يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


يجتمع الأكراد وتركيا في تاريخ معقد ومتشابك، يتراوح في الماضي العثماني بين التحالف والخصومة، والثورة والمذابح، والتحولات الأيديولوجية الكبرى والتغيرات الديموغرافية الحادة، بينما ينقلب في العصر الحديث إلى عداوة مستحكمة ونزاع حاد بين قومية كردية تصر على تعريف نفسها في هوية جغرافية وسياسية موحدة، وبين أنقرة التي سعت دوما إلى وأد طموحات الأولى بسياسات التتريك ومحو الهوية أولا، ثم بالحرب المفتوحة ثانيا والتي صبغت العلاقات منذ الربع الأخير من القرن العشرين ووصلت ذروتها اليوم في ظل انتصارات الأكراد خلال السنوات القليلة الماضية والتي تبشر بنشوء دولة كردية في مستقبل يمكن أن يكون قريبا.
 
بطولات الكرد
الأكراد مجموعة إثنية موطنها الأصلي أذربيجان الحالية، تحمل لغة وطنية خاصة تتصل رأسا باللغة الفارسية، وتمتلك تقاليد مميزة صنعت لها هويتها التي فرقتها عن كل الأمم التي جاورتها منذ القدم سواء من الفرس أو العرب أو الترك. 
ومنذ بواكير العصور الوسطى، زحفت القبائل الكردية بشكل جماعي نحو أراضي العالم الإسلامي واستقروا في الأغلب داخل البقاع الشمالية لإيران والعراق. وفي القرن الـ11 الميلادي عاشوا الكرد عصر بطولتهم في ظل اندماجهم داخل المشروع السلجوقي التركي الكبير، سواء أيديولوجيا باعتناق المذهب الشافعي السني، أو سياسيا بترقي بعضهم في التراتبية السلجوقية القديمة. وقد بلغت تلك البطولة الكردية ذروتها بوصول السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي إلى سدة الحكم في مصر والشام وخوضه ثم أحفاده من الأيوبيين سلسلة من الصراعات الحاسمة في منطقة الشرق الأدنى ضد الوجود الصليبي الغربي.
وفي ظل الفوضى العارمة التي ضربت الشرق أواخر العصور الوسطى نتيجة الغزو المغولي المدمر، جرت منذ القرن الـ13 تحركات قبلية واسعة من قبل مجموعات تركمانية وكردية نحو الأراضي الواسعة في آسيا الصغرى (الأناضول حاليا) ونشأ عن ذلك استقرار كردي في المناطق الجبلية من جنوب شرق الأناضول إضافة إلى البقاع الممتدة من شمال شرق إيران حتى شمال العراق وسورية مشكلين المصطلح الجغرافي الكبير "كردستان".
 
بين الشاه والسلطان
تزامن مع الهجرات التركية والكردية تلك نزاع بين الطرفين على مناطق السيادة والنفوذ في الأناضول، وحسمت قبيلة الآق قويونلو التركمانية "وتعني الخروف الأبيض" ذلك الصراع بغزوها كردستان وإخضاع القبائل الكردية فيه طوال القرن الـ15. ولم يتخلص الكرد من الوجود التركماني إلا مطلع القرن التالي وفي ظل التحولات السياسية الثقيلة التي فرضتها الدولة الصفوية على المنطقة تحت زعامة الشاه إسماعيل الأول. 
لقد مثل ظهور الشاه إسماعيل حدثا انقلابيا في تاريخ الشرق، حيث سعى بالعديد من الوسائل الأيدولوجية والعسكرية إلى تأسيس إمبراطورية فارسية تدين بالمذهب الشيعي الاثني عشري، ولتحقيق ذلك قاد حملات عسكرية بنفسه ضد أراضي الأناضول والعراق بين عامي 1508 و1514 مكنته من تمزيق سلطة الآق قويونلو  والاستيلاء على المدائن الكبرى في المنطقة: الموصل وبغداد وخربوط وديار بكر وجالديران.
 
 
أدت هزيمة الآق قويونلو إلى التقاء الدولتين الصفوية والعثمانية لأول مرة، وأخذ الصراع بينهما طابع الحتمية. وقد تولى السلطان العثماني سليم الأول ملف الصراع من الطرف التركي بعد أن تمكن من إنهاء النزاعات الداخلية على العرش في عام 1512 وبوحشية فائقة بعد أن قتل أخويه الأمراء أحمد وقورقود ونفى والده السلطان بايزيد الثاني ثم قتله بالسم.
وفي أجواء الحرب الثقيلة التي ملأت الأفق، بات على الأكراد الذين انتقلت تبعيتهم من تركيا إلى إيران أن يتوسطوا الصراع الصفوي العثماني، وأن يتحولوا إلى ممر بشري كان على الفرس أو الترك العبور عليه أولا قبل لقاء الآخر والاشتباك معه. وفي ظل اتباع الشاه الصفوي سياسة قاسية وخشنة تجاه القبائل الكردية بالقبض على رؤسائها وإجبار أفرادها على التخلي عن مذهبهم السني ثم التشيع، فإن اختيارهم وقع على السلطان سليم الذي استغل نفور الكرد من الصفويين جيدا وجعل منهم وقودا لحملته الكبرى التي قادها بنفسه إلى إيران.
 
مكافأة الأكراد
لقد عقد سليم الأول تحالفا عسكريا مع قادة القبائل الكردية واعتبرهم العون الرئيس له في الصراع ضد الشاه الصفوي، وكان الوسيط بين الطرفين في ذلك التحالف هو إدريس البدليسي، وهو مفكر عثماني من أصول كردية نجحت علاقاته بالقبائل الكردية في وضع ما يقرب من 30 ألف جندي تحت تصرف السلطان العثماني.
وفي جالديران، دارت رحى حرب ضروس بين سليم الأول والشاه إسماعيل في أغسطس 1514، وانتهت بانتصار كبير للعثمانيين بعد استبسال واضح من العناصر الكردية المحاربة في صفوف الأتراك. وقد أبدى الأكراد في أعقاب المعركة استعدادهم للعمل لصالح العثمانيين وبشكل منفرد، حيث تمكنوا في ديار بكر من الدفاع عن المدينة من الهجمات الصفوية بشجاعة، وصدوا الهجوم الارتدادي الذي شنه الشاه إسماعيل بمجرد علمه برحيل القوات العثمانية. 
كان من الطبيعي أن ينتظر الأكراد المكافأة العثمانية على مشاركتهم الإيجابية في دحر الخطر الصفوي وتوقيفه، وكما كان عاملا رئيسا في عقد التحالف بين الأكراد وسليم الأول، عاد إدريس البدليسي ليصبح مهندسا لوضع الأكراد في ظلال الدولة العثمانية التي غدت حاكمهم الجديد. 
ولقد كان من رأي البدليسي أن تقسم الأراضي في جنوب شرق الأناضول وشمال العراق بين قادة الأكراد وتحويلها إلى إقطاعات مملوكة لهم تعفى من الضرائب في مقابل أن تتولى القبائل الكردية مهمة الدفاع عن حدود الدولة العثمانية أمام أي خطر صفوي إيراني مستقبلي.
الفكرة التي راقت لـ سليم الأول سارع إلى تنفيذها بطرق غير أخلاقية قضت بنزع ملكيات الأراضي من أيدي أصحابها، وكانوا أخلاطا شتى من عرب وتركمان وإيزيديين وآشوريين وسريان، وتهجير العديد منهم قسرا من ديار بكر وديار ربيعة وجزيرة ابن عمر ثم منحها للكرد. وقد عاش أمراء الحرب الأكراد في تلك الإقطاعات الجديدة مثل الباشوات العثمانيين كسادة أثرياء سلطاتهم مطلقة، يعمل في زراعة أراضيهم الشاسعة أصحاب الأرض الأصليون مقابل أجور زهيدة وحياة بائسة.
 
 
القضية الكردية
بتلك الطريقة أعيد بناء المنطقة سياسيا وديموغرافيا بتدبير عثماني، وظهرت الهوية الجغرافية لـ كردستان في الأدبيات الإدارية العثمانية لأول مرة، وهي هوية اشتملت في تلك الحقبة على 3 مناطق كبرى توزعت بين ديار بكر وفان وشهرزور.
وقد بدا خلفاء سليم الأول مخلصين لسياساته من خلال ترسيخهم ذلك الوضع الإقطاعي في كردستان. ففي ثلاثينيات القرن الـ16 وفي أثناء حملته الكبرى على العراق تعاون سليمان القانوني من جديد مع القادة الأكراد ضد الجيوش الإيرانية، وأعانوه على غزو بغداد في العام 1534، فمنحهم هو في المقابل أراضي وملكيات جديدة.
كما أن السلطان مراد الثالث أصدر فرمانا في عام 1583 بمنح أميري بيج زعيم قبيلة موكري الكردية مساحات شاسعة من الأراضي تمتد من الموصل وشهرزور وأربيل حتى فرغانة إلى الشرق من نهر أورميا، في مقابل الحماية الدائمة للحدود العثمانية الشرقية، وهو الدور الذي أصبح حتى منتصف القرن الـ17 مرتبطا دوما باسم القبيلة الكردية.
 
 
وإذا كان ثمة نتيجة كبرى لتلك التحولات السياسية والديموغرافية الخطيرة، فستكون النشأة التاريخية ل "المسألة الكردية" والتي لا تزال رواسبها باقية وقوية إلى اليوم وتستدعي خلافات إقليمية ودولية واسعة. ومن الطريف أن الأتراك في وقتنا الحالي يمثلون المعارض والخصم الرئيس لتطلعات الأكراد إنشاء دولة واحدة تجمع شملهم المشتت بين العراق وسورية وتركيا على الرغم من ادراكهم الجيد لحقيقة أن أجدادهم من العثمانيين هم من خلقوا تلك الأزمة بإرادتهم، وأنهم هم من أوجدوا للعرق الكردي "حق تاريخي" في المنطقة بتجريف بشري وإعادة صياغة لملكيات الأرض مارسوها عن وعي وقصد، وبمنهجية.
 
المصادر:

Qatalah