يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


10 أكتوبر 2018 تركيا.. شعب واحد، إمبراطورية واحدة، قائد واحد

بالمقارنة مع جيرانها الأوروبيين، تعتبر تركيا متأخرة في التحول إلى دولة أمة، إذ أنها خرجت من عباءة الإمبراطورية العثمانية المتعدة الأعراق والأديان في عام 1923 فقط.

والأمة مصطلح ابتدعه أناس يعتقدون أنهم يشتركون في تاريخ واحد ولغة واحدة وثقافة واحدة. إنها مؤسسة خيالية يجب على الدوام تجديدها وتعزيزها. بالضبط مثل الرياضات المنظمة، إنها حكاية مدعومة بالأعلام والهتافات.

السمة الأساسية للدولة الأمة هي الاعتماد على الاتفاق المتبادل، بعبارة أخرى، الأمة هي صوت شعبي يتجدد كل يوم.

مع ضعف الإمبراطورية العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر، تأسست جمعية الاتحاد والترقي بناء على فرضية أن حركات مثل النزعة العثمانية والنزعة الإسلامية غير قابلة للبقاء، ولكن التركية قابلة للبقاء. وورث مصطفى كمال أتاتورك وحزب الشعب الجمهوري الذي كان ينتمي إليه إرث جمعية الاتحاد والترقي وأسسا جمهورية تركيا وجعلا قوميتها التركية قاصرة فقط على الأناضول.

وبدأ صبغ الأناضول بالأمة التركية، أو جعلها أمة متجانسة، مع جمعية الاتحاد والترقي. وأوضح الأرمن واليونانيون في الاستفتاء الشعبي اليوم أنهم لن يؤيدوا أن يصبحوا جزءا من الأمة التركية. وتم التخلص من الأرمن من خلال الإبادة الجماعية ومن اليونانيين من خلال الهجرة القسرية وتبادل السكان.

والجماعة العرقية الرئيسية الوحيدة الأخرى التي بقيت هي الأكراد.

ونظام الحكم القائم على الدولة الأمة الذي ظهر مع انهيار الإقطاع كان نظاما ملكيا مطلقا. كان نظام الإقطاع قائما على سادة إقطاعيين، لكن نظام الحكم الجديد هذا لم تكن له طبقة يمكنه الاعتماد عليها لأن البرجوازيين كانوا مشغولين بكسب المال وظلوا بعيدين عن الدولة. ولكي يصبح البرجوازيون الطبقة المهيمنة في الدولة، كان يتعين ظهور عصر الإمبريالية. 

وفي مواجهة تلك الصورة، أنشأ الحكام بأنفسهم تلك الطبقة التي ستعتمد عليها الدولة، ألا وهي البيروقراطية. ومن خلال آليتها لجمع الضرائب ونظامها التعليمي لتعزيز فكرة الأمة، وجيشها المعني بحماية حدودها، كانت البيروقراطية المدنية والعسكرية هيكلا بُني فوق الطبقة. وبذلك، ألزمت الدولة نفسها بإطلاق مشروع عملاق.


هذا الهيكل كان فوق الطبقة ومستقلا عن المجتمع. وكان دوره الوحيد هو حماية وتطوير الدولة الأمة، وأن يكون الممثل الوحيد للأمة ككل.

أنشأت تركيا، في سنواتها الأولى، مثل هذا النموذج. وأطلقت على نفسها جمهورية بسبب متطلبات ذلك العهد لكن من حيث الجوهر كانت ملكية مطلقة.
فقد أنشأت برلمانا لم يكن له تأثير حقيقي وجهازا بيروقراطيا يحلق فوق المجتمع وطبقة اجتماعية لأنه لم تكن هناك طبقة برجوازية لدعم الدولة.

وعزز هذا النموذج نفسه بتبني هيكله القائم على الحزب الواحد من لينين، وسمته العنصرية لاحقا من موسوليني.

كان أحد الأهداف الرئيسية لهذا النموذج هو إيجاد طبقة برجوازية مثل تلك التي كانت موجودة في الغرب، وكان الهدف الآخر استيعاب الأكراد، واستخدام العنف للقضاء على من يعارضون.

وبرغم أن الأكراد مسلمون وتصادف أنهم يشتركون مع الأكراد في نفس القيم، فقد كانوا في نهاية المطاف شعبا منفصلا له لغته وثقافته وتاريخه.
علاوة على ذلك، فقد وضعهم الولاء للخلافة والتوق إلى الحرية في خلاف مع الأهداف المؤسسة للدولة التركية. والأهم من ذلك، لم تحفظ الجمهورية الجديدة وعدها الذي قطعته خلال حرب الاستقلال التي خاضها الأتراك والأكراد ضد المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، عندما تعهد الأتراك بنموذج دولة تقوم على أساس المساواة في الحقوق.

أسفرت تلك التوترات عن ثورة الشيخ سعيد في عام 1925 ومذبحة درسيم في عام 1937. وأعقب ذلك إنشاء محاكم وفرض قانون الأحكام العرفية وقانون حفظ النظام لعام 1925. 

وعندما اتضح أن الأكراد لن يصوتوا أبدا "بنعم" في هذا الاستفتاء الشعبي اليومي على الأمة التركية، وجدت الدولة نفسها مضطرة لحكم المنطقة الكردية بقبضة حديدية.

ومع ظهور الحركة الوطنية الكردية، زاد قلق الدولة ومن يقودونها. وتفاقم هذا الانزعاج بسبب محادثات الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي والتقارب المتزايد مع الغرب. بعد كل شيء، فإن السبيل الوحيد لإجبار شعب رافض على العيش معا في ظل ثقافة مشتركة هو ممارسة الضغوط من خلال الحكم المطلق والاستبداد. 

كان نموذج الاتحاد الأوروبي يعطي امتيازات للحكم المحلي والمساواة بين كل الشعوب. نتيجة لذلك، أصبح الاتحاد الأوروبي تهديدا. في نهاية المطاف، جمدت الحكومة عملية السلام وعادت إلى نموذج التأسيس: القمع وغياب القانون. 
تواجه الأنظمة القمعية والوحشية مشكلة جوهرية، ألا وهي أنها لا تدمر فحسب قيم ومؤسسات المنطقة والشعب اللذين تقمعهما، وإنما أيضا قيم ومؤسسات النظام نفسه.

وحدث التحايل على القانون في تركيا نتيجة التحالف بين الرئيس رجب طيب أردوغان والجهاز البيروقراطي. كان أحدهما يتفادي عواقب فسادهما، بينما كان الآخر يتفادى عواقب الأفعال غير القانونية التي ارتكباها في المنطقة. 

نتيجة لذلك، لم يكن أردوغان مضطرا للرد على مزاعم الفساد التي وجهت له في ديسمبر 2013، ولا على نتائج الانتخابات التي فاز بها في الآونة الأخيرة والتي شابتها شكوك كبيرة. وعلى نحو مشابه، تمكن الجهاز البيروقراطي من مقاومة المحاكمة عن انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة. واختفت فكرة الجريمة والعقاب كلية. 

لم يقتصر غياب سيادة القانون على تلك القضايا. فعلاوة على من حملوا السلاح من أجل الدولة، تمتع بالحصانة أمام القضاء أيضا كل شخص قريب من النظام والجهاز البيروقراطي.

بل وامتدت هذه الحصانة لتشمل صاحب المطعم الذي أحرق زبونا وابن القاضي الذي دهس مشاة. وأصبحت كل المؤسسات عرضة للرشوة والمحسوبية. 

وبشكل مشابه، جرى تحييد البرلمان الذي يفترض به أن يمثل إرادة الشعب الكردي، وحل محله نموذج من الحكم المطلق يشمل أجهزة أمن ومخابرات متغلغلة واستخدام التكنولوجيا دون قيود وغيابا للقانون يتجاوز فترة السلطان عبد الحميد الثاني الاستبدادية في أواخر القرن التاسع عشر.


وسيكون من المناسب وصف هذا بعصر تعليق عهد الجمهورية. ولم يكن متصورا أن يبقى الاقتصاد واقفا على قدميه في أجواء تتداعى فيها سيادة القانون وأمن الأفراد وحقوق الملكية. والاقتصاد الآن في حالة فوضى، ومن الواضح أنه يتجه صوب المزيد من التراجع.

ولن تتجلى نتائج هذا في صورة تدمير لقاعدة الدعم لأردوغان فحسب وإنما أيضا تدمير الأساس الاجتماعي للبلد كله. 
وبإيجاز، تدفع تركيا ثمن التمسك الأعمى بنموذج الدولة الأمة، وسوف تظل كذلك. وليس من شأن رفض التحول إلى ديمقراطية على الطراز الغربي أو قبول الأكراد كمواطنين لهم نفس الحقوق سوى أن يقود إلى الحرب وانعدام القانون وتفشي الفساد. 

والشيء الخطير هو غياب طبقة برجوازية يمكنها الاعتراف بهذا المأزق والسيطرة على الدولة.  

وسوف تظل تركيا ماضية مع شعارها "دولة واحدة، وأمة واحدة، ووطن واحد" المستلهم من شعار هتلر "شعب واحد، إمبراطورية واحدة، قائد واحد"، وذلك إلى أن تصطدم بحائط، لكنها ستدفع ثمنا باهظاً لهذا الخيار.

نقلًا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah