يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


12 أكتوبر 2018 تركيا تبتعد عن مسار الاتحاد الأوروبي

اجتمع فريق "مجموعة العمل الخاصة بالإصلاحات" التي تم تأسيسها لأجل تنسيق مسيرة الاتحاد الأوروبي بعد فاصل ثلاث سنوات، وقد تناولت هذه المجموعة التي تتكون من وزير العدل عبد الحميد غول ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو ووزير المالية والخزانة بيرات البيرق ووزير الداخلية سليمان صويلو بعض من أمور الإصلاحات والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي. ولعدم وجود شجاعة كافية لدى الصحفيين لتوجيه الأسئلة فنحن لا نعلم السبب وراء عدم اجتماع هذه المجموعة منذ ثلاث سنوات. 

وعلى كل حال فلا يوجد ضرورة لذلك. والأحرى أنها تخلصت من أوباما وكانت تحلم بوجود علاقات مقربة مع ترامب والتفكير في إعادة أوروبا إلى مكانها الصحيح، كما خرجت منشطات الإعلام الموالي تظهر السيدة أنغيلا ميركل وعليها شارب هتلر وتدين ألمانيا في الحرب مع هولندا بتطبيق الطريقة النازية وتعلنها "عدوة لتركيا" في شهر سبتمبر السابق، أي أنه لم يمر عام واحد على ذلك، ولما سارت الأمور على غير ما خطط لها، تذكروا "اجتماعات المجموعة" والاتحاد الأوروبي التي تناسوها منذ ثلاث سنوات، وفي غالب الأمر إن فكرة الاجتماع أي مبادرة الاجتماع أتت من وزير المالية البيرق، هذه الخطوة من هذا النوع هي التي همست بكلمة "الإصلاح" في أذن وزير المالية البيرق الغارق في أزمة الليرة التركية القاتلة مع عواصم مثل باريس وبرلين ما أفسح المجال لمجيء فكرة اجتماع المجموعة إلى أذهانهم.

هل سمعتم في الآونة الأخيرة أن وزيري العدل والداخلية يقرنان كلمة " الإصلاح" مع مصطلحات مثل الحقوق الأساسية للإنسان والحرية ودولة القانون؟ كما أن كون مصطلحات مثل "فصل السلطات" و"دولة القانون" هي من أكثر المصطلحات التي يتم ذكرها في زوايا الإعلام الموالي ليس من قبيل الصدفة، لأنهم يدركون أن تركيا لم تعد دولة قانون، بل هي في وضع قد ألغى فصل السلطات، فلم يعد هنالك وجود رقابة على الهيئات عبر ديوان مراقبة المحاسبات والمحاكم أو مراقبة قضائية عبر القانون أو سياسية البرلمان التي هي الركيزة الأساسية للديمقراطية، بل يوجد هيئة واحدة وفقط ألا وهي رئاسة الجمهورية.

تجدر الإشارة إلى أن المحاكم في تركيا لم تكن محايدة في أي وقت، كما كانت " الدولة" تسير باستمرار وفق مؤشر الأمن وليس وفق مؤشر الحرية في مواضيع مثل الحقوق العامة وحرية الفكر وقضية الأكراد التي تشكلت بسبب تحركاتها، لكن المحاكم نادرًا ما كانت مستقلة.

والمحاكم في تركيا اليوم مثلما هي ليست محايدة فإنها مرتبطة بأكملها برئيس الجمهورية الذي يعد رئيس حزب سياسي. فلم تعد هناك سلامة للسلع والبضائع في تركيا ولا حتى سلامة على الأرواح. 

إن القضاة والمدعي العام لا يمتلكون سلطة إصدار قرارات غير مرغوب فيها، فهم ينفردون بالخوف من النفي أو الاعتقال، ولا شك أن حرية الفكر والصحافة تداس تحت الأقدام. المئات من الصحفيين إما معتقلون أو مكبلون أمام المحاكم، ما تهمتهم؟ الإفصاح عن آرائهم حول قضايا سياسية شديدة الحساسية بتركيا. وكم يظهر لكم مدى القناعة من تداول وزير العدل غول ووزير الداخلية صويلو لمصطلحات مثل "دولة القانون" أو "الحقوق العامة للإنسان" او "الحرية" في ضوء هذه الحقائق الوهمية؟ اعتقال صلاح الدين دميرطاش، عثمان كفالا، أحمد آلتان، نازلي اليجاق، أنيس بربر أوغلو وهانم بشرى أردال وأمثالهم من الناس الذين ذنبهم الوحيد هو الإفصاح عن أفكارهم،  ليظهر لنا مدى كوميدية "اجتماع مجموعة العمل الخاصة بالإصلاحات" وتصريحات الوزراء التي تحدثنا عنها. 

لو كانوا جادين قليلا، لكانت التناقضات بين الواقع وأقوالهم جعلتهم يدركون هذه الهاوية. وعلى كل حال فكيف لهذه الرسائل أن تجد انعكاسا في بروكسل؟ وإذا تساءلنا عن إمكانية عودة تركيا إلى مسيرة العضوية بالاتحاد الأوروبي والإصلاحات التي عشناها في السنوات التي تربع فيها حزب العدالة والتنمية على رأس الدولة؟ فإنني أعتقد أنه لا داعي للتفاؤل. 

يمكنكم التأكد من أن حتى الوزراء الذين حضروا الاجتماع لا يؤمنون بمسيرة العضوية، فعدم دعوة تركيا إلى قمة التوسعات الأخيرة التي شملت دول البلقان وانشغال الإعلام الموالي بمقابلات "قمة فارنا" الذين يتحدثون عنها هي رسائل مهمة مفادها إن قطار بروكسل قد غادر رصيفه. كما أن تصريحات ماكرون عن أن تركيا لم تعد تركيا كمال أتاتورك وأنها تحولت إلى دولة أجنبية على القيم الغربية هي تصريحات واضحة لا توجب تفسيرها أو التعليق عليها، وأن مصطلح "الشراكة الاستراتيجية" الذي يتم عرضه على أنه بديل للعضوية ما هو إلا عبارة عن كلام فارغ لا طائل منه، فما هو إلا بحث عن مراسم لدفن مسيرة العضوية التي ماتت لكن لم يُصلَّ عليها، فتركيا في الحقيقة هي شريك استراتيجي من جميع الجوانب وهي دولة ذات علاقات اقتصادية عميقة ضمن اتحاد الجمارك مع الاتحاد الأوروبي وعضو بالمجلس الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، لهذا السبب لا يجب المبالغة في مصطلح "الشراكة الاستراتيجية".
و"الشراكة الاستراتيجية" مصطلح ليس له مقابل على المستوى السياسي والمؤسسي، أما تحديث الفيزا أو الاتحاد الجمركي الذي تطرق له وزير الخارجية فقد أدى ظهور أردوغان بمسجد السلطان أيوب وانهدام حكومة داوود أوغلو إلى وضعه جانباً.
إن انهيار الاقتصاد التركي أصبح مثل رفع الفيزا وفتح باب الهجرة إلى أوروبا. أنتم تتساءلون ألا توجد أية أبعاد إيجابية لهذا الاجتماع..؟ نعم له أبعاد إيجابية، فقد يكون هذا الاجتماع تحضيرًا لزيارته إلى برلين، ولكن هذا يجعلني أتساءل ما هي المفاجأة التي تنتظرنا في برلين. 

نقلًا عن موقع "أحوال تركية".

Qatalah