يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


العلاقات التركية - الإيرانية، لاشك تثير الشكوك، كونها تحمل علامات استفهام عدة، فالدولتان الجارتان، ربما تفرقهما أطماع التوسع، إلا أنهما لاشك يجمعهما التربص بالعرب.
 
ففي ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها تركيا والتي كان من نتائجها السلبية على الاقتصاد التركي ارتفاع مستوى التضخم وانخفاض القدرة الشرائية للمستهلكين فضلا عن تدهور قيمة الليرة، لجأت حكومة العدالة والتنمية برئاسة رجب إردوغان، لحيل أخرى، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. أبرز هذه الحيل، التواصل مع الدولة الجارة إيران، رغم الاختلافات السابقة العديدة خصوصًا في سورية والعراق، إلا أن البلدين وجدا نفسيهما متوافقين بشأن تطبيق العقوبات الأمريكية ضدهما، فما كان منهما إلا التواصل كمحاولة للتحايل على هذه العقوبات.
 
نحو ثمان سنوات كاملة مرت على الانخراط التركي الإيراني في ساحات الصراع العربية بالعراق وسورية، تباينت فيها مواقفهما  في بعض الأحيان إلى حد الوصول إلى طريق مسدود. ولكن تلك الحالة سرعان ما تراجعت خلال السنوات القليلة الفائتة، بعد أن أبدت أنقرة انفتاحها على الحوار والتفاوض مع منافسها الإيراني الكبير، كما أظهرت سعيا لإيجاد صيغة تفاهم مشتركة بين الطرفين، خاصة في الملف السوري. 
 
التفاهمات الجديدة بين تركيا وإيران كشفت عن رغبة الطرفين في توحيد الجهود لتقاسم مستقبل سورية السياسي فيما بينهما بدلا من النزاع المسلح عبر وسطاء. وبالطبع فإن الطرف الخاسر في تلك المعادلة هو العرب، والذين اكتووا  طوال السنوات الماضية بنيران التكالب التركي الإيراني على المناطق الأكثر ضعفا من عالمهم في الشرق الأوسط. 
 
إن قراءة متأنية في تاريخ العلاقات التركية الإيرانية منذ القرن السادس عشر الميلادي وحتى ما قبل الربيع العربي، يمكنها أن تزيل الاضطراب الناجم في العقلية العربية عن تذبذب الصلات بين أنقرة وطهران صعودا وهبوطا، من خلال 5 مشاهد تاريخية ومعاصرة، سيستشعر القارئ في آخرها بأن ما يجمع بين الأتراك والإيرانيين هو دوما أكثر مما يفرق. 
 
لا شك أن النزعة الإمبريالية لطهران وأنقرة تؤثر على تضارب أهدافهما، ولكن ذلك لا يثبت في النهاية أمام المشتركات التي تدفعهما دفعا للتعاون والتكامل بدلا من الصدام. هذه المشتركات تشتمل على البدايات التاريخية المتماثلة لكليهما إلى حد التطابق العقدي، ثم اتفاق المصالح الاقتصادية بينهما، وأحيانا اتفاق المصالح السياسية نفسها خاصة في بعض الملفات. والتي يأتي على رأسها الرغبة الأكيدة في تحقيق التوسعات على حساب العرب. 
 
المشهد الأول: 
عثمانيون وصفويون.. رفاق المذهب
تبدأ العلاقات التركية الحديثة مع فاتحة القرن الـ 16 الميلادي، مع قيام الشاه إسماعيل بتأسيس السلالة الصفوية في إيران، ونشره المذهب الشيعي الاثنى عشري بالقوة فيها، إضافة إلى العراق، وشرق الأناضول. 
 
حتى العام 1501، عام ثورة الشاه الصفوي، كان العثمانيون في إسطنبول، ومن خلال الطريقة الصوفية البكتاشية، يتشاركون مع دعاة الحركة الصفوية في نفس المعتقد الشيعي القائم على تقديس الثالوث "الله، محمد، علي". ولكن مع تحول الصفويين إلى حركة سياسية ذات غرض توسعي هدد سيادة السلطنة العثمانية في الأناضول بشكل مباشر، فإن التوافق في المعتقد بين الطرفين لم يعد مانعا لتحولهما إلى الخصومة المميتة. 
 
تحرك السلطان العثماني الشهير سليم الأول إلى شرق الأناضول للقضاء على النشاطات الصفوية فيه، فقضى بدموية مطلقة على ثورة القزلباش (ذوو أغطية الرأس الحمراء) من دعاة الشاه إسماعيل، ثم اصطدم بقوات الأخير نفسه وسحقها في معركة جالديران العام 1514. 
 
كان انتصار سليم إيذانا ببدء عصر عثماني جديد، تحولت فيه العمليات العسكرية التركية إلى الشرق الإسلامي بدلا من شرق أوروبا، وتوج سليم تلك الفترة بإسقاط الحكم المملوكي العريق في مصر والشام بين عامي 1516 و 1517.
 
رغم ذلك، ظل العراق في أيدي الصفويين، وبعيدا عن السيادة العثمانية. وكان على الأتراك الانتظار حتى العام 1534، لقلب الأمور رأسا على عقب من خلال إسقاط السلطان العثماني سليمان القانوني لبغداد، وادراجه العراق ضمن المجال الجغرافي لدولته. 
 
أدخل غزو القانوني لبغداد أرض الرافدين في عصر طويل لم ينته إلا مع الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918). هذا العصر ستصبح فيه الصراعات العثمانية - الصفوية هي المشكل الرئيس لحياة العراق، ورغم أن العثمانيين ظلوا طوال تلك الفترة التي بلغت الأربعة قرون، على نفس القناعات القديمة بالإيمان في ثالوث شيعي مقدس، فإنهم قلبوا صراعهم مع السلالة الصفوية على حكم العراق الغني بموارده، ومكانته في التجارة الدولية إلى صراع مذهبي بين السنة (العثمانيون)، والشيعة (الصفويون). 
 
خلف ذلك الصراع دمارا هائلا في العراق، وتراجعا في مكانته الثقافية، إضافة إلى تغييرا عميقا في بنيته الاجتماعية بعد أن تقهقرت الطبقات البرجوازية في مدنه أمام الزحف البدوي من الصحراء العربية في الجنوب، ومن القبائل الكردية في الشمال. 
 
وقد علمت تلك الفترة ثلاث معاهدات إيرانية تركية حسمت الصراع لصالح الطرف العثماني: الأولى، هي معاهدة أماسيا 1555 والتي اعترفت فيها إيران بسيطرة الأتراك على العراق، ثم معاهدة زوهاب 1639 والتي وقعها مراد الرابع مع الشاه طهماسب، واستعادت حدود معاهدة أماسيا مرة أخرى، بعد فترة سيطرة صفوية قصيرة على العراق  (1623 - 1638)، وأخيرا المعاهدة الموقعة بين إسطنبول وبين "نادر خان" حاكم إيران الأفشاري في العام 1746. والتي اعترف خلالها الأتراك بإيران كمملكة إسلامية رفيقة.
 
لم تشهد الجبهة العراقية أية صراعات كبيرة بين إيران وتركيا بعد تلك المعاهدة الأخيرة، ومع دخول القرن التاسع عشر، انشغل كل من الطرفين التركي والإيراني عن بعضهما البعض بسؤالات التحديث، والتدخلات الغربية الوقحة. وكان عليهما الانتظار حتى نهاية الحرب العظمى في العام 1918، ليشهدا مولد كيانات سياسية جديدة فوق أراضيهما. في تركيا، نشأت الجمهورية الكمالية العام 1923، وفي إيران، نشأت الدولة البهلوية على يد الشاه رضا بهلوي في العام 1925.  
 
المشهد الثاني
الكماليون والبهلويون.. ضد العرب
دخلت العلاقات التركية الإيرانية آفاقا جديدة بعد ذلك التحول الكبير، حيث أبدى رضا شاه بهلوي  إعجابه الكبير بالنموذج العلماني لتركيا الكمالية، واعتبره الأصلح لإدخال إيران في عالم الحداثة. 
 
