يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


قضاء مسيس يبريء الإرهابيين، ويحكم بالسجن المؤبد على من كشف جرائمهم، وفضح صلتهم بتنظيم القاعدة، ليواصل إردوغان سياسته القمعية ضد كل من يحاول فضح علاقاته بالمتطرفين واستخدامهم في ملاحقة المعارضين. 

الصحافي والمذيع التركي هدايات كاراجا الذي شغل منصب رئيس جمعية "مذيعي التلفزيون" يقضي عقوبة السجن المؤبد منذ اعتقاله في ديسمبر 2014، قوات الأمن اقتحمت  الأستديو الذي يقدم فيه برنامجه عبر مجموعة "سامانيولو" الإعلامية التي يديرها منذ عام 1999. 

السلطات التركية حرمت كاراجا من الاطلاع على لائحة الاتهامات والأدلة المقدمة ضده في القضية، وفق  وثائق المحكمة الجنائية العليا الرابعة في أنقرة التي نظرت قضيته والتي أكدت أن الجلسات عُقدت بالرغم من ذلك.

المحكمة اعتبرت كاراجا الذي كان يدير مجموعة "سامانيولو" استغل برنامجًا تلفزيونيًا في "التشهير" بتنظيم "تحشية" الإرهابي التركي المرتبط بتنظيم بالقاعدة.

في الجلسة الثامنة التي أشرف عليها رئيس المحكمة سلفيت جيراي، إلى جانب عضوي المحكمة صالح آي وأوغوز ديك، وتولى الادعاء فيها إسماعيل شفق، تم كشف النقاب عن فضيحة حرمان المتهم من الأدلة المقدمة ضده.

لن تعرف تهمتك
خلال جلسة الاستماع التي عُقدت في 22 نوفمبر 2016، أعرب كاراجا عن استيائه لعدم تسليمه المستندات المطلوبة حتى يتمكن من تجهيز دفاعه. 
المتهم البالغ من العمر 55 عامًا شارك في جلسة الاستماع عبر نظام "سيجبس" للمؤتمرات عن بعد، من زنزانته في منطقة سيليفري بإسطنبول، فيما اكتفت المحكمة بذكر التهمة فقط دون تقديم لائحة مفصلة.

المذيع التركي قدم التماسًا إلى المحكمة في 1 أغسطس من العام نفسه، طلب فيه من القضاة إرسال نسخة مطبوعة ورقمية من لائحة الاتهام والأدلة، لكنه لم يتلق أي رد، مؤكدًا أن إدارة السجن رفضت السماح له بالحصول على نسخ مخزنة لديها تحتوي على تفاصيل الاتهام.

في نهاية الشهر ذاته قدم  التماسًا آخر إلى محكمة أنقرة التي التزمت الصمت، ولم يتلق أي رد على طلبه الثالث. 

المرة الرابعة جاءت في الحادي عشر من أكتوبر، قدم طلبا ذكر فيه أرقام المستندات لجميع التماساته السابقة، وأرسلت إلى محكمة أنقرة دفعة من الوثائق تتكون من نحو 35 صفحة إلى محبسه في إسطنبول في 7 نوفمبر لكن الوثائق لم تكن تشمل جميع مستندات القضية.

تلقى  قرص "دي في دي" رقميا يحتوي على المزيد من أوراق القضية، لكن كاراجا قال إنه لم يتح له الوصول إلى محتوياته في السجن بأريحية.

خلال جلسة الاستماع الثامنة، طلب من القاضي ضمان تلقيه نسخة مطبوعة من لائحة الاتهام وإرسال الأدلة المستندية على قرص رقمي. ونظرًا لأنه أُدين في قضية أخرى في إسطنبول، اضطره للمثول أمام المحكمة أربع مرات في الأسبوع، لم يكن لديه الوقت الكافي لمراجعة الوثائق التي أُرسلت إليه، وفق أقواله أمام المحكمة.

تسييس القضاء
نظام إردوغان يوجه الإجراءات القضائية ضد المعارضين في تركيا وفق دوافع سياسية، ما يجعلها مجرد محاكمات صورية، تفتقر إلى أدلة ذات مصداقية.

الحكومة التركية تستخدم  النظام القضائي الجنائي في قمع الأصوات المستقلة وإسكاتها وإرهاب المعارضين، خاصة في القضايا التي تخص الصحافيين المعتقلين والذين يتم سجنهم لمجرد أنهم عبروا عن آرائهم فقط.

محكمة أنقرة أصدرت في نهاية المطاف حكمًا بالسجن المؤبد، مدى الحياة بحق كاراجا في يونيو 2018، فيما نظمت السلطات أيضًا حملة قمعية ضد محاميه، ما جعله يقول بجلسة الاستماع في أغسطس 2016: "أنا أدافع عن نفسي في ظل ظروف صعبة للغاية. تخلى عني بعض المحامين، واعتُقل البعض الآخر. ولم أتمكن حتى من العثور على محام ليكتب الالتماس الذي طلبته".

