يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


12 أكتوبر 2018 تركيا في عهد العثمانيين الجدد "دولة يمينية"

غالط الرئيس التركي رجب طيب إردوغان المجتمع التركي والدولي، فرغم تقديمه لنفسه في بداية مسيرته السياسية على أنه ديمقراطي محافظ يتماهى مع النظام العلماني القائم في بلاده، إلا أنه كشف عن نزعته السلطوية ورغبته في الهيمنة المطلقة وانقلابه على مبادئ الديمقراطية منذ محاولة الانقلاب الفاشلة يوليو 2016، ما يجعل تركيا ليست بمنأى عن ربيع انتخابي، مستقبلا، يزيح سلطة الحزب الواحد، فالديمقراطية التي جاءت بإردوغان هي ذاتها التي ستطيح به، لجهة الوعي السياسي والثقافي الذي يتمتع به المجتمع التركي، الذي لن يسمح بتواصل حالة الطوارئ السياسية التي تعيشها البلاد بسبب طموح إردوغان العثماني، كما أن رهان الرئيس التركي على خطابه الشعبوي لن ينقذه من نقمة المعارضين له، بعد أن قسم الأتراك بين أخيار يؤيدونه وأشرار يعارضونه.

يطلق حزب العدالة والتنمية على التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يقول إنه حققها في تركيا خلال حكمه اسم “الثورة الصامتة”، لكن هذا المصطلح ينطبق أيضا على التحولات البنيوية الراهنة في الوعي السياسي للمجتمع التركي، والتي تتنامى على إيقاع التغيّرات الثقافية والمعرفية العالمية في عصر التفاعلية الرقمية.


ومن المتوقع أن تزعزع هذه الثورة الفكرية الصامتة مكانة الحزب وتحجّم نفوذه الشعبي بصورة تدريجية؛ ولكنها ستكون مؤثرة وعميقة، خلال الممارسات الانتخابية البلدية والبرلمانية والرئاسية القادمة عام 2019، وعلى الرغم مما تلاقيه من إنكار ومقاومة شرسة من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان سياسيا ودعائيا، إلا أن الديمقراطية التي جاءت بإردوغان هي ذاتها التي ستطيح به بعد أن أخذت نزعته السلطوية الانفرادية والأبوية تصبّ في تقويض دولة المؤسسات وانتهاك سيادة القانون، وإماتة الحياة السياسية وإلغاء التعددية.

وليست المشكلة فقط في قوانين الطوارئ التي شرع الرئيس التركي بفرضها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، وما أفرزته من تكريس لمؤشرات مقلقة تدفع بالدولة نحو الهشاشة، كالانقسام والتطهير والثأرية السياسية والشرعية المثلومة، ولكنها كذلك في حالة الطوارئ السياسية التي أدخل إردوغان فيها بلاده والمنطقة بعد الربيع العربي، بفعل النرجسية الأيديولوجية التي حكمت قراءته للواقع من حوله، فتسببت سياسات التصعيد والاستفزاز والغطرسة التي انتهجها في دفع تركيا ومحيطها إلى حافة الهاوية ومنحدرات اللا يقين واللا ثقة واللا تفاهم.

الاستئثار بالسلطة
تتعاظم الشكوك يوما بعد آخر حول مدى قدرة النظام السياسي التركي على تحمّل التغييرات الهيكلية الهائلة التي يدخلها الرئيس على سياسة البلاد، ودرجة قابلية هذه السياسة ومحيطيها الإقليمي والدولي للتكيّف مع الاستدارات العميقة التي يشتغل إردوغان على إجرائها في صلب العقيدة السياسية للدولة ورؤية تركيا لنفسها وللمنطقة والعالم؛ ابتداء بالاستدارة الأيديولوجية من العلمانية إلى الإسلام السياسي، ثم الاستدارة الجيوسياسية من الغرب وحلم أوربة تركيا إلى الشرق وحلم عثمنتها، والتي ترافقت مع استدارة تاريخية من المعاصرة السياسية وسردية الدولة الديمقراطية الحديثة إلى الماضوية وسرديات الأصولية الدينية المحافظة، وصولا إلى الاستدارة المؤسسية من التعددية والنظام البرلماني إلى السلطوية والنظام الرئاسي؛ الأمر الذي عكس تحوّلا في الحياة السياسية التركية من تنافسية معقولة أتاحت لحزب العدالة والتنمية الصعود إلى السلطة عام 2002 على الرغم من إسلاميّته، إلى أحادية حزبية تستأثر بالسلطة وتحتكر السياسة.

وليس أدلّ على هذا المآل الاستحواذي ممّا يُنسب إلى إردوغان من وصف للديمقراطية بأنها “تشبه رحلة بالسيارة وعلى السائق أن يترجّل عندما يصل إلى مبتغاه”! بمعنى أنه ينظر إلى الديمقراطية نظرة دينية تربطها بهدف أيديولوجي نهائي ينتصر فيه الحق على الظلمات، ويعتبرها أداة لامتلاك وتركيز السلطة، لا إطارا للحياة السياسية وتداول السلطة وفق مبدأ تكافؤ الفرص.

ويشمل هذا الوعي الذرائعي المفرط مسألة التنمية الاقتصادية التي تحوّلت في مشروع إردوغان الراهن إلى شعار لتعضيد الأيديولوجيا ومتغير تابع لها، بعد أن كان يوحي دائماً بأن التنمية أصبحت بحد ذاتها أيديولوجيا له ولحزبه.
ويلاحظ إعطاء الرئيس الأيديولوجيا القومية أولوية على التنمية في إشادته بإنجازات صناعية تركية مثل الطائرات من دون طيار، والتي تصنّف ضمن منتجات خلق الهيبة الوطنية، أي بناء سمعة دولية للبلد؛ لكنها لا تصبّ في تحسين حياة المواطنين في الداخل، ولا يمكن اعتبارها مؤشرا مستقلا على تنمية حقيقية.

واستطاع إردوغان أن ينفّذ مشروعه الشعبوي في الداخل عبر إعادة هيكلة الدولة التركية وفق مقاسات شخصه وأيديولوجيته، وهو ما يطمح لاستكماله في انتخابات 2019 التي وصفها بأنها “ستحدد مستقبل تركيا لنصف قرن مقبل”.
كما شرع إردوغان في تصدير مشروعه إلى الخارج أيضا من خلال مساعيه لإعادة هيكلة الأوضاع الإقليمية والتلاعب بالقواعد السياسية التي تنظم العلاقات الدولية في المنطقة.

فبدا هاجس إعادة الهيكلة والتغيير الجذري والتحوّل التاريخي هو ما يحكم فكره السياسي الراديكالي محليا وإقليميا ودوليا. ويبدو واضحا المفهوم السطحي للوحدة الوطنية في خطاب إردوغان، حيث يرى أن الوطن الموحّد هو ما يتبقى بعد عزل وإقصاء أعداء النظام ومعارضيه!

وتكمن أزمة سياسات إردوغان الحالية في إغفالها للأبعاد الاجتماعية والثقافية للظاهرة السياسية في تركيا، والنظر إلى المجتمع كرصيد انتخابي لا كمجال إنساني معقد ومتفاعل ومتطور، واعتبار تركيا القوية هي تركيا الصامتة والمصمتة ذات الرأي الواحد واللون الواحد، وتذويب الفردية وتغييب الطابع الجدلي والتفاعلي للسياسة، والضيق بالنقد والمراجعة وتجاهل النصح، واختزال الصراع السوسيو-سياسي في ثنائية “أخيار يؤيدون الرئيس العظيم وأشرار يعارضونه”، والتعويل على التوسّع الخارجي في بناء شرعية النظام على حساب الاقتراب من نبض الشارع التركي وتفهّم تفاعلاته وتعزيز مشاركته، حيث فقد حزب العدالة والتنمية العمق المعرفي والإنساني لسياساته بغياب رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو الذي كان يمثّل مع آخرين العقلانية السياسية للحزب ويُحدِث مع زميله رئيس الجمهورية السابق عبدلله غول نوعا من التوازن مع شعبوية إردوغان وخطابه الحماسي ووعوده الكبرى، حيث يستند كلا الرجلين، داود أوغلو وغول، إلى خلفية علمية أكاديمية، فيما يعتمد إردوغان على سطوته الحزبية وحضوره الكاريزماتي المؤثر في الطبقات الشعبية والمتديّنة.