إضافة إلى ذلك الإعجاب الأيديولوجي، كانت الصداقة الوطيدة مع إسرائيل هي أكثر ما ربط بين الإيرانيين والأتراك. فقد كانت تركيا أول دولة ذات أغلبية مسلمة تعترف بالكيان الصهيوني في العام 1949، ثم تبعتها إيران مباشرة. ومن خلال خطة واسعة وضعها رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون، عرفت باسم "التحالف المحيطي"، أصبحت كل من تركيا وإيران، شريكين رئيسيين في خطة تطويق القومية العربية الصاعدة في الشرق الأوسط خلال الخمسينيات، وفك الحصار العربي المفروض على إسرائيل الناشئة. 
 
كما أن الإيرانيين والأتراك، وفي خلال نفس الحقبة، "الخمسينيات"، انخرطا كذلك في "حلف بغداد"، الحلف الإمبريالي الذي كونته بريطانيا من الأنظمة التابعة لها في الشرق الأوسط، بغرض تحجيم النفوذ السوفييتي في البلدان العربية، والتعامل العسكري مع العواصم العربية إن هي تعرضت للمصالح البريطانية والأمريكية في الشرق، أو هددت أمن إسرائيل.
 
ظل "الحزام المحيطي"، و"حلف بغداد"، فاعلين رئيسيين في العلاقات التركية الإيرانية، حتى تفكك الحلف أخيرا مع إسقاط الملكية في العراق وتأسيس الجمهورية في العام 1958، بينما استمر الحزام المحيطي عاملا بصورة سرية بين طهران وتل أبيب من جهة، وبين قادة تل أبيب من جهة أخرى حتى توقف في نهاية السبعينيات، على الأقل بالنسبة لإيران. 
 
المشهد الثالث
ضد الأكراد تارة.. وتارة معهم 
مثلت الثورة الإسلامية في إيران العام 1979 انقلابا في العلاقات التركية الإيرانية، فللمرة الأولى في القرن العشرين، تفقد تركيا العلمانية حليفها الشرقي الذي يقترب كثيرا من عقلها الأيديولوجي، وأصبحت الدوائر السياسية في أنقرة تنظر إلى الثورة الإيرانية باعتبارها تهديدا كبيرا لها، خاصة في ظل الفوران الإسلامي الذي كانت تشهده تركيا في ذلك الحين، وقاده مؤسس الإسلام السياسي في نسخته التركية، "نجم الدين أربكان".
 
كان أربكان هو ما زاد من المخاوف التركية الرسمية تجاه الثورة الإيرانية، خاصة بعد أن استخدم نفس أدوات آية الله الخوميني، قائد الثورة الإسلامية، عبر تسجيل خطاباته الثورية على شرائط الكاسيت. وقد أصبحت تلك الشرائط في نسختها الأربكانية، الأداة الأكثر فاعلية في جذب أتباع جدد إلى الحركة الإسلامية في تركيا، خصوصا في المناطق الريفية بالأناضول، وعلى حواشي المدن الكبرى في غرب تركيا. 
 
لكن نزاعا كبيرا بين تركيا وإيران الإسلامية لم يحدث قط حتى في تلك الفترة المضببة، حيث كان ظهور حزب العمال الكردستاني في ثمانينيات القرن العشرين، وتبنيه رؤية قومية تنادي بالنضال المسلح لتأسيس دولة كردستان الكبرى، سببا في تقريب وجهات النظر التركية الإيرانية مرة أخرى. 
 
كان ظهور دولة كردستان الكبرى تلك يعني اقتطاع أجزاء كاملة ومهمة من جنوب شرق تركيا وشمال غرب إيران، إضافة إلى شمال العراق وشمال سورية، وبالتالي اتفق الأتراك والإيرانيون على مناصبة حزب العمال الكردستاني العداء، معتبرين مقاتليه من الفصائل الإرهابية. 
 
ولكن التسعينيات شهدت توترات كبيرة في العلاقات التركية الإيرانية، خاصة مع نشاطات تركيا الخارجية المقلقة بالنسبة لطهران في القوقاز وأذربيجان وآسيا الوسطى على خلفية سقوط الاتحاد السوفيتي. في تلك الفترة تحديدا، بدأ الإيرانيون في التحول إلى دعم "بككة" ضد تركيا بدلا من معاداتها. وذلك بغرض تحجيم الأتراك وتهديدهم، بل إن الإيرانيين ذهبوا حتى إلى ما هو أبعد من ذلك، وقدموا دعما لجماعة كردية تعيش في جنوب تركيا نفسها، يطلق عليها اسم "حزب الله". 
 
