يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


6 أكتوبر 2018 تركيا أكبر سجن"عالمي" للصحافيين في عهد إردوغان

منذ عقدين من الزمن، وقف رجل أمام تجمع كبير في مدينة إسطنبول التركية، وقرأ بضعة أبيات من الشعر، بعد ذلك، اعتُقل وأُرسل إلى السجن بتهمة التحريض على الكراهية الدينية، واليوم، يترأس هذا الشخص حكومة تقوم بسجن الشعراء والكتاب والصحافيين على نطاق واسع.

في الواقع، أصبحت تركيا أكبر سجّان للصحافيين في العالم في عهد الرئيس رجب طيب إردوغان، حيث تم اعتقال أكثر من 150 صحافيا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، ووُجهت إليهم اتهامات تتعلق بالإرهاب على خلفية مقالات كتبوها أو أشعار نشروها على مواقع التواصل الاجتماعي أو آراء عبّروا عنها، وصدرت أحكام بالسجن مدى الحياة بحق العديد من الصحافيين، مثل أحمد ألتان.

كما أُغلقت أكثر من 180 وسيلة إعلامية، وخسر ما يُقدر بـ2500 صحافي وغيرهم من العاملين في مجال الإعلام وظائفهم، وكما هو متوقع، احتلت تركيا المرتبة الـ157 من أصل 180 دولة في إطار "مؤشر حرية الصحافة العالمية" لهذا العام، وتقع بين رواندا وكازاخستان، ولعل الأكثر إثارة للدهشة هو أنه من بين جميع الصحافيين المعتقلين في العالم، يقبع ثلثهم في السجون التركية.

وُضعت صحيفة "جمهوريت" التركية المعارضة تحت إدارة جديدة الأسبوع الماضي، وهو ما وصفته مقررة الشؤون التركية في البرلمان الأوروبي كاتي بيري بأنه بمثابة "الضربة القاضية لما تبقى من حرية الصحافة في تركيا"، واستقال العديد من صحافييها أو تم فصلهم،وكتبت بيري: "بعد مداهمات وإجراءات قانونية واعتقالات وسجن صحافييها، أصبحت آخر صحيفة مستقلة في تركيا، "جمهوريت"، خاضعة الآن لسيطرة القوميين المتطرفين المتحالفين مع الرئيس إردوغان".

لا يتم استهداف الصحافيين الأتراك فقط، فقد تم اعتقال الصحافي النمساوي ماكس زيرنجاست يوم الثلاثاء الماضي في أنقرة للاشتباه في انضمامه لمنظمة إرهابية. وأمضى الصحافي الألماني من أصل تركي دينيز يوسيل، الذي يعمل لدى صحيفة "دي فيلت" الألمانية، أكثر من عام في أحد السجون في تركيا بعدما تم اتهامه بنشر الدعاية للإرهاب، كما حُكم على مراسلة صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية آيلا البيرق بالسجن لأكثر من عامين بتهمة الانخراط في الدعاية الإرهابية.

قالت الصحفية سو تورتون: "إن اتهام الصحافيين بمساعدة الإرهابيين لأنهم يعارضون النظام هي الخطوة الأولى لدولة استبدادية"، وتابعت:  الصحافيون في تركيا يعانون من الهجوم على مهنتهم مع حملة قمع مألوفة".

بالرغم من هذا الاعتداء المستمر، إلا أن الموقف الذي يواجهه الصحافيون في تركيا يحظى بقدر بسيطة من التغطية الصحافية، والتضامن الدولي مع زملائنا في تركيا كان بطيئًا، في مناخ تهيمن فيه الأخبار العاجلة على وسائل الإعلام، من السهل أن نرى لماذا الموقف الذي يتعرض له الصحافيون في تركيا، إلى جانب حملة قمع واسعة النطاق ضد منتقدي الحكومة، لا يحصل على القدر الكافي من التغطية الإعلامية.

اقترن فشل الإعلام الدولي في إعطاء الأولوية لحملات القمع في تركيا برغبة في إعطاء منصة إعلامية غير ناقدة للشخص الذي أمر بشنّ جميع تلك الحملات، وفي الذكرى السنوية الأولى لمحاولة الانقلاب، أُعطيت مساحة لإردوغان لكتابة مقالة رأي في صحيفة "الغارديان" البريطانية، والتي زعم فيها أن تركيا "كانت تدافع عن القيم الديموقراطية"، والشهر الماضي، منحته صحيفة نيويورك تايمز" الأميركية مساحة على الصفحات الافتتاحية ليكتب كيف"أن الشر يظل كامنًا في جميع أنحاء العالم"، وكتب أيضًا عمودًا الأسبوع الماضي في صحيفة "وول ستريت جورنال" حول سورية.

عندما يواجه الصحافيون أوقاتًا صعبة، فإنهم بحاجة إلى الوقوف معًا وإظهار تضامنهم مع زملائهم المعتقلين، ومن المهم بالنسبة لهم أن يدركوا أنهم لا يعملون في عزلة وأن يذكّروا العالم بأن الصحافة الحرة أمر حيوي من أجل بناء مجتمع صحي.

هناك مزحة شائعة في تركيا حول أحد المسجونين الذي يذهب إلى مكتبة السجن لاستعارة كتاب، لكن أمين المكتبة يعتذر له ويقول: "آسف ليس لدينا هذا الكتاب، لكن مؤلفه موجود".

في حين أن المزحة قد تبدو سوداوية، إلا أن حقيقة أن الناس في تركيا لا يزالون يلقون المزحات هي تذكير بأنه رغم أنه يمكن اعتقال الصحافيين، إلا أن الأفكار لا يمكن سجنها خلف القضبان.

في عشية محاكمته التي صدر خلالها حكم بالسجن،كتب الصحافي والروائي التركي البارز أحمد ألتان من داخل سجنه كيف أن خياله يمده بالحياة، فقال: "أنا كاتب، أنا لست حيث أكون أو حيث لا أكون، يمكنكم اعتقالي، لكن لا يمكنكم سجن أفكاري. لأنني أمتلك سحرًا مثل جميع الكتّاب، يمكنني العبور عبر الجدران بسهولة".

نقلا عن موقع "نيوزويك"

Qatalah