ومن الواضح أن فكرة الإدماج الوطني والديني للشعب التركي باعتماد سياسات إذكاء الفخر التاريخي ومحاكاة الكبرياء القومي كانت فعّالة في العشرية الأولى من حكم العدالة والتنمية؛ لكن التحولات السوسيو-سياسية التي تشهدها مجتمعات المنطقة، ومنها المجتمع التركي، تفرض إدراك مسائل التنوع الثقافي والهويات الإثنية الأولية والهويات الاجتماعية المستحدثة والخصوصيات المتعددة في المجتمع، وصراع الأجيال ونزعة الفردية والاستقلالية المتنامية بين الشباب، وهو ما تعجز عن استيعابه سياسات إردوغان الحالية التي أصابها التقادم السياسي ومحدودية الرؤية والتبسيط المخلّ للواقع المعقد.

وتحت شعار التصدي للمؤامرات الداخلية والخارجية يعزز إردوغان هيمنته على البلاد متجاهلا أن حماية المجتمعات من التوترات والتدخلات تكون بفتح آفاق المشاركة والتعددية والاندماج والتفاعل السياسي والاجتماعي والتعبير عن الذات، وإيقاف عمليات استتباع وتطويع المجتمع وترويض المخالفين؛ وليس بتجميع الناس في الساحات والميادين للإصغاء لخطب الزعيم، والتصفيق والهتاف، فهذا مشهد غرائبي ينتمي إلى ثقافة شمولية لفظها القرن الحادي والعشرون، وليس فيه ما يعكس التماسك والمشاركة ولكنه يشي بسلبية الجمهور وأبوية الرئيس وشعبوية السلطة، ولا يعني تعويل إردوغان على هذا المشهد سوى أنه يكتب نهايته بيديه.

ويرى الكاتب المصري صلاح سالم أن “ما لم يعرفه إردوغان بعد هو أن هذا العصر ليس عصر الزعماء الأبويين، فقد انتهى زمن الكاريزما التقليدية والشخصية الجذابة الساحرة، وصارت الشعوب مريضة بداء الجدل، مهجوسة بفضيلة المكاشفة، مدفوعة برذيلة تأكيد الذات”، داعيا إردوغان إلى “أن يقبل بشروط الزمن الجديد المليء بأدوات التواصل الاجتماعي حيث الجميع كاتب ومتلق، والجميع مؤثر ومتأثر”.

انتهاك الديمقراطية
إن ما يحصل في تركيا ليس تسطيحا للوعي عبر السياسات الشعبوية فحسب؛ ولكنه تسطيح للسياسة وانتهاك لفكرة الديمقراطية وتهميش لمضامينها العميقة والمعقدة، فالسرديات الكبرى ووعود التأييد الإلهي والنهضة الوطنية وتركيا 2023، لن تفلح في المحافظة على التماسك الاجتماعي ولا على شعبية الحزب الحاكم في ظل ركود سياسي تخلقه السلطوية.
لقد أمضى حزب إردوغان 15 عاما في الحكم منفردا، لكن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، إذ يميل كل صاحب سلطة إلى سوء استخدامها فكيف حين يحتكرها ويتحصن بالشعارات؟

ويبدو أن سردية إردوغان الذي لا يعرف الهزيمة الانتخابية نفسها صار فيها اليوم مقتله السياسي؛ لأنها غذت نقمة المعارضين والمنافسين على استئثاره بالسلطة ومكوثه وحيدا في قمة هرم الدولة، وهو ما دلّت عليه محاولة الانقلاب الفاشلة ضده.
لدى المجتمع التركي تجربة سياسية ثرية منحته ثقافة سياسية مركبة؛ بفعل ما عاشه على مدى عقود من صراعات وانقلابات وتحوّلات في السياسة والاجتماع والاقتصاد، وما اختبره من تلاقح تاريخي بين علمانية الدولة والهوية الإسلامية للمجتمع.

هذه الثقافة الغنية منحت المجتمع وعيا سياسيا جعله يقف إلى جانب العدالة والتنمية ضد الانقلاب الفاشل حماية للديمقراطية لا دفاعا عن الحزب، وهو السبب نفسه الذي من المتوقع أن يدفعه إلى الوقوف ضد إردوغان في منعطفات سياسية مقبلة سعيا لإنقاذ تركيا من سياسات المغامرة وعواقبها الوخيمة، من خلال استخدام صناديق الاقتراع في التصدي لطموحات الرئيس السلطوية وتقليم أظافره وكبح مساعيه الرامية إلى تكريس شرعية الاستبداد والأمر الواقع في إطار ما تصفه المعارضة بأنه “انقلاب مدني” بدأه إردوغان على دولة المؤسسات عبر سياسات التصفية التي اعتمدها ضد المخالفين فمهّد للانقلاب العسكري الذي تُتهم حركة غولن بالوقوف ورائه.

فعلى إردوغان أن لا يفرح كثيرا باستجابة الشعب له لصدّ الانقلاب، ذلك أن دخول الشعب على الخط لن يكون في صالحه دوما، والديمقراطية ليست لها أنياب كالسلطوية لكنها قوة ناعمة وسلمية قادرة على تفكيك احتكار السلطة وإزاحة السلطويين.

ولذلك نقول إن بلاد الأناضول ليست بمنأى عن ربيع تركي يغيّر من المعادلة التي سمحت بهيمنة العدالة والتنمية بنسخته الإردوغانية على السلطة باحتكارية أقصت حتى مؤسسيه وصنّاع تجربته.

ولكنه كما يبدو لن يكون ربيعا ثوريا يطيح بـالجمهورية التي تحظى بمكانة محورية في الوعي القومي التركي، بل سيكون ربيعا انتخابيا يفكك سلطوية إردوغان عبر الصناديق، بالارتكاز إلى التحوّل في اتجاهات الجمهور، والحراك السياسي الذي يُنتظر أن تطلقه نخب تنافس إردوغان في مربعه وتشكّل ضدا نوعيا له يثير قلقه؛ بمعنى أنها لا تعوزها الشرعية الجماهيرية أو الحزبية، مثل الرئيس السابق عبدالله غول ونائب رئيس الوزراء الأسبق علي باباجان، وكلاهما من مؤسسي الحزب الحاكم ويتمتعان بسمعة وطنية ومقبولية دولية بفعل نهجهما المستند إلى العقلانية لا الشعبوية، وقربهما من الاتحاد الأوروبي، وكونهما لم يتورطا في صراعات وأزمات داخلية وخارجية مثل إردوغان، ولا يبديان حماسة لمشروع العثمانية الجديدة والسلوك الاستفزازي في المنطقة.

أما أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء السابق، فعلى الرغم من تطلعاته العثمانية وابتكاره لنظرية العمق الاستراتيجي أو الكومنولث التركي؛ فإنه يعتبر أيضا منافسا قويا لإردوغان لما يمتاز به من انحياز للتنوع الثقافي والعرقي في تركيا ورفضه لسياسات الاستقطاب والإقصاء.

دولة يمينية
يعتمد إردوغان سياسة أبوية في إدارته للدولة التركية، فيقدم نفسه باعتباره الأب الرئيس المسؤول ليس فقط عن السياسات العامة للدولة ولكنه ربّ الأسرة التركية؛ الذي يتدخل في كل التفاصيل، فيحدد عدد الأطفال الذين يفترض أن ينجبهم المتزوجون الجدد، وينصح الوزراء بأن يتركوا شواربهم ولا يحلقوها لأنها عنوان الرجولة، ويتوقف بنفسه ليحاسب الشباب في الشارع على التدخين. ويطمح الرئيس التركي من خلال مشروع التحوّل إلى نظام رئاسي إلى أن يكرّس نموذج القيادة الأبوية على المستوى المحلي التركي، وتوسيعه ليشمل مجتمعات أخرى في المنطقة يريد إردوغان أن يفرض سلطانه الكاريزماتي على شعوبها باسم الدفاع عن الدين والمقدسات والمظلومين والقيم النبيلة.

