يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


21 أكتوبر 2018 تركيا التي يتحكّم بجميع مفاصلها شخصٌ واحد

التناقض الظاهري Oxymoron، أو التناقض اللفظي هو صورة بيانية تجمع لفظتين أو عبارتين متناقضتين ظاهرياً للوصول إلى تأثير بلاغي كأن أقول "صمتٌ بليغ".
وغالباً ما نلجأ إلى استخدام التناقض الظاهري في حديثنا أو كتاباتنا من أجل تقوية المعنى، أو لنقد قضية أو مفهوم ما في حياتنا أو السخرية منه. 
ونصادف هذا الأسلوب كثيراً في لغة الشعر، وفي الأدب بصفة عامة، فعلى سبيل المثال لا تكاد كل جملة نطق بها أبطال شكسبير تخلو من استخدام بعض العبارات التي تدخل في نطاق التناقض الظاهري مثل "نار كالثلج"، و"ظُلمة الشمس"، و"الشمس السوداء"، وهكذا.
وعلى مستوى السياسة، نجد أن كلمة "مستقل" التي استخدمها إردوغان في قوله "القضاء التركي المستقل" بعد إطلاق سراح القس الأميركي برانسون على عجل، بعد تهديد الولايات المتحدة بفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية على تركيا، هي أيضاً من أنواع التناقض الظاهري. 
يُذكر أن تركيا قد اعتقلت القس برانسون، وشهدت العلاقة مع الولايات المتحدة الكثير من الشد والجذب حول هذا الموضوع، خاصة بعد تصريح إردوغان "أعطونا ما لديكم، نعطيكم ما لدينا!" التي أكَّدت أن الموضوع برمته كان مسار مساومات سياسية بين الجانبين.
أثبتت وقائع محاكمة برانسون أن تركيا لم تعد دولة قانون من قريب أو من بعيد مهما قالوا أو ادعوا بهذا الخصوص.
طالب المدعي العام التركي بحبس القس برانسون 15 عاماً على خلفية اتهامات، غير مؤكدة، بارتكاب جرائم باسم منظمتي حزب العمال الكردستاني المحظور، وجماعة فتح الله غولن المحظورة أيضاً، بالإضافة إلى اضطلاعه بدور رئيس في التخطيط لتفجير أحداث غيزي والتجسس لصالح دول أجنبية.
وبالإضافة إلى الاتهامين السابقين، وجَّهت النيابة إليه أيضاً تهمة "التخابر مع دولة أجنبية، ونقل معلومات سياسية وعسكرية سرية"، بعد 23 عاماً عاشها في مدينة إزمير التركية، لا أعرف كيف استطاع خلالها التخفي بعيداً عن أعين جهاز الاستخبارات التركي، إلى أن اكتُشف أمره في هذا الوقت فقط!.. وبذلك وصل إجمالي مدة العقوبة التي طالبت النيابة بإنزالها على القس برانسون 35 عاماً. 
وتزامن مع هذه الأحداث ظهور شاهد لم يكشف عن هويته، يرتدي قناعاً على وجهه، أدلى بتصريحات إلى مراسل إحدى القنوات التليفزيونية المقربة من النظام عن صلة برانسون بعمليات تهريب سلاح وبمسلحين.
 ذكر هذا الشاهد كذلك أنهم كانوا سيعينون برانسون مديراً لجهاز الاستخبارات المركزية الأميركية لو نجحت أحداث 15 يوليو، ولكن ما لبث أن تراجع هذا الشاهد الغامض عن تصريحاته فجأة، فقد صرح يوم الجمعة الماضي قائلاً "يبدو أنني لم أفهم الموضوع على النحو الصحيح".
كان ما يحدث أشبه بأحداث قصة سانتوريو في رواية "الاثنين الأحمر" للروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز. 
لم يعد يشك أحدٌ، حتى البسطاء من الناس، أن إطلاق سراح برانسون كان رد فعل من الحكومة بعد رسالة التهديد التي بعث نائب الرئيس الأميركي مايك بٍنس إلى إردوغان "أود أن أوجه رسالة إلى الرئيس إردوغان، وإلى الحكومة التركية: أطلقوا سراح القس برانسون على الفور، وإلا فاستعدوا لتحمل العواقب... ستستمر الولايات المتحدة الأميركية في فرض عقوبات قاسية على تركيا حتى يتم إطلاق سراح القس برانسون".
وجاء القرار الذي انتظرته الجموع، وانتظره كل من لا يشك في " مصداقية القضاء التركي واستقلاله" مطابقاً لتصريحات سبقت صدوره بيومين: قررت المحكمة اعتقال القس برانسون لمدة ثلاث سنوات وشهر وخمسة عشر يوماً. غير أنها أمرت بإطلاق سراحه بعد الأخذ بعين الاعتبار الفترة التي قضاها في الحبس.
وتتشابه هذه الواقعة تماماً مع ما حدث مع المواطن الألماني دينيز يوجيل، حيث غادر تركيا هو الآخر على عجل على متن طائرة حكومية أُعِدَّت له  قبل تقديمه للمحاكمة بيومين فقط، وكان للمكتب البيضاوي دور كبير في إطلاق سراحه أيضاً. 
والحقيقة أننا نشعر بالخجل وعذاب الضمير، في الوقت نفسه، من هذا المسلك، فقد كشفت هذه التنازلات من جانب الحكومة التركية عن صحة ما تردد بقوة عن الوضع الهش للاقتصاد التركي، وحاجته الشديدة إلى المساعدات الخارجية العاجلة.
وكان الدرس الذي أخذناه من هذه الأحداث مجتمعة أنه لا سبيل لتركيا، إذا أرادت أن تصبح لاعباً قوياً على الساحة السياسية الدولية، إلا أن تتحول إلى دولة قانون بالمعنى الحقيقي للكلمة، وأن يكون لها مؤسسات ديموقراطية واقتصاد قوي راسخ.
والسبب في هذا أن هناك آلافا أخرى من مواطني الجمهورية التركية من الأكاديميين والكتَّاب والصحافيين والطلاب والمعارضين السياسيين، وعلى رأسهم عثمان كافالا، سواء الذين قُدِّمت ضدهم مذكرات اتهام، بناء على إفادات شهود مجهولين أيضاً، أو الذين لم يُقدَّم بحقهم شيءٌ، يخضعون الآن للمحاكمة أمام القضاء التركي "المستقل" أيضاً. 
يقول الديبلوماسي التركي السابق أيدين سيلجين "أقول لأي شخص، على شاكلة عثمان، لم يجد وسيلة للخروج من السجن ، ولم يستطع أن يحصل على تأشيرة للخروج هو الآخر، أقول إلى كل عثمان يفد إلى السجن كل أسبوع: نحن وأنتم شيءٌ واحدٌ. نحن من سنظل إلى جوار بعضنا البعض، القس يذهب، والوزير يأتي ويذهب، أما نحن فباقون. أنتم أيضاً لا تنسوا عثمان، إذا كان القس مواطناً أميركياً، فعثمان ابن من أبنائنا نحن".
والواقع أننا تعوَّدنا، منذ فترة طويلة، من هذه الحكومة على مداهمات المنازل واعتقال الآلاف، تعودَّنا على إقصاء نواب الشعب، ومنعهم من الصعود إلى المنصة، تعوَّدنا على اعتبار كل من يعارض أو ينتقد الحكومة، ولو بشكل بسيط، أو من ينقل خبراً عن الأزمة الاقتصادية مُجرماً من المجرمين الذين يجب تقديمهم إلى العدالة.
وهم يعوِّدونا، بل عوَّدونا بالفعل، على التأقلم مع أحكام القضاء، التي تزداد رعونة كلما زادت المركزية في الحكم...
أصبح ما كنا نتوجس منه خيفة بالأمس أمراً واقعاً اليوم...
فعلى سبيل المثال أصبح من غير المستغرب أن نسمع تصريحات من مسؤولين رفيعي المستوى في الدولة تحث على وضع العراقيل أمام إرادة الناخب الكردي في الانتخابات المحلية المقبلة، وأصبح من الطبيعي أن نسمعهم، وهم يهددون، حتى قبل أن تبدأ الانتخابات، بأنهم لن يعترفوا بنتائجها، وأنه سيجري تعيين حارس قضائي.
وكان من الضروري أن يدعم الشعب هذه المركزية في الحكم، ولن يتأتى ذلك إلا باتخاذ بعض التدابير التي تجعلهم يتقبلون مثل هذه الأمور.  
تحكمنا الآن عقلية سلطوية تعمل على ترسيخ سلطتها أمام أعداء الداخل، على حد وصفهم، الذين يتعرضون للتشويه، مع اقتراب انتخابات أصبحنا لا نثق في نزاهتها. وتضيف هذه القوة المتشددة إلى قوتها قوى أخرى كل يوم، تستمد منها الدعم، فهناك القضاء والإعلام وعالم المال والأعمال، وحتى بعض المعارضة.
لهذا السبب، لم تكن المشكلات والقضايا التي نناضل من أجلها اليوم وليدة الصدفة بقدر ما كانت نتاج دولة يتحكم في كل مفاصلها شخصٌ واحد. لقد تحوّلت هذه المشكلات التي يتعمد هذا النظام إرجاء إيجاد الحلول لها إلى ما يشبه القنبلة الموقوتة التي قد تنفجر في وجوهنا في أية لحظة. 
وفي السياق نفسه، تحول الكثير من المفاهيم، التي يستخدمونها في الحديث عن تركيا مثل "اقتصاد تركيا القوي"، و"تركيا دولة قانون ديموقراطية" إلى مرادف لمصطلح "التناقض الظاهري".

نقلا عن صحيفة "أحوال تركية"

Qatalah