يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


1 ديسمبر 2018 تركيا تتجاهل الديون غير المسددة وقطاع البناء المتعثر

تكشف أحدث الأرقام الصادرة عن مركز المخاطر التابع لرابطة البنوك التركية عن موقف خطير حيث يجف تدفق الأموال والمدفوعات في الأسواق ويجد المدينون صعوبة متزايدة في سداد المستحقات.
تشير البيانات إلى أنه خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر من العام الجاري تم تحرير 17 مليون شيك، وقد بلغت القيمة الإجمالية لهذه الشيكات 771 مليار ليرة (146 مليار دولار)، بزيادة 18 في المئة عن أرقام نفس الفترة في عام 2017. ولم يُسدد إجمالي 12 بالمئة من هذه الشيكات، مما أدى إلى اتخاذ إجراء قانوني. وتبلغ قيمة هذه الشيكات غير المسددة 21 مليار ليرة وهي تزيد بنسبة 50 في المئة عن قيمة الشيكات المرتجعة في الأشهر العشرة الأولى من عام 2017.

وثمة وضع مماثل في المدفوعات بالتقسيط والتي تمثل أحد المصادر الرئيسة للديون في الأسواق التركية. وأظهرت أرقام رابطة البنوك التركية عن الفترة من يناير إلى سبتمبر أن عدد الكمبيالات المعترض عليها في هذه الفترة انخفض بنسبة خمسة في المئة منذ العام الماضي إلى 668 ألفا. ومع ذلك، فإن قيمة هذه الكمبيالات تبلغ 12.8 مليار ليرة وهي أعلى بنسبة 39 في المئة عن أرقام العام السابق.

بعبارة أخرى، ارتفعت قيمة السلع المباعة التي لم يتمكن البائعون من استعادة ثمنها بنسبة 40 في المئة تقريباً، لتترك الشركات وأصحاب المصانع دون أي ملاذ سوى رفع الأمر إلى القضاء.
ومن أكثر النقاط إثارة للانتباه في هذه الإحصاءات أن أكبر عدد من الشيكات غير المدفوعة قد جاء من خمس مقاطعات ألا وهي عثمانية وماردين وبينغول وموش وأرتفين. وكل هذه المقاطعات بعيدة عن المناطق الاقتصادية في تركيا وتقع ثلاث منها في جنوب شرق البلاد. ومن خلال هذه الأرقام، ستقود المقاطعات الشرقية والجنوبية الشرقية في تركيا الانكماش الاقتصادي أكثر من باقي البلاد.

وفي حين تظهر هذه الأرقام مشاكل التدفق النقدي الخطيرة التي من المحتمل أن تواجهها الشركات حيث يصبح من الصعب استرداد المدفوعات، فإن الوضع ليس أقل حدة بالنسبة للأفراد. فقد ارتفع عدد الأشخاص غير القادرين على الدفع عبر الائتمان وبطاقات الائتمان الشخصية إلى 1.56 مليون خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر من العام الماضي، وارتفع عدد الأشخاص الذين يواجهون إجراءات قانونية بسبب الديون غير المدفوعة بنسبة 18 في المئة.

ومع الكشف عن أرقام اقتصادية كهذه، فإن إصرار الرئيس التركي رجب طيب إردوغان على أن الاقتصاد قد عاد إلى مساره وأن أسعار الفائدة آخذة في الانخفاض وأن الليرة تعزز وضعها، يوضح ببساطة حالة الانفصال عن الواقع التي تعيشها الحكومة فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية.
وقال إردوغان في مؤتمر للممثلين المحليين في 11 نوفمبر قبل أن ينتقل إلى توجيه اللوم للأتراك الذين اشتروا بضائع أجنبية بدلاً من السلع المنتجة محلياً نتيجة لما وصفه بالافتقار إلى الوطنية: "لدينا كل الأسباب التي تجعلنا نشعر بالتفاؤل بشأن مستقبل اقتصادنا".
واستمر الرئيس في التلويح بتهديد صارخ للتجار الذين قال إنهم يقومون بتخزين إمدادات المواد الغذائية الأساسية مثل البطاطا (البطاطس) والبصل وألقى باللوم عليهم في الزيادات الهائلة في أسعار الغذاء هذا العام. وقال إردوغان: "من الآن فصاعداً، سنقوم بمداهمة أي مستودعات حيث نسمع تقارير تفيد بحدوث تخزين".

وقد صعد إردوغان من معركته على التضخم، فأقحم الشرطة المحلية أولاً، ثم دعا حكام المقاطعات إلى الانخراط في النزاع، والآن يأمر بحملات مداهمة على مستودعات الفاكهة والخضراوات. هل سيتحول هذا إلى مداهمات على البنوك وغيرها من الأطراف المنخرطة في انفجار الديون غير المسددة؟ من الواضح أنه في الأيام القادمة لن تحل مشاكلنا الاقتصادية من خلال إجراءات على مستوى هيكلي أو مؤسسي، ولكن عن طريق استدعاء الشرطة.

