يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


4 نوفمبر 2018 أكبر مشروع لطاقة الرياح في العالم يسقط ضحية الاقتصاد التركي

قبل أربعة أيام من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت في 24 يونيو، أعلن صهر الرئيس التركي بيرات آلبيراق، الذي كان وزيراً للطاقة آنذاك، أن البلاد ستبدأ بناء أول مزرعة رياح بحرية في شهر أكتوبر.
وقال آلبيراق: "بطاقة 1200 ميغاوات، ستكون هذه المزرعة الجديدة الأكبر في العالم، وسيتم بناؤها بأحدث التقنيات، ونهدف إلى أن يكون 60 في المئة على الأقل من مكوناتها محلياً".
ومع التركيز على الإنتاج المحلي لثمانية آلاف مكون مستخدم في المشروع، وكذلك الخبرة التي حصل عليها المهندسون المحليون الذين سيشكلون 80 في المئة على الأقل من القوة العاملة والتقدم في البحث والتطوير، ستخطو تركيا نحو مستقبل مشرق كمصدر إقليمي لمنتجات وخبرات الطاقة المتجددة، على حد قول آلبيراق.
في اليوم التالي لهذا البيان، أعلنت الجريدة الرسمية عن مناقصة تنافسية للمشروع. تضمن ذلك ضمان قيام الحكومة التركية بشراء 50 مليار كيلو وات ساعة من كهرباء مزرعة طاقة الرياح التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 1200 ميغاوات. وقالت الجريدة الرسمية إن المناقصة ستمنح للشركة التي عرضت أقل سعر في مزاد بعطاء ابتدائي قيمته ثمانية دولارات.
أكدت الشروط أن الشركة الرابحة يجب أن تقوم بتشغيل المزرعة وإنتاج الطاقة خلال 60 شهراً من توقيع العقد. وستمنح الشركة التي تتولى تنفيذ المشروع، والمعروفة اختصاراً باسم ييكا، ترخيصاً لمدة 30 عاماً لتشغيل مزرعة الرياح بدءاً من تاريخ القبول المؤقت، على أن تضمن الدولة شراء الطاقة المنتجة طوال هذه الفترة.
وهكذا، إذا سارت الأمور على ما يرام، فمن المرجح أن يفتتح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مزرعة الرياح المكتملة في 29 أكتوبر عام 2023 في ذكرى مرور 100 عام على تأسيس الجمهورية التركية.
لكن شروط المناقصة تنص أيضاً على أن الشركة الفائزة يجب أن تقدم ضمانات تصل إلى ما إجماليه 120 مليون دولار بحلول نهاية عملية تقديم العطاءات.
وثمة حد أدنى مطلوب لاستثمار ما بين 2 مليار و3 مليارات دولار للمشروع، الذي تم تحديد ثلاثة مواقع محتملة له في بحر إيجة وبحر مرمرة والبحر الأسود. وسيكون على الشركة الفائزة بالمناقصة جمع هذا المبلغ بالكامل من الأسواق المالية المحلية أو الدولية.
لم يتردد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا أبداً في كسب رأس المال السياسي من مشاريع البناء الضخمة. على سبيل المثال، انظر إلى المطار الثالث العملاق في إسطنبول، والذي افتتحه إردوغان في 29 أكتوبر في إطار الاحتفالات بالذكرى الخامسة والتسعين على تأسيس الجمهورية.
ومع ذلك ظل الحزب صامتاً بشأن مشروع بناء أكبر مزرعة لطاقة الرياح في العالم على الرغم من أن عملية تقديم العطاءات كان من المفترض أن تتقدم إلى مرحلة المزاد الأسبوع الماضي. ولم يقدم أي إشعار إلى الشركات المتقدمة لتحديد وقت ومكان المزاد، والذي يُشاع على نطاق واسع أنه قد تم تأجيله إلى العام المقبل.
وقد ورد أن الشركات كانت مترددة للغاية في تقديم عرض للمشروع بسبب الاحتياجات العالية للأجزاء المنتجة محلياً والموظفين المحليين، ولم تحصل الحكومة على مستوى الاستجابة الذي كانت تتطلع إليه.
وإلى جانب الحاجة إلى أن يكون 80 في المئة من المهندسين الذين يعملون في المشروع من الأتراك، فإن أحد الشروط ينص على تزويد هؤلاء الموظفين بالتدريب أثناء العمل.
وورد أيضا أن الشركات الدولية المهتمة بالمشروع تساورها الشكوك فيما إذا كانت ستتمكن من العثور على آلاف الموظفين ومئات المهندسين في تركيا من ذوي الخبرة المناسبة، وقيل إنها نقلت مخاوفها بشأن احتمالات تكرار حوادث العمل والتعويضات التي قد يحتاجها عدد كبير من الموظفين الذين يتلقون التدريب أثناء العمل.
وقد أدى ذلك إلى تقديم طلبات للحصول على المرونة فيما يتعلق باحتياجات الموظفين المحليين. وتخشى الشركات من أن الحاجة إلى توفير تدريب أثناء العمل لموظفين غير متمرسين من شأنه أن يجعل إنجازها مستحيلاً خلال 60 شهراً، وأن التأخير قد يؤدي إلى فقدان ضمان التأمين وخطر دفع التعويض.
غير أن المشكلة الرئيسية التي تواجهها الشركات تتمثل في تمويل المشروع. لقد كانت هذه بالفعل نقطة شائكة مع عدد من المشاريع الكبرى المرتبطة بإدارة حزب العدالة والتنمية، ومن الأمثلة الأخيرة على ذلك المطار الجديد في إسطنبول.
