يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


بعد مئة عام من تسليم الإمبراطورية العثمانلية الغابرة، ليبيا، إلى المستعمر الإيطالي عام 1911م، جلس على عرش أنقرة خليفة عثمانلي جديد أراد العودة إلى البلد العربي الذي لم يعد تلك الواحة الصحراوية التي تركها أجداده، عبر المزيد من المؤامرات الشيطانية التي ينفذها زبانيته من الإرهابيين.

فبعد قرن من خيانة العثمانيين ليبيا، تراود الخليفة المعاصر رجب إردوغان أحلام يقظة بالعودة إلى ما يعتبره إرثا عثمانيا، بغية الاستيلاء على ثروات البلاد من النفط، التي تحتل المرتبة الخامسة عالميًا من حيث احتياطات النفط، بحسب وكالة الطاقة الأمريكية، بمعدل 74 مليار برميل تكفي لتصدير النفط لمدة 112 عامًا أخرى.

إردوغان الطامع في نفط ليبيا، بعد فشله في العثور على مصادر للطاقة في سواحل بلاده، يمتطي الفوضى للاستيلاء على ثروات بلد عمر المختار، مستعينًا في ذلك بأذنابه وصنائعه من عناصر تنظيم الإخوان، متبعًا نفس السيناريو الذي اتبعه في تخريب سورية، من خلال توفير السلاح للمتطرفين والإرهابيين.

الأطماع التركية
استمرار الفوضى في ليبيا لا يخدم أية جهة في العالم سوى أنقرة، تحت حكم "حزب العدالة والتنمية" الذي يتبنى إيديولوجية عثمانلية استعمارية، تسعى لبسط نفوذ الأتراك على المنطقة التي ظلت في سبات عثمانلي لأكثر من أربعة قرون، كانت تئن خلالها من حكمهم الجائر المتخلف الذي تكلل بخيانة التسليم للمحتل الأجنبي الأوروبي.

واليوم تلعب أنقرة دورًا مشبوهًا في ليبيا منذ أفول الدولة بمقتل العقيد معمر القذافي في أكتوبر 2011، وتسعى في تحقيق ذلك باتباع سياسة الفوضى الخلاقة، التي تعتمدها من خلال تسليح أكثر العناصر تطرفا في البلاد، لإشاعة الفوضى حتى تستفيد من بقاء الوضع الراهن بالاستيلاء على نفط البلاد بثمن بخس، نظرا لعدم استعداد أذنابها من الإخوان للحصول على السلطة بصورة شرعية، بسبب افتقادهم القاعدة الشعبية في ليبيا.

الأكاديمي الليبي والمحلل السياسي، جبريل العبيدي، يقول: إن التدخل التركي في ليبيا تنوع بين التمويل والاحتضان والإيواء والحماية للجماعات الإرهابية، ومنها جماعة الإخوان خاصة، والسبب في ذلك يعزى لنزعة الهيمنة والنفوذ التركي التي تنطلق من العقدة الطورانية، ومحاولة استعادة الإمبراطورية العثمانلية الثانية، التي تقاطعت مع مشروع الخلافة الإخواني، ما جعلهما حليفين، يستخدم أحدهما الآخر.

الطورانية.. حركة قومية عنصرية لا تختلف عن أية عنصرية أخرى من حيث التفكير والمنطلق ظهرت أواخر القرن التاسع عشر بهدف توحيد العرِق التركي ذي اللغة والثقافة الواحدة، والتي أصبحت المدخل الآن لأطماع إردوغان في إعادة احتلال البلاد التي كانت تحت حكم أجداده العثمانيين.

الغزو الجديد
عاد الأتراك بعد أكثر من أربعة قرون تقريبًا إلى غزو ليبيا ولكن هذه المرة بصحبة الغزاة الأوروبيين، بعد نشوب الحرب الأهلية الليبية (15 فبراير 2011 - 23 أكتوبر 2011) بذريعة حسم الصراع لصالح ثورة الشعب الليبي، وقد كان الموقف التركي منذ بداية الأحداث يدعم أي تحرك عسكري في ليبيا ولكن في إطار حلف الناتو، دون الانفراد بالتدخل العسكري في البلاد، في ذلك الوقت أراد إردوغان ألا يغرد خارج السرب، تأمينًا لمصالحه في البلاد فيما بعد.

المؤرخ الدكتور محمد عبد الكريم يذكر في كتابه "ليبيا ما بعد القذافي .. إخوان ليبيا سيناريوهات محتملة"، أن رغبة تركيا في ذلك الحين كانت تتمثل في ألا تكون خارج العملية العسكرية وألا تكون جزءا من عملية صُنع القرار في الشأن الليبي. مشيرًا إلى قناعة تركية تامة بأن أي خروج عن مسار حلف الناتو يعني أنها لن تكون ذات نفوذ في ليبيا على الأرض، وأن القيادة ستترك لإيمانويل ساركوزي رئيس وزراء فرنسا حينها، (العدو الأوروبي التقليدي لتركيا وانضمامها للاتحاد الأوروبي، والمنافس الاقتصادي الأول لتركيا في شمال إفريقيا وليبيا تحديدا، والشريك الاستراتيجي القوي لمصر بعد ثورة 30 يونيو 2013).

لم تخف أنقرة دعمها للإسلاميين عقب سقوط نظام القذافي في أكتوبر 2011 حيث قدمت كل الدعم للحكومة الإسلامية الموالية لها، التي أعلنت قيامها في طرابلس، والتي انقلبت على الشرعية البرلمانية.

إشاعة الفوضى
بدأت أنقرة فعليًا تستفرد بالتدخل في الشأن الليبي خارج سرب الناتو، وهو ما واكبه إشاعة الفوضى في أرجاء البلاد، وتمزق الدولة الليبية بين عشرات الفصائل والميليشيات، التي بدأت أنقرة توفر لها السلاح بسخاء بعيد انتهاء عمليات الناتو العسكرية في البلاد، في تحدٍ سافر لقرار حظر تصدير السلاح إلى ليبيا الذي فرضه مجلس الأمن في فبراير 2011م. 

وبدأ الكشف عن خرق تركيا للحظر الدولي على تصدير الأسلحة إلى ليبيا، في يناير 2013، إذ نشرت صحيفة "حريات" التركية تقريرًا عن قيام السلطات اليونانية بتوقيف سفينة تركية دخلت سواحلها نتيجة الطقس السييء، وتبين أنها محمّلة بالأسلحة التركية وكانت في طريقها إلى ليبيا.

وفي نهاية نفس العام ضبطت السلطات المصرية سفينة تركية مماثلة كانت محملة بأربع حاويات حافلة بالذخائر عندما كانت في طريقها إلى ليبيا، ففي ديسمبر 2013 نشرت الصحف المصرية تقارير أفادت بأن الجمارك المصرية ضبطت أربع حاويات حافلة بالأسلحة التركية كانت متوجهة إلى العناصر الإرهابية الإجرامية في ليبيا. وفي أغسطس من العام التالي ضبطت قوات المشير خليفة حفتر سفينة كانت محملة بالأسلحة التركية كانت متوجهة إلى ميناء درنة شرقي ليبيا.

وفي نوفمبر 2015 نشرت الصحف التركية تقارير عن توقيف السلطات اليونانية سفينة كانت متوجهة من أوكرانيا إلى ليبيا محملة بعشرين ألف بندقية من طراز "AK-47" وذكر ربان السفينة التركي أن سفينته كانت في طريقها إلى ميناء هاتاي التركي، بيد أن سلطات ليبيا تبينت أن بيانات المرور البحري تشير إلى أن السفينة كانت في طريقها إلى ليبيا. وفي ديسمبر 2015 نشرت الصحافة اللبنانية خبرًا  عن ضبط سفينة كورية محملة بالأسلحة كانت في طريقها إلى ميناء مصراتة، وتبين أنها جاءت من تركيا. 

وفي سبتمبر 2015 احتجز خفر السواحل اليوناني السفينة ”حداد 1“ المسجلة في بوليفيا، داخل المياه الإقليمية لليونان، وهي في طريقها إلى ليبيا، وتبين خلال تفتيشها أنها كانت تحمل أسلحة تركية في حاويتين تضم 5000 قطعة سلاح ونصف مليون قطعة من الذخائر، وأظهرت التحقيقات أن الشحنة تعود لتاجر الأسلحة التركي، لطيف ارال آليس، المقرب من إردوغان.

التدخل التركي
في يناير 2015 أشار رئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح عيسى (75 عامًا) إلى دور أنقرة التخريبي في بلاده، وقال: إن "تركيا ستدعم الميليشيات الإرهابية في ليبيا" وذلك بعدما تبين لها فشل الورقة الإخوانية في اختراق ليبيا، نظرًا لهزيمة الإخوان المدوية في الانتخابات البرلمانية التي شهدتها البلاد في يونيو 2014، وهو ما أدى إلى تحالفهم مع بعض الميليشيات الإرهابية الأخرى، فيما سمي بتحالف "فجر ليبيا" الذي انقلب على برلمان طبرق، وسيطر على طرابلس في أغسطس 2014م.

وفي يناير 2015 اتهم مسؤول عسكري ليبي أنقرة والدوحة بتسليح عملية "فجر ليبيا" من خلال السودان التي كانت مركزا لوجستيا لنقل الأسلحة الإيرانية إلى العناصر الإرهابية في أنحاء الشرق الأوسط. وهو ما أدى إلى إعلان الحكومة الليبية شرقي البلاد حظر تحليق الطائرات التركية والسودانية فوق أجوائها في الشهر نفسه. 


تهريب المتطرفين
جاسم محمد، الخبير في شؤون الإرهاب والأمن الأوروبي، يذكر في كتابه "واقع الإرهاب في أوروبا الأسباب والمعالجات" أن أنقرة أوكلت إلى الإرهابي عبد الحكيم بلحاج، أمير تنظيم الجماعة الإسلامية الليبية، بالتنسيق مع بعض الشخصيات العسكرية التركية في السودان، مهمة تأمين انتقال الأسلحة التركية إلى العناصر الإرهابية في طرابلس، فضلًا عن تأمين دخول ألفي إرهابي تونسي إلى ليبيا، للانضمام إلى الميليشيات المسلحة التي تقاتل الجيش الوطني الليبي. 

كما أوكل إردوغان ملف ليبيا لأحد المقربين منه وهو أمر الله اشلر، الذي كان نائبه إبان توليه رئاسة الوزراء، كما يعد من أبرز منظري العثمانيين الجدد، حيث كلفه إردوغان بالقيام بمجموعة من الزيارات المكوكية إلى ليبيا للتنسيق مع فرع التنظيم الدولي للإخوان في ليبيا، والعمل على مبدأ "تلغيم الفصائل" الليبية المتناحرة في البلاد. 

توحيد الإرهابيين
حاول عناصر إخوان ليبيا تنفيذ خطة أنقرة لتوحيد الفصائل الإرهابية المسلحة، تحت راية واحدة فقاموا بمساعدة ميليشيا "أنصار الشريعة" بالعمل على دمج تنظيمات "التوحيد" "والتكفير والهجرة" و"الجهاد" و"أصحاب الرايات السود" و"أجناد مصر" و"كتائب الغرياني" و"مجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس" تحت راية تكتل واحد باسم "الجيش الإسلامي"، وهو التكتل الذي تهدف من ورائه أنقرة إلى تحويل ليبيا إلى حاضنة لجميع التنظيمات الإرهابية في المنطقة بهدف سهولة السيطرة عليها، وتوجيهها لزعزعة الاستقرار في البلدين المجاورين لليبيا، مصر وتونس.

وفي 2014 أجرى هاقان فيدان رئيس المخابرات التركية، زيارة سرية إلى مقر ميليشيا "غرفة عمليات ثوار ليبيا" ويذكر جاسم محمد أن فيدان التقى بزعيم الميليشيا الليبية، نوري أبو سهمين، الموالي للإخوان، بهدف تنسيق الجهود المشتركة ضد الجيش الوطني الليبي، والبرلمان الشرعي للبلاد.

وهو ما أكده تقرير أممي صدر في مارس 2019 ذكر أن تركيا على رأس 10 دول أجنبية، تخرق قرار مجلس الأمن بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا، وتعمل على تزويد الميليشيات المسلحة الليبية بآلاف الأطنان من الأسلحة والذخائر. كما أشار التقرير إلى التهديد الذي تمثله هذه الأسلحة ليس بالنسبة للأمن والاستقرار في ليبيا وحدها، بل وللدول المجاورة لها كذلك، نظرًا لإمكانية انتقال هذه الأسلحة إلى العناصر المتطرفة فيها، فضلًا عن تسلل هذه العناصر عبر الحدود الليبية إلى دول الجوار.

وسبق أن حذّر الخبير العسكري المصري، العميد خالد عكاشة، من دور أنقرة الخطير والمتعاظم في تسليح الإرهابيين في ليبيا، بهدف زعزعة الاستقرار في مصر، وقال في تصريحات إعلامية له في يونيو 2017، إن أنقرة تهدف إلى مد أذرعها الإرهابية في المنطقة من خلال إنشاء ثكنات عسكرية بديلة لعناصر تنظيم "داعش" الإرهابي في ليبيا وشبه جزيرة سيناء المصرية، تمهيدًا لبسط نفوذها على منطقة شمال إفريقيا بما يحقق مصالحها وأطماعها الاستعمارية، التي لا يحرص إردوغان على إخفائها.

Qatalah