يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


قبل 26 عاما، وبينما كان المسلمون في جميع أنحاء العالم يتحسرون على ذكرى مرور خمسة قرون على إنهاء الوجود العربي الإسلامي في الأندلس، بسبب تخاذل سلاطين الدولة العثمانية وخيانتهم لأهالي غرناطة، كانت تركيا تقيم احتفالا بالذكرى نفسها لكن لأسبابها الخاصة: نجاة اليهود السفارديم من المحرقة الإسبانية عام 1492 واستقبال إسطنبول لهم، بحضور الرئيس الإسرائيلي - في ذلك الوقت- حاييم هرتزوغ لمراسم الحفل بدعوة من رئيس الوزراء التركي تورغوت أوزال.

صدمة إسلامية 
تسببت احتفالات تركيا العام 1992 في صدمة للعديد من الدول الإسلامية في المنطقة التي كانت تستمع إلى خطابات أنقرة الحنجورية ودفاعها عن الإسلام، بينما فسر الباحث دان إربيل الأمر قائلا: إن الاحتفال التركي جاء في إطار سعي أوزال لكسب ود اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة واستخدام نفوذه لمنع اللوبي اليوناني والأرمني من تمرير مشروع قانون في الكونغرس يجرم المجازر الوحشية التي ارتكبها الأتراك في حقهم خلال الحرب العالمية الأولى، بينما تزامن الحدث مع وصول علاقات تركيا الديبلوماسية مع إسرائيل إلى أعلى مستوياتها بتبادل السفراء للمرة الأولى منذ قيام دولة إسرائيل في عام 1948. 

الدولة العثمانية.. قبلة اليهود 
لم يخل تاريخ الدولة العثمانية الذي يمتد على مدار 600 عام من التواجد اليهودي الصهيوني داخل بلاط قصور السلاطين، خاصة أن العلاقة بين الطرفين تقوم على سياسة تبادل المصالح. بدأت العلاقة مع اليهود الرومانيوت، الذين ينظر إليهم المؤرخون على أنهم من أقدم العناصر العرقية التي سكنت الأناضول.
رحب اليهود الرومانيوت بالاحتلال العثماني داخل المدن البيزنطية في آسيا الصغرى، رغبة منهم في القفز إلى السلطة عن طريق استغلال جهل الأتراك في علوم الإدارة والمعاملات التجارية، وهو ما حدث بالفعل عام 1326 عندما غزا الأمير العثماني أورخان مدينة بورصة ليتخذها عاصمة لدولته الناشئة.
وجد الأمير ترحيبا كبيرا من اليهود واعتمد عليهم في علوم الإدارة وسمح لهم بإنشاء معبد إتز حا-حيون "شجرة الحياة" والذي ظلت أبوابه مفتوحة لممارسة الشعائر اليهودية حتى أربعينيات القرن التاسع عشر.
عندما انتقلت العاصمة العثمانية إلى أدرنة في القرن الرابع عشر، باتت المدينة قبلة لهجرات جماعية من الرومانيوت إليها بعد أن وفر لهم العثمانيون ما يحتاجون إليه من دعم، وعندما سقطت القسطنطينية في يد محمد الثاني عام 1453 أقبل السلطان على الرومانيوت وألحقهم بالمناصب الكبيرة في بلاط القصر الذي امتلأ بالأطباء والصيارفة والوزراء اليهود، بينما شهدت سبعينيات القرن الخامس عشر موجة هجرات جديدة من بافاريا إلى الدولة العثمانية، الأمر الذي جعلهم يسطرون على عصب الاقتصاد التركي. 

إسطنبول جنة السفارديم
كان لهجرات يهود السفارديم من إسبانيا إلى إسطنبول بالغ الأثر على التاريخ العثماني وظلت تلقي بظلالها الثقيلة على البلاد حتى سقوط الدولة في الربع الأول من القرن العشرين. 
في عام 1492 قررت الملكية الكاثوليكية في إسبانيا طرد اليهود والمسلمين من أراضيها، وقبل أن تزداد حيرة السفارديم في الوجهة التي يختارونها كمنفى، كانت الأوامر قد صدرت من السلطان بايزيد الثاني باستقبال جميع اليهود المطرودين من شبه جزيرة أيبيريا، مشددا على ضرورة "عدم رفض دخولهم إليها أو التسبب في مصاعب لهم واستقبالهم بحفاوة"، وطبقا للصهيوني برنارد لويس فإن "اليهود لم يتم السماح لهم بسكن الأراضي العثمانية فقط بل تم تشجيعهم ومساعدتهم على الهجرة إليها".
تحمس بايزيد لليهود وانتقد ملك إسبانيا فرديناند الذي قام بطردهم واصفا قراره بأنه أضعف إسبانيا وأثرى دولته، في المقابل لم ينشغل السلطان بمصير المسلمين في إسبانيا الذين أجبروا على اعتناق المسيحية وخضعوا لمحاكم التفتيش وقتل منهم عشرات الآلاف دون أن تمد تركيا يد العون إليهم. 

الدونمة تطيح بالدولة العثمانية 
تركز السفارديم في مدن إسطنبول وإزمير وصفد وسالونيك، وفرضوا سطوتهم على المنافذ الاقتصادية للدولة ، وكونوا ثروات هائلة في مقابل لعب دور الوسيط التجاري بين الأتراك وأوروبا الغربية، بينما يصف الحبر في مدينة الجليل الفلسطينية جوزيف ألتراني قدوم السفارديم بأنه أحيا الدراسات التلمودية في الشرق بعد أن كادت تفنى عقب عصر موسى بن ميمون، ما تسبب في سبب انتعاش اللاهوتي والترويج لها عبر تقنية الطباعة عن طريق الأخوين ديفيد وصامويل ابني نحمياس. 
سمح العثمانيون لليهود والمسيحيين باستخدام المطبعة في حين حرمتها على المسلمين ما يقرب من 4 قرون، ما تسبب في تخلف العالم الإسلامي تزامنا مع انتشار الحديث حول إحياء دولة بني صهيون في فلسطين، وهي الفكرة التي أخذت تنضج في مطابخ قصور السلاطين حتى أتت أكلها في القرن العشرين. 
سيطر اليهود في الدولة العثمانية على مفاصل الديبلوماسية ونتيجة نجاحهم في مهامهم كافأهم السلاطين باتخاذهم ولاة على بعض البلاد التي يحتلونها، حيث تم إسناد حكم طبرية إلى جوزيف ناسي، بينما عين ألفارو مينديز دوقا على مدينة ميتيليني اليونانية، إضافة إلى ظهور النساء اليهوديات كقوة مؤثرة في البلاط العثماني مثل لا سنيورا دونا جارسيا منديز ناسي، وأستير كيرا. 
تثبيت أركان اليهود في الدولة العثمانية تسبب في ولادة طائفة الدونمة التي أسسها المسيحي المزيف، شبتاي تسفي، واعتنق أفرادها الإسلام في الظاهر وخضعوا لليهودية في الخفاء، وكونوا ثروات طائلة استطاعوا عن طريقها شراء ولاء ضباط الجيش في جمعية الاتحاد والترقي ليتمكنا سويا من الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الثاني، والسيطرة الكاملة على مفاصل الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى ليقودوا الدولة إلى الهلاك والانهيار التام في عام 1924.

Qatalah