في قضية أخرى أُدين كاراجا بتهمة "محاولة الإطاحة بالحكومة" والمشاركة في الانقلاب المزعوم منتصف يوليو 2016، بالرغم من أنه محبوس في سجن سيلفيري في إسطنبول منذ ديسمبر 2014، المتهم سأل  القضاة الذين يحاكمونه: "كيف كان يمكن أن أنظم انقلابا عسكريا من زنزانتي؟" فيما  عجزت هيئة المحكمة عن الرد.

"تحشية" الإرهابي
التهمة الأساسية التي حوكم بسببها كارجا كانت فضحه تنظيم "تحشية" الإرهابي التركي، إذ اتهمه المدعون العامون والمسؤولون الحكوميون بتشويه سمعة التنظيم الذي يعرف باسم  "ملا محمد".

"تحشية"، تابع لتنظيم القاعدة الإرهابي، أفصح قائده ملا محمد، واسمه الحقيقي محمد دوغان عن ذلك، مؤكدا أكثر من مرة ولاءه لزعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن، مطالبا المسلمين في كل العالم  بالاعتراف بزعامته.

أدلة الاتهام التي وجهت إليه استندت  على مشهد صغير في أحد المسلسلات الدرامية التي بثت على إحدى المحطات التلفزيونية الست التي يديرها عبر مجموعته الإعلامية  "سامانيولو"، والذي انتقد القاعدة وربطه بتنظيم "تحشية" الذي أكدت تقارير الاستخبارات التركية والشرطة  في أوقات سابقة صلته بـ"القاعدة".

تسجيلات صوتية جرى ضبطها من قبل السلطات التركية كشفت عن دعوة قائد "تحشية" للجهاد المسلح، وهو يقول في خطبة لمؤيديه: "آمركم بحمل أسلحتكم وقتل الرافضين"، طالبا من أتباعه صنع القنابل وقذائف الهاون في منازلهم، وقطع رؤوس الأمريكيين وأضاف:  "إذا لم يتم استخدام السيف، فهذا ليس من الإسلام".

براءة 

محمد دوغان ورفاقه في التنظيم اعتقلوا في عملية أمنية نفذتها شرطة مكافحة الإرهاب في إسطنبول في 22 يونيو 2010 بناء على أمر قضائي صدر في 26 يناير 2010. 

المتهمون تمت إدانتهم قبل أن يتدخل إردوغان الذي كان رئيسًا للوزراء آنذاك، ويطلق سراحهم، بتبرئة جميع أعضاء "تحشية" من قبل القضاء في 15 ديسمبر 2015، ما أكد صلة التنظيم القوية بإردوغان.


وسائل إعلام بينها صحيفة "زمان" ومجموعة "سامانيولو"  الإعلامية فضحت علاقة النظام بـ "تحشية" واستخدامه في التخلص من المعارضين وتشويه سمعة جماعتي "النور" و"الخدمة" بقيادة فتح الله جولن، المتهم الرئيس بالانقلاب المزعوم وأحد أبرز أعداء إردوغان، المقيم في ولاية بنسلفانيا الأمريكية.

الحملة الإعلامية التي بدأت عام 2009 أدت إلى مداهمة قوات الأمن لمقار تنظيم "تحشية" في 2010، وتوقيف عدد من عناصره بينهم، محمد دوغان. 
في المقابل ادعى إردوغان أن الحملة تشهر بنظامه، وكلف أجهزة الأمن بشن حملة مضادة على مقار المؤسسات الإعلامية، وألقى القبض على عدد كبير من الصحافيين الذين حرروا تقارير  عن الواقعة، وبينهم "كاراجا".

 المدعي العام في قضية "تحشية"  أوغوز كاغان كوكسال - عضو حالٍ في حزب العدالة والتنمية - ارتكب جملة من الممارسات من شأنها الإخلال بسير التحقيقات، حيث أعرب عن تضامنه مع الموقوفين وهو يصف التهم الموجهة إليهم  بـ"المزاعم" و"المؤامرة"، ما أدى إلى إغلاق القضية في 2015، وإخضاع مجموعة من الصحافيين للمحاكمة بتهمة الكذب والإخلال بالأمن العام.

إغلاق القضية تبعه مذكرة توضيحية تؤكد أنه لا وجود لتنظيم "تحشية"، وأن اعتقال محمد دوغان جاء بناء على تحريات وأخبار كاذبة، وسيتم محاكمة من تولى نشر البيانات والأخبار.

لم يتطرق التقرير إلى الوثائق التي تم إعدادها أو التسجيلات الصوتية لدوغان، فضلًا عن شهادة الشهود التي كانت حاسمة في كثير من جوانبها، وأكدت الأعمال الإرهابية للتنظيم.

رئيس حزب "العدالة الوطنية"، وزير الداخلية الأسبق، إدريس نعيم شاهين، وصف  ادعاء السلطات التركية بأنه لم يكن هناك تنظيم يدعى "تحشية" بـ"الكاذب"، وتابع: "الموقوفون من الصحافيين والإعلاميين على ذمة تحقيقات تتهمهم بنشر أخبار كاذبة يعانون الظلم".

Qatalah