ومن شأن السياسات الأبوية أن تترك آثارا سلبية على الثقافة التركية إذ ستؤدي إلى تعزيز الانغلاق والذكورية والروح القبلية، وتأسيس بنية ثقافية مضادة لليبرالية الاجتماعية التي كان احترامها من أهم ملامح برنامج حزب العدالة والتنمية في صعوده السياسي بداية الألفية الحالية.

لكن السؤال هو هل سترضخ الأجيال الشابة الجديدة لهذه النزعة الأبوية الإردوغانية؟ وهل ستقبل القوى السياسية والفئات الاجتماعية والمكونات الإثنية المختلفة بهذه الهيمنة الأحادية السياسية والثقافية؟

وتهدد نزعة إردوغان الأبوية الممزوجة بالسلطوية والهيمنة المطلقة الاستقرار الداخلي لتركيا، وتنذر بتعميق الانقسام الاجتماعي مع استمرار عمليات الفرز والعزل السياسي ضد المنقوم عليهم من أنصار فتح الله غولن خصم إردوغان اللدود وتفاقم الأزمة مع الطرف الكردي، والتسويق لهوية تركية أحادية قوامها الولاء للرئيس.

ورغم أن الرئيس التركي قدم نفسه في بداية مسيرته السياسية على أنه ديمقراطي محافظ ينتمي إلى يمين الوسط ويتماهي مع النظام العلماني القائم، ويؤمن بالتدخل المعتدل في حياة المجتمع لإحياء التقاليد والمحافظة عليها؛ لكنه بدأ بالانتقال التدريجي إلى اليمين السافر بالعمل على إعادة هيكلة النظامين السياسي والاجتماعي ليتلاءما مع قيم ومكانة تركيا كما يتصوّرهما حزبه، وكانت لحظة الانقلاب الفاشل فرصته للتحول الصريح إلى اليمين المتطرف؛ باستخدام العنف السياسي المغطى بقوانين الطوارئ.

لقد حوّل إردوغان تركيا إلى دولة يمينية، إذ التقت الأصولية الدينية التي يعتنقها حزبه مع الأصولية القومية التي تحملها الحركة القومية التركية، فتحالفتا على تيمين السياسة التركية وإعطاء زخم أكبر لسياسات الهوية والقسوة والتطهير والنهج الشعبوي في صنع القرار.

ويتفاخر حزب العدالة والتنمية بإنجازين يقول إنه حققهما لتركيا؛ الرفاه الاقتصادي وحرية التديّن؛ لكن هذين الإنجازين حتى لو سلّمنا له بهما ففيهما نهاية دوره أيضا؛ فالاقتصاد أصبح في يد قطاع الأعمال، والحريات الدينية باتت مكفولة ولن يتنازل عنها المجتمع، ما يعني انتفاء الحاجة إلى إردوغان وحزبه.

وتتعارض السلطوية مع التنمية، وتوشك أن تزيح إحداهما الأخرى، فقد تنجح الأنظمة الشمولية في تحقيق تنمية وطنية إلى حد ما لكنها تفشل في المحافظة عليها بفعل الاستبداد في الداخل وطموحات التوسّع الخارجي التي تربك أجندة الحكومة وتعيد ترتيب الأولويات لصالح خلق النفوذ الدولي على حساب التنمية المحلية، كما أن هذه التنمية تكون مدفوعة بمشاعر الفخر القومي المؤدلجة لا بالحرص على الحقوق والحاجات الإنسانية والمشاركة المدنية والسياسية. ويقول بولنت أرينتش، أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، في انتقاده لسياسات إردوغان “ما يحزنني هو أننا على قدر جيد جدا من التنمية؛ لكن هل نحن على نفس القدر الجيد من العدالة؟”. وبذلك فإن حزب العدالة والتنمية بانقلابه على الديمقراطية وانزلاقه إلى السلطوية وحكم الفرد تحت قيادة إردوغان إنما يقوّض المنظومة التي أوصلته إلى السلطة.

Qatalah