وفي المقابل، ردت أنقرة بدعم نشاطات جماعة "مجاهدي خلق"، الشريك القديم في الثورة الإيرانية، ثم الخصم لدولة الخوميني. واستمرت حرب الوكلاء تلك مع إيران طوال العقد الأخير من القرن العشرين، في نفس الوقت الذي كانت العلاقات الاقتصادية فيه بين البلدين مستمرة، وإن كانت في نطاقات منخفضة. 
 
المشهد الرابع
إردوغان.. عصر "الوفاق"
كان التحول الجديد في العلاقات التركية الإيرانية مع فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية بأنقرة العام 2002، وصعود رجب إردوغان إلى منصب رئاسة الوزراء في البلاد. 
 
تبنى إردوغان فور فوزه سياسة خارجية مغايرة ترمي إلى توطيد علاقات تركيا بدول الشرق الأوسط، بدلا من الاتكال كسابقيه على الدعم الغربي، والأمريكي تحديدا، وكانت إيران في الواجهة من تلك السياسة الجديدة. 
 
أعاد إردوغان ترميم علاقة تركيا بالنظام الحاكم في طهران، وأطلق على ذلك اسم سياسة "الوفاق"، والتي تعود خلالها تركيا وإيران إلى خانة الشركاء لا المتنافسين. في هذه الفترة، عاد التنسيق الأمني بين الطرفين إلى أقصاه في الملف الكردي، وتم تبادل المعلومات الاستخباراتية عالية المستوى حول نشاطات بككة في تركيا، أو حزب الحياة الحرة الكردستاني في شمال إيران. 
 
وعلى مستوى البرنامج النووي الإيراني، والذي أعلنت عنه إيران في العام 2002، فإن إردوغان أبدى منذ البداية دعمه لرغبة طهران في امتلاك الطاقة النووية طالما كانت أغراضها سلمية، بل وكان هو الوسيط الدائم بين الحكومة الإيرانية وبين مجموعة دول 5+1 (دول مجلس الأمن الخمسة، إضافة إلى ألمانيا)، لإيجاد حل للأزمة القائمة بين الطرفين. 
 
اقتصاديا، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة بعد تدشين سياسة "الوفاق"، خاصة على مستوى الاستثمارات والتبادل التجاري والتعاون في قطاع الطاقة، حتى ارتفع حجم التجارة بين البلدين من 1 مليار دولار في العام 2000 إلى 10 مليار دولار في العام 2010. وقد اعتبر إردوغان أن إيران تمثل _ إضافة إلى أذربيجان _ الحليف القادر على مد تركيا الفقيرة على صعيد الطاقة باحتياجاتها من النفط والغاز الطبيعي، بينما اعتبرت إيران في المقابل أن توثيق تجارتها مع تركيا يضمن لها تصريف منتجاتها البترولية، وكسر العزلة الاقتصادية التي تفرضها عليها واشنطن. 
 
المشهد الخامس
العودة إلى الميوعة
لكن مع اندلاع ثورات الربيع العربي العام 2011، وإصابة الأنظمة العربية الرئيسية بالتفسخ، بات مؤكدا أن صداما على وشك الوقوع بين الطرفين التركي والإيراني على النفوذ في المناطق الأكثر سخونة، خاصة في الشمال العراقي، ثم الشمال السوري. 
 
بالنسبة للعراق، فمن المؤكد أن النزاع التركي الإيراني عليها يعود إلى ما بعد الغزو الأمريكي لبغداد في العام 2003. لقد أحدث سقوط نظام صدام حسين حالة فراغ هائلة في العراق، وانفتحت من جديد الأبواب أمام تركيا وإيران لتحقيق مطامع تاريخية قديمة فيه. 
 
