يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


10 مارس 2019 تركيا إردوغان .. السجن والسجان

يمثل الرئيس التركي إردوغان نموذجا معاصراَ فجاَ في الميكافيللية السياسية، فكل ما يؤمن به يدور حول سلطاته وتفوقه وفرض هيمنته على من حوله، واستغلال بعضهم إلى حد الإنهاك، ثم إلقائهم غير مأسوف عليهم إلى صندوق المخلفات دون رد اعتبار أو حد أدنى من الشكر. ولديه مقولته الشهيرة التي قالها قبل عشرين عاما، ورددها عدة مرات أثناء جولاته الانتخابية لدعم مرشحي حزبه العدالة التنمية في الانتخابات البلدية المقرر لها 31 مارس الجاري، وتقول عبارته التي تعبر عن شخصيته خير تعبير: "من نزلوا من القطار لن يصعدوا إليه مرة أخرى"، في إشارة إلى أن رفاقه في الحزب الذين فضلوا الصمت على تجاوزاته السياسية مثل عبد الله جول وأحمد دوادو أوغلو وبابا جان وغيرهم كثيرون، لن يسمح لهم بأن يخرجوا إلى الضوء مرة أخرى.

والمغزى من العبارة واضح، وهو أن إردوغان لا يعرف فضيلة رد الجميل، أو الاعتراف بأدوار الآخرين في صعوده السياسي، برغم ما فعلوه من مساندة وتبرير لأفعاله في السابق، وقاموا بالتنظير لسياساته التوسعية، والتي تحولت عمليا إلى حجر عثرة أمام طموحاته في الهيمنة على العالم السني، بعد أن فُضحت أغراضه وكثرت أوهامه.

ومن عباراته الأخرى ذات الدلالة قوله بعد انتخابه عمدة لإسطنبول قبل عشرين عاما:" إن الديمقراطية مثل عربة الترام، التي تنزل منها عندما تصل إلى وجهتك". وقد أشار موقع "فورين بوليسي إن فوكس"، التابع لمعهد الدراسات السياسية الأمريكي في تقرير نشره في 3 مارس الجاري إلى تلك العبارة باعتبارها أحد مفاتيح شخصية إردوغان، فالديمقراطية بالنسبة له ليست سوى وسيلة عابرة يصل من خلالها إلى السلطة وبعدها لكل حادث حديث، وهو ما يجسد قمة الميكيافللية السياسية، حيث لا مكان للقيم أو الأخلاق أو الاعتبارات الإنسانية، فحب السلطة والوصول إليها بأية طريقة كانت هي الأساس ولا أساس غيرها.

وفي التقرير ذاته ربط واضح بين هذه الشخصية الميكافيللية وبين واقع تركيا الحالي، حيث السجون مليئة بالمعارضين، ومحاصرة وسائل الإعلام، وإسكات أصوات المعارضين، وترهيبب القضاء، وإذلال الجيش وقتل أكثر من 150 ألف شخص، واختطاف مواطنين أتراك يعيشون في الخارج بزعم انتمائهم إلى حركة إرهابية محظورة، وتشريد 170 ألف موظف حكومي وعائلاتهم بعد طردهم من وظائفهم بحجة انتمائهم إلى حركة عبد الله جولن، ومنع كل الخدمات عنهم من تعليم وطب وسحب جوازات سفرهم، كل ذلك لمجرد أنهم متهمون بدون دليل على انتماء لحركة جلبت الدعم السياسي والمجتمعي لإردوغان شخصيا ولحزبه لمدة 15 عاما متتالية، إلى أن انقلب عليها وعلى مؤسسها، وهو من كان بمثابة الأب الروحي له، والقائد الذي يقبل يديه، والدموع تنهمر من عينيه.
 
السجن الكبير
كبت الحريات، وخنق المجال العام، ليس السمت الوحيد في حياة الأتراك راهنا، فالوضع الاقتصادي ملئ بدلالات الفشل، ومما ذكره التقرير المشار إليه في وصف الحالة الاقتصادية التركية، انخفاض الإنتاج الصناعي بنسبة 6 في المئة، ومبيعات التجزئة بنسبة 7 في المئة، وانخفاض النمو العام من 7,4 في المئة في عام 2017 إلى 2 في المئة المتوقعة في عام 2019. وارتفاع التضخم إلى 20.3 في المئة، وارتفاع البطالة إلى 11 في المئة، ووصول نسبة البطالة بين الشباب بين 15 إلى 24 عاما إلى 23 في المئة، وهم الذين يشكلون خُمس عدد السكان. وتشير تقارير اقتصادية إلى تراجع مبيعات السيارات التركية بنسبة 47 في المئة خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
الحالة البائسة التي وصلت إليها تركيا أصبحت محل تركيز العديد من المؤسسات الدولية والأممية، وأيضا من قبل الناتو، الذي تشغل فيه تركيا عضوية كاملة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أصدر الناتو تقريرا في 30 نوفمبر الماضي انتقد فيه الأوضاع العامة في تركيا، وقد رصد التقرير أن 50 ألف ﺷـﺨص احتجزوا (إضافة إلى من أفرج ﻋنهم بعد التحقيق معهم) في الفترة التالية لأحداث  يوليو 2016، وأن أكثر من 150 ألف موظف مدني وأكاديميين ﻓﻘدوا وﻇﺎﺋﻔﻬﻢ، فضلا عن إغلاق 1500 ﻣﻦ ﻣﺆسسات المجتمع المدني  و19 اتحادا عماليا وأﻛﺜﺮ ﻣﻦ 2000 مدرسة و150 مؤسسة ومنصة إعلامية، وأشار التقرير أيضا إلى محاكمة أعضاء البرلمان من حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد. بعد إقرار قانون في مايو 2016 تم بموجبه رفع الحصانة البرلمانية عن 138 نائبا، وتم اعتقال 12 نائبا من الحزب، بينهم الرئيسان المشاركان له صلاح الدين دميرطاش وفيجن يوكسداغ، بزعم اتهامهما بالإرهاب، كما سمحت حالة الطوارئ التي فرضتها الحكومة باستبدال رؤساء البلديات في 82 من أصل 103 بلديات فاز بها حزب الشعوب الديمقراطي بالانتخاب، وتمت إحالة أكثر من 40 ألف موظف إلى التقاعد.
أما موقع "مركز ستوكهولم للحريات" فقد ذكر أن السلطات التركية اعتقلت 585 شخصا خلال الفترة من 19 إلى 26 نوفمبر 2018. ومنذ أحداث 15 يوليو 2016، أقالت السلطات التركية نحو 140 ألف موظف حكومي من وظائفهم، وخضع 600 ألف شخص للتحقيق بتهم تتعلق بالإرهاب.
وفي تقرير أممي صدر في  جنيف من مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان 20 مارس العام الماضي، غطى أحداث العام 2017، ذكر أن"التمديد الروتينيّ لحالة الطوارئ في تركيا أدت إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بحقّ مئات الآلاف من الأشخاص – بسبب الحرمان التعسّفي من الحقّ في العمل وحريّة التنقّل، والتعذيب وغير ذلك من سوء المعاملة والاحتجاز التعسّفي والتعدّي على حريّة تكوين الجمعيّات وحرية التعبير، ومشيرا إلى أنّ حالة الطوارئ أسهمت في تدهور وضع حقوق الإنسان وتآكل حكم القانون في تركيا، وقد يكون لها تبعات طويلة الأمد على النسيج المؤسّسي والاجتماعيّ والاقتصاديّ فى تركيا".
ووثّق التقرير استخدام وسائل التعذيب والمعاملة السيّئة ضدّ الموقوفين، بما في ذلك الضرب المبرح، والتهديد بالإساءة الجنسيّة وممارستها، والصعق بالكهرباء والإغراق لحدّ الاختناق، من قبل الشرطة والدرك والشرطة العسكريّة وقوّات الأمن، مشيرا إلى أنه تم حجب أكثر من 100,000 موقع إلكترونيّ في العام 2017، بما في ذلك عدد لا يستهان به من المواقع الإلكترونيّة والفضائيّات المؤيّدة للأكراد، وفي التقرير تفاصيل أخرى حول الانتهاكات التي يتعرض لها الأكراد في جنوب تركيا.
أما مفوّض الأمم المتّحدة الساميّ لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين ، فقدر "الأعداد الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان بالهائلة: فحوالي 160 ألف شخص أوقفوا خلال حالة الطوارئ التي استمرّت 18 شهرًا، وصُرِف 152 ألف موظّف في الخدمة المدنيّة، معظمهم بطريقة تعسّفيّة، كما صُرِف قضاة ومحامون أو لوحقوا قضائيًّا، وأوقف إعلاميّون وأوقِفَت محطّات إعلاميّة وحُجبَت مواقع إلكترونيّة، ومن الواضح أنّ حالات الطوارئ المتتالية التي تمّ إعلانها في تركيا استُخدِمَت لتقويض حقوق الإنسان بحقّ عدد كبير من الأشخاص".
 
الفشل الكبير
كل هذه التراجعات تجسد حالة فشل كبرى، مقارنة بما كانت عليه تركيا في السنوات الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية قبل 15 عاما، وهو فشل عائد أيضا إلى مزيج من السياسات الخاطئة التي يفرضها إردوغان شخصيا على البنك المركزي التركي وعلى إدارات الدولة الاقتصادية، وأيضا إلى مساعيه التوسعية وتدخلاته في شؤون الدول الأخرى، على النحو الذي نشهده في سورية وليبيا وقطر والصومال والسودان وعدد من الدول الإفريقية ووسط آسيا. وهو نهج توسعي عسكري وسياسي بات أكبر مما تحمله القدرات الاقتصادية التركية، وروح المغامرة التي تسيطر على إردوغان و طموحه غير المعقول في أن يكون "القائد العام للعالم السني" أو إمبراطور المسلمين أيا كانت دولهم، وأيا كانت الجنسية التي ينتمون إليها. وكثيرا ما يتحدث إردوغان عما يعتبره "إرث الأجداد" في إشارة مباشرة إلى الدولة العثمانية، التي يعتقد أن مهمته الرئيسة هي استعادة هذا الإرث، وكأن الشعوب العربية والمسلمة التي تحررت من قبضة الإمبراطورية العثمانية لا شأن لها في تقرير مصيرها، وأنها مجرد شيء يجب استعادته ووضعه في الحظيرة التركية.
 
آفة الإخوان
في دراسة نشرتها مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية ذائعة الصيت يناير الماضي، كتبتها جونول تول، وهي باحثة تركية قديرة، فضحت الأساليب التي يستخدمها إردوغان وظاهرها الدين وجوهرها الهيمنة والتسلط على الغير، وحول دور الإخوان في تلك السياسة الإردوغانية، أكدت جونول أن أنقرة تحت قيادة إردوغان تستخدم الإسلام في محاولة للهيمنة من خلال تمويل المنظمات والمساجد في جميع أنحاء العالم، في خطوة تُقابل بردود فعل متباينة، وأن حزب العدالة والتنمية ذا الجذور الإخوانية، جعل من الدين أداة حاسمة في السياسة الخارجية التركية، إذ يعتبر نفسه وريثا للإمبراطورية العثمانية، وأن من حقه أن يكون الزعيم الطبيعي للمسلمين. وفي الدراسة تفاصيل كثيرة حول ما تقوم به "مؤسسة ديانات" و"وكالة التعاون والتنسيق التركية" الحكومية، التي يسيطر عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم في نشر التعليم  الديني على الطراز التركي في بلدان، مثل تشاد وإثيوبيا وغانا والنيجر ونيجيريا، والصومال. وفي استعادة المواقع التراثية العثمانية في البلقان، وكما حدث بالنسبة لجزيرة سواكن السودانية.
وحسب الكاتبة فهذه الخطوات مجرد أمثلة على سطوة الفكرة العثمانية على عقلية إردوغان، وتخصيص الكثير من الموارد المالية والمعنوية لتحويلها واقعا يحلم به كثيرا، ونظرا لمحورية مركز مصر في هذه الاستراتيجية العثمانية، وما كان يتم التعويل عليه إبان حكم جماعة الإخوان في مصر، من تحويل القاهرة إلى مركز للنفوذ التركي ذي النكهة العثمانية، ومعبر إلى باقي الدول العربية، الأمر الذي فشل فشلا ذريعا بعد ثورة المصريين على حكم الجماعة بعد عام واحد فقط، وتمكنهم من إطاحة الجماعة والتخلص من شرورها، ما يفسر النزعة الشريرة التي تغلب على المواقف والتحركات التركية تجاه مصر طوال الفترة الماضية، وتفسر أيضا حالة الحنق المشتعل لدى إردوغان من قيادة مصر ومؤسساتها الوطنية.
 
نموذج ضائع
كانت تركيا قبل عقدين تقدم إلى العالم العربي والإسلامي، باعتبارها نموذج الدولة المسلمة الديمقراطية التي تعرف تداول السلطة عبر انتخابات نزيهة، والآن يستحيل أن يتحدث أحد عن هذا النموذج الذي لم يعد له وجود. وفقط هؤلاء التابعون الفاقدون للكرامة الإنسانية والخائنون لأوطانهم وشعوبهم، هم من يدافعون عن عودة الاحتلال التركي لبلادهم، وهذه هي جماعة الإخوان المسلمين الفرع السوري تصدر بيانا 28 فبراير الماضي يتمنون فيه على إردوغان أن يمضي قدما في احتلال شمال سورية، لأنه هو الوحيد الذي سيوفر الأمن والسلام للسوريين حسب زعمهم البائس، معتبرين فيه أن المنطقة الآمنة لن تكون آمنة إلا باحتلال تركي مباشر لأراضي وطنهم.

لا يختلف موقف إخوان سورية عن إخوان مصر الذين ارتموا في حضيض السياسة التركية، وأصبحوا عملاء يسعون في خراب وطنهم، وهو ما لن يحققوه مهما طال الزمن، ومهما كان الدعم السياسي والإعلامي والمالي الذي يحصلون عليه من إردوغان وحكومته، وفي الحالتين تتضح معالم استراتيجية إردوغان في توظيف العملاء والمراهقين والخونة لخدمة أطماعه الشخصية وطموحاته في السيطرة على البلدان العربية، وإن لم يتحقق هذا الهدف، يتحول هؤلاء إلى "أرزقية" يقومون بالأدوار الدنيئة، وها هم إخوان ليبيا الذين يُفشٍلون كل محاولة للخروج من الأزمة الطاحنة التي تهدر مواردهم وتقضي على مستقبل بلدهم، وحق الليبيين في حياة آمنة وكريمة تحت سلطان القانون والمؤسسات الشرعية، وهم أنفسهم الذين يشكلون الميليشيات المسلحة التي تفسد في الأرض، وتنتظر عطايا الأسلحة والأموال من تركيا، وبعض الذي كُشف عنه وتم مصادرته من قبل الجيش الليبي من محاولات تهريب أسلحة وعربات مدرعة وذخائر، كانت موجهة لعناصر مجهولة، ما يدل على تحالف الشيطان الذي يجمع بين إردوغان وهذه الجماعة المارقة دينيا وإنسانيا ووطنيا.

نقلًا عن مجلة "الأهرام العربي"

اقرأ أيضاً

Qatalah