يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


كادت الحرب في غرب ليبيا أن تضع أوزارها، معلنة انتصار قوات الجيش الليبي الوطني على ميليشيات حكومة الوفاق الإخوانية، وفرقة الجيش التركي التي تدير وتدرب الميليشيات المسلحة، وبالتزامن مع ذلك، تنفضح المؤامرة الإخوانية التركية لقتل الليبيين بأموال النفط الليبي.

في أبريل الماضي، أعلن الجيش الليبي عن عملية "طوفان الكرامة" العسكرية لاستعادة غرب ليبيا والعاصمة طرابلس من أيدي الإرهابيين، ومنذ إطلاق العملية تمكنت دفاعات الجيش الليبي من إسقاط 10 طائرات تركية مسيرة، كانت تستخدم لتوفير غطاء جوي لتقدم قوات الوفاق، كما نجحت في تدمير الغرفة الرئيسة المسؤولة عن التحكم بتلك الطائرات في مطار معيتيقة الدولي.
قوات الجيش الوطني حققت تقدماً كبيراً خلال الفترة الماضية، حيث حررت العديد من مدن الغرب الليبي، من أيدي الإرهابيين الذين يعملون وفق توجيهات تركيا وتحت قيادة فريقها العسكري، المكون من 21 ضابطاً يقودون العمليات، مستخدمين أسلحة تركية الصنع وعربات وطائرات مسيرة ترسل علناً من أنقرة.
الجيش الليبي كبد تركيا خسائر عدة، حيث فقدت أحد أهم مواقعها ‎وهو المرصد الأول والأقرب لها تقريباً داخل جبهة طرابلس بالإضافة لإحدى غرف عملياتها المهمة، كما تم تدمير سلاح الجو للطائرة ‎اليونش 76 المحملة بالذخائر المهمة، بالإضافة للأسلحة النوعية وتدميرها بمن فيها، في قلب مدينة مصراتة بالكلية الجوية.


42 مليون يورو
صحيفة "المرصد الليبية" نقلت عن رئيس قسم السيولة النقدية بمصرف ليبيا المركزي فرع البيضاء، رمزي آغا، شرحه لآليات صرف وتحويل الأموال، لشراء الأسلحة التركية لصالح ميليشيات حكومة الوفاق.
آغا قال، أمس الثلاثاء، إن جزءاً من العمليات التي تمت لصالح الحكومة التركية وبغرض شراء أسلحة من ضمنها طائرات مسيرة دون طيار درون ومدرعات تمت عبر اعتمادين فتحهما مصرف ليبيا المركزي فرع طرابلس.
الاعتماد الأول، بحسب أغا، صدر من حساب وزارة الداخلية، بقيمة 22 مليون يورو بالسعر الرسمي لصالح محل لبيع مجوهرات يملكه ليبي في إسطنبول، والاعتماد تم فتحه من خلال بنك يوباي روما بإيطاليا، بغرض استيراد طائرات دون طيار.
الاعتماد الثاني صدر من حساب وزارة الصحة بقيمة 20 مليون يورو بالسعر الرسمي لصالح شركة سياحية في إسطنبول يملكها ليبي من خلال بنك يوباي روما، بهدف استيراد أسلحة وذخائر ومضادات للطائرات المسيرة.
رئيس قسم السيولة النقدية لفت إلى أن مصرف ليبيا الخارجي يملك 67% ‎من أسهم بنك يوباي روما، مشيراً إلى أن إدارة المصرف أقالت مسؤولين من البنك لاعتراضهم على فتح هذه الاعتمادات المشبوهة باعتبارها تحايلًا على قرارات مجلس الأمن بخصوص حظر التسلح.
حكومة الوفاق الإخوانية قامت بالعديد من العمليات، في الفترة الأخيرة، لصالح الحكومة التركية لشراء أسلحة من ضمنها طائرات مسيرة دون طيار درون ومدرعات.

سيطرة إخوانية لصالح أنقرة
الباحث الليبي الدكتور محمد الأسمر، مدير عام مركز الأمة الليبي للدراسات الاستراتيجية، قال إنه في عام 2018، انتهت ولاية محافظ البنك المركزي في طرابلس، الصدّيق الكبير، وهو عضو بارز في حزب العدالة والبناء ذراع الإخوان المسلمين في ليبيا، وقام البرلمان بدوره القانوني في اختيار بديل له، بطريقة الاقتراع المباشر بين مجلس أمناء المصرف، إلا أن قرار البرلمان لا يزال حبرًا على ورق.

في تصريحات لـ"عثمانلي"، قال الأسمر إن فشل البرلمان في تنفيذ قراره بتعيين محافظ جديد للبنك المركزي، بديلا للمنتهية ولايته، يعود إلى تحكم الإخوان في مفاصل الدولة وتمركزهم في مؤسسات كثيرة، خاصة المالية وعلى رأسها المصرف الليبي المركزي، والمصرف الخارجي وصندوق الإنماء الاقتصادي والاجتماعي ومحفظة ليبيا للاستثمار والشركة العربية الليبية للاستثمارات الخارجية والنفطية والعديد من المؤسسات الاقتصادية، والتي كانت أرصدتها المالية في سبتمبر 2010، تقدر بنحو 460 مليار دولار.
الأسمر أشار إلى أن البنك المركزي تواطأ مع حكومة الوفاق في تمويل الميليشيات الموجودة في المنطقة الغربية وتحديدا في طرابلس، بصرف العديد من المنح والمبالغ الطائلة للميليشيات بدون وجه حق، خارج إجراءات الرقابة المخول بها ديوان المحاسبة، المسؤول عن مراجعة حسابات المصرف المركزي، وكل نفقاته.
في 4 أبريل الماضي، وفور إطلاق الجيش الليبي عملية "طوفان الكرامة"، خصصت حكومة الوفاق 2.4 مليار دينار ليبي، بذريعة تأمين العاصمة، كما تورط المصرف المركزي في دفع مبالغ للحكومة التركية التي يهيمن عليها حزب العدالة والتنمية التركي، وإيداع أكثر من 120 مليون دولار في البنك المركزي التركي بعد الانهيار الكبير الذي لحق بالليرة التركي نهاية العام الماضي".
مدير عام مركز الأمة الليبي لفت إلى عقد رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فائز السراج، صفقات مع الحكومة التركية لتوريد ذخائر وأسلحة وطائرات بلا طيار إلى غرب ليبيا، كان آخرها الطائرة التي دمرتها القوات الجوية الليبية في مصراتة، وكانت محملة بالعديد من الأسلحة.

الأسمر أوضح أن كل الأموال التي ينفقها الإخوان المسلمون في غرب ليبيا عن طريق ذراعهم في المصرف المركزي الصديق الكبير، تتم خارج الميزانية العامة، وجعلت حياة المواطن الليبي في عسر شديد، مضيفاً: "المواطنون لا يستطيعون استلام رواتبهم من البنوك لعدم توفر سيولة.
المصرف الليبي المركزي، بحسب الأسمر، وبسبب سيطرة الإخوان عليه، تورط في جرائم كبيرة، كما أن وجود الصديق الكبير محافظًا له يعتبر غير شرعي، بعد انتهاء ولايته، وإقرار البرلمان تعيين الدكتور محمد العماري بدلا منه.

معاملات مشبوهة

في يوليو الماضي تحدث مصرفيون ليبيون عن "صفقات مشبوهة" في المصرف المركزي بطرابلس، الذي تسيطر عليه حكومة الوفاق، ونقلت وسائل إعلام ليبية عن مصادر أن المجلس الرئاسي الليبي يتاجر بالعملة، وفي نهاية 2018، أخرج البنك 5 مليارات دينار، تحت بند "دعم التنمية"، بينما هي تذهب في حقيقة الأمر إلى الميليشيات المسلحة.

المصرفيون قالوا إنه في منتصف 2019، أنفق المصرف المركزي 11 مليار دينار تحت بنود وهمية، ويستعد حاليا لضخ 24 مليارا لتمويل الميليشيات المرتبطة بحكومة الإخوان، بصفقات السلاح والطائرات التركية.

المصادر تحدثت عن انتفاع رجال الوفاق بأموال البنك المركزي عبر التربح من الصفقات التي تجرى بالمخالفة للقوانين، موضحين أن القوانين لا تتيح لأحد فتح اعتماد بنكي إلا عبر المصرف المركزي، والذي تسيطر عليه حكومة الوفاق، ولهذا يضطر كل من يريد فتح اعتماد جديد للذهاب إليهم، فيفرضون عليه نسبة من المال، بشكل غير شرعي، ولهذا أصبح هناك فرق كبير في سعر العملة بين السوق الرسمي والسوداء، خصوصا أن مقاتلي الميليشيات صاروا يودعون أموالهم في حسابات بنكية رسمية، تتضخم، وتصل للملايين، دون أن يسألهم أحد عن مصدرها.

البنك المركزي، كما يؤكد المصرفيون، أصبح حقلا كاملا للميليشيات، ومصدرا لدعمها بتكاليف السلاح وتغطية نفقات العلاج بالخارج، فالمقاتل يحصل في اليوم على ألفي دينار، وهذا ما يجعل المصرف المركزي عاجزا عن توفير السيولة للبنوك الأخرى، فالخزائن فارغة، والمال يذهب للميليشيات.


أموال مجمدة
وفي يوليو الماضي، اعترف القيادي العسكري في الوفاق، أسامة الجويلي، المكلف بأمر المنطقة العسكرية الغربية في حكومة الوفاق، في تصريحات نقلتها عنه صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، السبت الماضي، بأن حكومة الوفاق لم تجند الإرهابي صلاح بادي، قائد ميليشيات "لواء الصمود"، في معركة طرابلس، في إشارة منه إلى أن بادي انخرط معهم في المعركة ضد الجيش الوطني، دون تلقي الأوامر من الجهاز العسكري التابع لهم.

الجويلي، أكد أنهم بحاجة إلى صلاح بادي (المطلوب من قبل مجلس الأمن والمدرج على قائمة العقوبات الأمريكية) والمجموعة المسلحة التي يقودها (لواء الصمود) ومجموعات أخرى، "كونهم يقاتلون معهم في طرابلس من أجل ذات القضية"، حسب قوله.