وفي هذه الأثناء، انضم وزير الخزانة والمالية بيرات آلبيراق إلى إردوغان، والد زوجته، في الحديث عن الحالة الراهنة للاقتصاد التركي، إذ قال في منتدى نظمه أحد أكبر منتديات الأعمال في تركيا هذا الأسبوع إن البلاد تغلبت على أزمات العملة التي رفعت الليرة إلى ما يربو على 7 مقابل الدولار في الصيف.
وقال آلبيراق إن سرعة التعافي منذ ذلك الحين، والتي أدت إلى عودة الليرة إلى ما يقرب من 5.3 مقابل الدولار، أصابت الكثيرين بالصدمة في عالم الأعمال.
كما أبدى الوزير حماسه بشأن فائض الحساب الجاري لتركيا، والذي قال إنه يمكن أن يصل إلى مستوى قياسي جديد عند إصدار أحدث الأرقام. وأردف آلبيراق قائلاً: "تستمر تركيا في رفع ثقة المستثمرين".

ومع ذلك، فإن أحدث البيانات المتعلقة بتصاريح البناء التي نشرها معهد الإحصاء التركي، ترسم صورة أقل وردية بكثير جداً عن الصورة التي رسمها آلبيراق. فإن الأرقام تشير إلى أن قطاع الإنشاءات، الذي يعمل به ما يربو على مليوني شخص ويمثل إلى جانب صناعة السيارات أحد المحركين الرئيسيين للاقتصاد التركي، على وشك الانهيار.

وقد انخفض عدد تصاريح البناء الجديدة التي تمنحها المجالس في الفترة من يناير إلى سبتمبر من هذا العام بنسبة 41.4 في المئة منذ العام الماضي، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 55.1 في المئة في المساحة، وانخفاضاً بنسبة 44.7 في المئة في قيمة مشاريع البناء الجديدة، وانخفاضاً بنسبة 58.6 في المئة في عدد الشقق السكنية الجديدة.
وفي ضوء هذه الأرقام، في حين أن فائض الحساب الجاري قد يكون نهجاً منطقياً وواقعياً للاقتصاد، فإنه ليس الحد الأدنى الذي يمكن الاحتفال به.

وتشير الإحصاءات إلى أن قطاع البناء التركي قد انخفض حجمه إلى النصف وقد دخل في حالة ركود ومن غير المحتمل أن يخرج منها لفترة طويلة قادمة. وفي الوقت نفسه، تظهر أرقام رابطة البنوك التركية زيادة كبيرة في الديون غير المدفوعة.
ثمة نقطة أخرى مهمة تثار في الأرقام الأخيرة بشأن تصنيع السلع الصناعية، والتي تمثل ما يزيد على 80 في المئة من الصادرات التركية. يستورد المصنعون في هذا المجال حوالي 65 في المئة من المواد التي يستخدمونها، ولكن هذا الرقم انخفض لأول مرة منذ عام 2016 بنحو 2.7 في المئة. يشرح هذا الهبوط لماذا انخفضت الواردات، ولماذا انخفض العجز في التجارة الخارجية، وبالتالي لماذا انتقلت تركيا إلى فائض في الحساب الجاري.

وفي حين أن الليرة التركية الضعيفة تجعل المواد الخام والسلع الوسيطة والآلات أكثر تكلفة، تنخفض واردات هذه السلع وكذلك الطاقة الإنتاجية. والتطور المنطقي لهذا هو خفض العمالة وبداية عمليات تسريح جماعية.
وتظهر أرقام المبيعات الأخيرة مرة أخرى بوضوح أن تركيا دخلت بسرعة إلى وضع صعب. ففي شهر سبتمبر، على الرغم من انخفاض حجم المبيعات بنسبة 3.4 في المئة، ارتفع معدل دورة رأس المال بالفعل بنسبة 22.5 في المئة. بعبارة أخرى، على الرغم من انخفاض المبيعات والطلب المحلي، أدى صعود التضخم وارتفاع الأسعار إلى ارتفاع معدل دورة رأس المال، ومن المرجح أن يتفاقم هذا الوضع بحلول نهاية العام.

وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من تأكيدات آلبيراق على أن المستثمرين الدوليين على استعداد للعودة مرة أخرى إلى تركيا، فإن علامات تسييس السلطة القضائية، التي يخشى كثيرون من أنها لم تعد مستقلة أو موضوعية، ما زالت تخيف رأس المال الأجنبي.

ورفض إردوغان في الآونة الأخيرة لحكم المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الذي يطالب بالإفراج عن السياسي المعارض صلاح الدين دميرطاش يمثل أحدث علامة على ذلك.
وقد سبق ذلك اعتقالات لمواطنين ألمان وفرنسيين وأميركيين بتهم تتعلق بالإرهاب، بمن فيهم القس الأميركي أندرو برانسون، الذي أثار احتجازه لفترة طويلة خلافاً ديبلوماسياً مع الولايات المتحدة أدى إلى تسارع انخفاض الليرة في وقت سابق من هذا العام.

بذلت الحكومة التركية جهوداً لإعادة بناء الجسور من خلال الإفراج عن برانسون وغيره من المعتقلين. ومع ذلك، فإن رفض الالتزام بقرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن دميرطاش يمكن أن يؤدي إلى تكرار قصة برانسون، ولا بد أن يكون لرد مجلس أوروبا والبرلمان الأوروبي تداعيات اقتصادية.

كل هذا يتسبب في مشاكل لتركيا، كما حذر عدد لا يحصى من المحللين الاقتصاديين. إن قرار الحكومة تجنب التعامل مع المشكلات الاقتصادية الملحة والإصرار بدلاً من ذلك على مداهمة مستودعات الأغذية واتخاذ إجراءات شعوبية أخرى قبل الانتخابات المحلية التي تجرى في مارس القادم، قد يجعل التحذيرات المتكررة من الركود والركود التضخمي والانكماش الاقتصادي أقرب خطوة للتحول إلى حقيقة.

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah