يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


تحولت تركيا إلى معسكر نازٍ مخيف، يقف جنود الفوهرر العثماني على أبوابه، يمنعون السجناء من الطعام والعلاج أو الحديث بصوت مرتفع، يتركونهم فرائس ضعيفة للأوبئة والسرطانات التي تنهش أجسادهم.
يعيد ديكتاتور أنقرة رجب إردوغان السيناريو الوحشي للحقبة النازية، ويمنع المعارضين المرضى من السفر للخارج لتلقي العلاج، حاكماً  بالإعدام والموت البطئ على مئات الآلاف من الأتراك، الذين سحبت عصابة العدالة والتنمية جوازات سفرهم، عقب مسرحية الانقلاب الفاشل في صيف 2016.
 القوانين والمواثيق الدولية تعتبر المنع من السفر دون صدور أحكام قضائية، اعتداء صارخا على حقوق الإنسان، لكن النظام التركي وأنصاره يعتبرون حرمان رافضي ديكتاتورية الرئيس من العلاج عقوبة عادلة لشخص"إرهابي"، على حد تعبيرهم.
ووفقا لتقرير نشره موقع فوكس نيوز، فإن  مئات الآلاف من المواطنين الأتراك بعد مسرحية الانقلاب في 2016 ألغيت جوازات سفرهم "دون علمهم"، وحرموا من الحصول على تأشيرات السفر للخارج، لوقت غير محدد، أو حتى تجديد تلك الجوازات، واصفا إجراءات أنقرة بالقمعية، وأنها أقرب لعقوبة الإعدام، ضد كل من يعانون من مشكلات صحية وأمراض مزمنة.
قال أيكان إردمير، زميل تركي بارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) ونائب سابق بالبرلمان التركي، "إن الحكومة ألغت جوازات سفر ما يقرب من 210 آلاف شخص، خلال العامين الماضيين، وذلك لصلتهم بأفراد مدانين، أو مازالوا قيد التحقيقات، ومنذ 2016 فقد هؤلاء الأفراد وظائفهم، إلى جانب فقدانهم التأمين الصحي والمعاشات، وأصبحوا غير قادرين على تلقي خدمات الرعاية الصحية في تركيا، وذلك لحين تحمل شخص آخر نفقات الفواتير العلاجية"، بالإضافة إلى منعهم من تلقي العلاج بالخارج منذ مسرحية الانقلاب في صيف 2016.
أردمير أكد أن سياسات إردوغان تشبه انتظار الموت بالنسبة لمرضى السرطان، وتعد عقوبة قاسية وغير عادية، تشبه السياسات الوحشية للحكومة العسكرية في تركيا عام 1980، عندما منعت مرضى السرطان من تلقي العلاج في الخارج.

انتهاكات صارخة
هالوك سافاش، أستاذ الطب النفسي، روى تفاصيل مأساته، قائلا: إنه حرم من  جواز سفره في فترة تحديد إقامته الجبرية، رغم سقوط كافة الاتهامات التي كانت تدينه بانضمامه إلى حركة جولن، وأضاف أنه فقد وظيفته بجامعة غازي عنتاب، و شُخصت إصابته بالسرطان خلال إقامته الجبرية، وحسب التحاليل الطبية، لم يتبق في عمره سوى 9 أشهر، ورغم ذلك رفضت السلطات التصريح له بالسفر إلى آسيا أو الولايات المتحدة لتلقي بعض أنواع العلاج الجديدة،  والتي من الممكن أن تمنحه فرصة ثانية للعيش. ويعد سافاش واحدا من بين المئات ممن يحاربون من أجل الحفاظ على حقهم في الحياة.
أحمد سيدهان أوغلو،  محام تركي مقيم في نيويورك، يقول إن وزارة الداخلية التركية لا تقدم بيانات رسمية عن جوازات السفر الملغاة مباشرة، إلا أنها تقدر الآن بحوالي 300 ألف، لا يستطيع أصحابها الخروج من تركيا، و بعضهم في وضع صحي حرج.

أصيب فوركان ديزدار، وهو طفل تركي يبلغ من العمر 12 عامًا، بسرطان الدماغ، و بعد محاولة الانقلاب، أخبر الأطباء في إزمير عائلته أنه أصيب بورم دماغي، غير قابل للشفاء، وأنه معرض للموت في غضون شهر واحد، بعد إجراء بعض الأبحاث ، وجدت الأسرة أن هناك علاجًا محتملا في كوبا، وقرروا الذهاب إلى القارة اللاتينية، بحثا عن أمل لبقاء طفلهم على قيد الحياة، لكن أجهزة إردوغان الأمنية لم تسمح لفركان وعائلته بمغادرة البلاد، بسبب حالة الطوارئ، والقيود الإدارية على جوازات سفرهم، حتى تطور مرض فوركان، وتوفي في 7 فبراير 2017.

ملف خطير

أكد نات شينكان، مدير مشروع في مؤسسة فريدوم هاوس، أن ملف الممنوعين من السفر أكثر أهمية وخطورة من قضية المتهمين بالمشاركة في مسرحية الانقلاب، قائلاً: تم فصل 130 ألف شخص على الأقل من الخدمة العامة، بعد فرض حالة الطوارئ، وشملت عمليات الفصل إلغاء جوازات السفر، لأن الموظفين العموميين كان لديهم نوع مختلف من جوازات السفر، مضيفاً أن الأزواج الذين يحملون نفس نوع جواز السفر من خلال أزواجهم أو زوجاتهم العاملين في الدولة، ألغيت جوازات سفرهم أيضًا.

 "هناك قضايا طعن قدمها الأشخاص الذين فصلوا، ومازالت تلك القضايا قائمة، لكن نسبة النجاح فيها منخفضة للغاية، وصلت نسبة قبول الطعن إلى 7.5% فقط من الطعون المقدمة حتى الآن"، حسب تصريحات مسؤول فريدوم هاوس.   
مضيفا، حتى في الحالات التي يقبل فيها الاستئناف، فإن السلطات ربما تتعنت في إصدار الجوازات الجديدة لأسباب غير معلومة، كما هو الحال بالنسبة لهاروك سافاش، وقال إن هناك عشرات الآلاف من الأشخاص الذين قُبض عليهم، أو وضعوا قيد التحقيق، عقب مسرحية الانقلاب، وغالبًا ما تشمل تلك الإجراءات قيودًا على السفر.
التركي أنس كانتر، لاعب فريق بورتلاند تريل بليزرز، والذي يلعب في دوري رابطة كرة السلة الأمريكي، تطارده سلطات إردوغان منذ شهور، بعد تصنيفه هاربًا، وألغت جواز سفره أيضا، بتهمة الانتماء لحركة فتح الله جولن.
كانتر  يقول: "إن إلغاء جواز السفر هو أداة لإسكات المعارضين"، وأضاف:" أنا مواطن يحترم القانون، سواء في تركيا أو أمريكا، لم يحدث أن انتهكت قانوناً في حياتي، لكن الحكومة التركية ألغت جواز سفري"، واصفا هذا الإجراء بأنه محاولة بائسة من السلطة لإسكات منتقديها ومعارضيها، قائلا: "من العار استخدام جواز السفر كسلاح لإجبارك على السكوت، لكنني لن أتراجع عن حربي من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير".

دستور منتهك
  وزارة الداخلية التركية قدمت بعض الإعفاءات، في الصيف الماضي، كما أعلنت عن نيتها إلغاء القيود على 155,350 جواز سفر، التي ألغيت أو سحبت بعد مسرحية الانقلاب، ورغم ذلك، لا يزال هناك عشرات الآلاف في القائمة السوداء، ممنوعين من مغادرة البلاد.   
ينص الدستور التركي على أن "كل فرد لديه الحق في حرية الإقامة أو السفر"، وهو الأمر الذي انتهكته السلطات التركية، وألغت جوازات سفر المعارضين بدون سبب قانوني.
قال جعفر الحاج، مدير مكتب الشؤون القانونية بمنظمة حقوق الإنسان: إن أولئك الذين يحملون جوازات سفر ملغاة، قادرون تقنياً على السعي للحصول على علاج صحي كاف داخل تركيا، لكنهم يواجهون صعوبات كبيرة، بعد حرمانهم من مزايا علاجية، بعد تعرضهم لضغوط ومضايقات حكومية.

 

Qatalah