فعندما عجزت شركات الإنشاءات المرتبطة بالحكومة التركية التي تتولى تنفيذ هذا المشروع عن تأمين التمويل الدولي لذلك المشروع، تحولت إلى كونسورتيوم من ستة بنوك عامة وخاصة، والتي قدمت ائتماناً بلغت قيمته 4.5 مليار دولار.
وثمة مشروع آخر مكلف مولته البنوك التركية وهو بيع شركة الاتصالات التركية الحكومية تورك تليكوم لعائلة الحريري اللبنانية في عام 2005. وقدمت ثلاثة بنوك لعائلة الحريري قرضاً بقيمة 4.5 مليار دولار لإجراء عملية الشراء. لكن البنوك اضطرت هذا العام إلى أخذ أسهم في شركة الاتصالات عندما فشلت عائلة الحريري في سداد ديونها.
في أبريل من هذا العام، تابعت تركيا تقديم قرض كبير آخر إلى شركة لها علاقات وثيقة مع الحكومة التركية عندما اشترت مجموعة ديميرورين مجموعة دوغان، وهي أكبر مجموعة إعلامية في تركيا، بقرض قيمته 10 مليارات دولار من بنك زراعات التركي.
بالإضافة إلى سلسلة من القروض ذات الدوافع السياسية، والتي لن يتم سداد نسبة كبيرة منها على الأرجح، فإن علاقات تركيا المتوترة مع الولايات المتحدة وما تلاها من انخفاض في قيمة الليرة هذا العام قد أثرت بشكل خطير على البنوك التركية. ونتيجة لذلك، خفضت وكالة موديز التصنيف الائتماني لتسعة بنوك تركية في شهر سبتمبر، وتبعتها وكالة فيتش في أكتوبر بخفض التصنيف الائتماني لعشرين مصرفاً.
وفي مواجهة نقص رأس المال والحاجة إلى دعم الأسهم، اضطرت ثلاثة بنوك تركية، وهي بنك خلق وبنك الوقف وبنك تورك إكسيم، إلى سحب 11 مليار ليرة من صندوق إعانات البطالة، مما أثار غضب المعارضة التركية.
وبالتالي، فإن البنوك التركية الحكومية والخاصة لا تملك الموارد اللازمة لتمويل مشروع مزرعة الرياح بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وبما أن تصنيف مخاطر المقايضة الائتمانية في تركيا قد انخفض إلى حد كبير في الأسواق الدولية، فإن تكلفة الاقتراض بالنسبة للخزانة والبنوك قد زادت إلى الضعف وحتى إلى ثلاثة أضعاف.
وقد انعكس هذا الأمر في الآونة الأخيرة في قرار وزارة الخزانة هذا الشهر بتخفيض فترات استحقاق السندات من 10 إلى 5 سنوات وزيادة أسعار الفائدة إلى 7.5 في المئة، أي بزيادة تقارب 50 في المئة منذ إصدار الجولات السابقة من السندات في وقت سابق من العام.
لذلك تنظر الشركات في الصعوبات الجمة التي تواجهها في تأمين التمويل الأجنبي، والذي تواجه على رأسه مستويات مخيفة من مخاطر أسعار الفائدة.
وأسفرت عروض المناقصة لمشروع مزرعة رياح برية في تركيا في العام الماضي عن سعر مقداره 3.49 دولار لكل ميغاوات في الساعة، وقد تم الإعلان عن ذلك كرقم قياسي عالمي في ذلك الوقت.
من المحتمل أن يكون هذا السعر أعلى بالنسبة للمشروع البحري، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف البناء في البحر وارتفاع تصنيف مخاطر الائتمان في تركيا وارتفاع تكاليف البناء والتمويل في البلاد. ومع ذلك، يبدو أن الشركات مترددة في القيام بمثل هذه المخاطرة حتى مع وعدها بسعر أعلى.
العديد من الشركات السابقة التي فازت بمناقصات خصخصة الطاقة ومولت مشاريعها بالعملات الأجنبية على الرغم من كسبها بالليرة التركية، تضررت بشدة هذا العام بسبب انخفاض قيمة العملة بنحو 40 في المئة. وعلى الرغم من أن هذه الخسارة في القيمة والتضخم الذي بلغت نسبته 24.5 في المئة، مما دفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع بنسبة 45 في المئة منذ شهر يناير، وقد اضطرت شركة سي.دبليو إنيرجي، وهي واحدة من أكبر 500 شركة في تركيا، إلى تقديم طلب للحصول على حماية من الإفلاس في وقت سابق من هذا الشهر.
آلبيراق، المسؤول الآن عن وزارة الخزانة والمالية، أجبره الوضع الاقتصادي المتردي على الإعلان عن تخفيضات كبيرة في الاستثمار في "البرنامج الاقتصادي الجديد" الذي كشف عنه في سبتمبر ومن ثم في ميزانية 2019، والتي تتوقع حدوث انكماش في الاقتصاد بقيمة تربو على 70 مليار ليرة.
أكبر مزرعة رياح بحرية في العالم، والتي أعلن عنها مع الكثير من الجعجعة في وقت مناسب لانتخابات 24 يونيو، قد سقطت بكل الأشكال ضحية لمخاطر متزايدة ونقص الأموال وارتفاع أسعار الفائدة وفقدان ثقة المستثمرين والليرة الضعيفة التي ابتلي بها اقتصاد تركيا هذا العام.
نقلا عن "أحوال".

 

Qatalah