فبالنسبة لإيران، كانت رغبتها في السيطرة على العراق تمتزج فيها الأهداف المذهبية، بالتحكم في الأضرحة والعتبات المقدسة، بأهداف سياسية تتمدد فيها طهران أكثر إلى الغرب حيث المنافذ المتوسطية، والقلب من الشرق الأوسط. 
أما تركيا، فقد انفتح المجال من جديد أمامها لاستعادة خريطة الميثاق الملي المرسومة العام 1920، والتي اعتبر فيها الشمال العراقي بأكمله (إيالة الموصل)، والغني بالنفط جزءا من الدولة التركية. 
هكذا، بدت الصراعات العثمانية الصفوية على وشك الإحياء من جديد، ولكن هذه المرة في وجود لاعب دولي متحكم هو الولايات المتحدة، وأطراف إثنية صغيرة مدعومة من ذلك اللاعب، أبرزهم الأكراد. 
 
ومع تردي الأوضاع الأمنية في العراق أكثر بعد العام 2011، خاصة مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في 2014، فإن النزاعات التركية الإيرانية المكتومة على العراق بدت في أوجها، وقد ارتضى الطرفان في النهاية تحقيق المكاسب والتوازن بينهما على حساب البلد العربي الكبير، فسيطرت إيران على الحكومة العراقية في بغداد، بينما وثقت تركيا علاقاتها بحكومة كردستان العراق في إربيل، مانحة نفسها امتيازات عالية مع تلك الأخيرة لاستيراد الطاقة منها مباشرة دون العودة إلى قرار الحكومة المركزية في بغداد. 
 
أما سورية، فقد كانت ميدان الصراع التركي الإيراني الأكبر، حيث دعم إردوغان منذ البداية الفصائل المسلحة التي حاربت نظام بشار الأسد، بينما اختارت إيران الوقوف إلى جانب حليفها البعثي القديم في دمشق، وقدمت له كامل دعمها العسكري واللوجستي. 
 
مرة أخرى، أطلت الخلافات التركية الإيرانية برأسها في الملف السوري. واختلطت فيها عمدا الاعتبارات المذهبية بالاعتبارات التاريخية، حيث تم تقديم الأمر في وسائل الإعلام الموالية لإردوغان على أنه نزاع عثماني - صفوي، وسني - شيعي، تمثل فيه تركيا النصير للجانب السني، بينما اعتبرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أن الأمر نزاعا بين "الإسلام الحق" الذي تمثله الجمهورية الإسلامية، في مواجهة "الإسلام الأمريكي" الذي يمثله إردوغان. 
 
ولكن هذه الوضعية ما لبثت أن تغيرت في السنوات الأخيرة، فأمام اكتشاف أنقرة الدعم الأمريكي الكبير لطموحات الأكراد في الشمال السوري، اختارت هي أن تعيد سياسة "الوفاق" ولو جزئيا مع النظام الإيراني كي لا تبقى وحيدة في الساحة السورية، هكذا، أصبح إردوغان أكثر تقبلا للإبقاء على بشار الأسد وحلفائه من الإيرانيين والروس في دمشق، مقابل أن يدعمه الطرفان الأخيران للحصول على بغيته الرئيسية في سورية، أي المنطقة الوسطى المركزية وعاصمتها حلب. 
 
وإضافة إلى الملف السوري، فإن رغبة إردوغان في التخفيف من اعتماد بلاده على روسيا كمصدر لـ 60% من الغاز الطبيعي الذي تستورده بلاده، يضغط عليه زيادة لتحسين علاقته بإيران من جديد، وقد أنتج العاملان الماضيان في النهاية تفاهمات تركية إيرانية جديدة خلال السنوات القليلة الفائتة، كان أهمها ما تم في مارس 2017، حين وقع قادة وزارة الدفاع في أنقرة وطهران اتفاقا للتعاون العسكري ضد الأكراد في سورية. بالاضافة إلى اتفاق آخر، يقضي بالاستثمار التركي في أهم حقول النفط الإيرانية بجنوب فارس، وهو مشروع كانت تركيا قد عطلته بضغوط من قبل الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وتعيده اليوم إلى الحياة. 
 
التوافقات التركية الإيرانية والتي نزعت القشرة المذهبية والدينية عن صراعاتهما السابقة، تكشف عن خط طويل وممتد في العلاقات بينهما، تعلو فيه أصوات المصالح الاقتصادية المشتركة، والتربص بالبلدان العربية، على صوت الخلافات التي دوما ما تنتهي بين الفريقين بالتوافق على حل لا يزعج أيا منهما. ويحقق لهما المكاسب في النهاية على حساب العنصر العربي. 

المصادر :


Qatalah