أوروبا الجنرال كيرتس سكاباروتي، إلى أنقرة، لإجراء المباحثات.

وحول استكمال تجهيزات تسيير دوريات عسكرية مشتركة داخل المدينة، قال: نحتاج إلى فترة زمنية، لن نعرض أمن المنطقة للخطر بتنظيم دوريات مشتركة دون وعي ونضج كامل.

تظهر المؤشرات أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن منبج، وأن الأكراد هم ورقة الضغط الأميركية على تركيا، يقول وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو: نحن نضغط بشكل كبير على تركيا، نختلف في قضايا كثيرة، مصير منبج والأكراد لا يزال يحتاج إلى ترتيبات.

Qatalah