اعتراف الجويلي بمشاركة مجموعات متطرفة في القتال إلى جانبهم، يأتي رغم نفي رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج المتكرر، منذ بداية الاشتباكات في طرابلس، وجود أية علاقة لهم بالإرهابيين.

 

نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا فيديو، لاستغاثة صلاح بادي، المطلوب القبض عليه دولياً، يطلب خلال الفيديو الدعم من تركيا بعد التقدم الكبير للجيش الوطني الليبي في معركة تحرير طرابلس.

بادي، قال في الفيديو: نحن قادرون على دفع العدوان إذا تحصلنا على أسلحة، فلدينا أموال في الخارج مُجمدة، ولدينا عقول قادرة على استخدام هذه الأسلحة، معترفا بمعالجة المصابين منهم في تركيا، قائلاً: "هذا لا يحدث دون مقابل".


مآرب اقتصادية
وفي محاولة للإجابة عن سؤال: لماذا تدعم تركيا حكومة الوفاق؟، كشفت وكالة "بلومبرج" الأمريكية أن أنقرة تحاول - إلى جانب حماية حلفائها الإخوان - إنقاذ مليارات الدولارات من العقود التجارية، التي وقعت في عهد القذافي وتأمين المزيد من النفوذ، وضمان حصتها في النفط والغاز في البحر المتوسط، وفقًا لمسؤولين أتراك.

الوكالة الأمريكية، أضافت في تقرير لها يوليو الماضي: "في 2011، أجلت تركيا 25 ألف عامل خلال الانتفاضة التي دعمها حلف شمال الأطلسي، والتي أنهت حكم معمر القذافي، ومنذ ذلك الحين، تسعى أنقرة للسيطرة على ليبيا، التي تعد موطنًا لأكبر احتياطات النفط المؤكدة في إفريقيا".

"بلومبرج"، نقلت عن مسؤولين، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم، أن الهدف الرئيس لتركيا في دعم حكومة السراج، هو ضمان قدرتها في نهاية المطاف على استئناف مشاريع البناء، التي تبلغ قيمتها حوالي 18 مليار دولار، وتشير بلومبرج إلى حسرة تركيا، قائلة :"بعد أن تم الإطاحة بالقذافي في تمرد مدعوم من الناتو، فقدت الشركات التركية مشاريع البناء المربحة، بما في ذلك المستشفيات ومراكز التسوق وفنادق الخمس نجوم".

وفي شهر يوليو الماضي، كشفت شبكة "دويتش فيلله" الألمانية على موقعها باللغة الإنجليزية، أن تورط تركيا في الحرب الداخلية الليبية لم يعد شيئا مخفيا، فتركيا تمول الميليشيات في غرب البلاد لهزيمة قوات الجيش الوطني الليبي.


جشع تركي
وفي محاولة للإجابة عن سؤال "ماذا تفعل تركيا في ليبيا"، قالت الشبكة الألمانية في تقريرها إن ليبيا دولة غنية بالبترول والغاز وحدودها المطلة على البحر المتوسط مهمة للغاية، وهو ما يجذب دولا كثيرة للتدخل بها خاصة تركيا ذات الأطماع التوسعية.

أويتن أورجان الباحث التركي في مركز الدراسات الاستراتيجية الشرق الأوسطية اعتبر أن "الجشع" هو ما يحرك تركيا في ليبيا بشكل "حاسم" لا يقبل الجدل، خاصة أن الكثير من الشركات التركية موجودة بالفعل ونشطة في ليبيا منذ أيام الديكتاتور الراحل معمر القذافي.
أورجان أضاف: "من بين أشياء أخرى، الشركات التركية منخرطة في عدد هائل من المشروعات المربحة في الإنشاءات، مقدار الأرباح بالتحديد ليس معروفا، لكن مقدار الاستثمار التركي في ليبيا بشكل إجمالي يصل إلى مليارات الدولارات".

الباحث التركي أشار إلى أن تركيا وجدت بصيصا من الأمل لعودة الانتعاش الاقتصادي إلى تعاملاتها مع ليبيا عبر حلفائها في غرب ليبيا الذين يمتلكون فرقا عسكرية منشقة وفرعا للبنك المركزي ومعترفا بهم دوليا، ما أبقى على الشركات التركية حتى الآن تمارس أعمالها التجارية ونشطة للغاية في ليبيا رغم الحرب الداخلية.
هنالك جانب أيديولوجي مهم للغاية فيما يخص تواصل تركيا مع غرب ليبيا، حسبما يقول أورجان، فتركيا تدعم المجموعات الليبية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين منذ انهيار نظام معمر القذافي في عام 2011.
أورجان تابع قائلا: "أنقرة الآن تستغل حكومة الوفاق في تبرير تدخلاتها بليبيا، وتقيم علاقات كثيرة مع جماعات غير معترف بها مثل حكومة الإنقاذ التي أسسها الإخوان في 2014 عندما حازوا فقط على أقل من 18% بالانتخابات".

Qatalah