يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


1 أكتوبر 2018 تضاؤل خيارات إردوغان أمام بوتين في إدلب

حاصر الجيش السوري النظامي محافظة إدلب من ثلاث جهات، والتي كانت الملاذ الأخير للجهاديين الذين نزحوا إليها، وتزامنًا مع هذا لم يستطع رئيس الجمهورية إردوغان وإدارته اللذان سعيا إلى تأجيل العملية العسكرية التي كانت على وشك "البدء" الصمود كثيرًا أمام بوتين والأسد.

وقد حَلَّ وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف ضيفًا شرفيًا على مؤتمر السفراء الذي عقد الشهر الماضي في أنقرة. وعلى حين كان وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو يجيب عن أسئلة الصحفيين المتعلقة بإدلب في مؤتمر صحفي مشترك تطرق إلى المدنيين الموجودين في المدينة قائلًا "إن عملية عسكرية شاملة يتم تنفيذها دون التمييز بين المدنيين والمعارضين المعتدلين والإرهابيين المتطرفين سوف تتسبب في كارثة إنسانية"، بينما ظل لافروف صامتًا.

وقد اكتفى الوزير الروسي بقوله إنه يجب أن يتم تطهير إدلب من الإرهابيين، وإن النظام السوري لديه الحق المشروع في اجتثاث الإرهابيين وطردهم من أراضيه.

وبعد لقاء أنقرة، ذهب جاويش أوغلو إلى موسكو الأسبوع الماضي. وتبعه في التوجه إلى العاصمة الروسية وزير الدفاع التركي خلوصي أكار وهاكان فيدان مستشار جهاز الاستخبارات التركية. وفي أعقاب هذا اللقاء، أدرج المرسوم الرئاسي الذي نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 31 أغسطس "هيئة التحرير الشام" في قائمة التنظيمات الإرهابية.

ومع تطهير الرقة وحلب ودير الزور، والغوطة الشرقية مؤخرًا من الجهاديين نزح الجهاديون السلفيون المتطرفون – الذين كانوا يتواجدون في كل هذه المناطق - هم وأسرهم إلى إدلب. ومن المعروف أن جبهة النصرة ذراع تنظيم القاعدة في سورية والتي كانت تتقاسم إدارة المدينة سابقًا مع تنظيم أحرار الشام قد تحولت إلى "هيئة تحرير الشام" حيث ضمت تحت مظلتها عناصر متطرفة أخرى، وذلك إثر صدور قرار باعتبار كل تنظيم رفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات في مباحثات الأستانة "منظمة إرهابية".

ومع أن اسم ذلك التنظيم تغيَّر إلا أن هيئة تحرير الشام لا تزال تنظيمًا إسلاميًا متشددًا يحكّم الشريعة ويلقى الدعم من تنظيمي القاعدة وطالبان. ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة يتكون هذا التنظيم من أكثر من 100 ألف عنصر مسلح. وتتوقع الأمم المتحدة وجود حوالي 100 عنصر مسلح في إدلب التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 2 مليون نسمة.

وفي أعقاب الصراع المسلح مع تنظيم أحرار الشام المدعوم من تركيا وقطر سيطر تنظيم هيئة تحرير الشام على المدينة، وتمكن من إخراج تنظيم أحرار الشام ودحرهم إلى المناطق الريفية خارج المدينة، كما أخضع باب الهوى المعبر الحدودي للتفتيش والمراقبة، والذي يمثل ممرًا لعبور الأسلحة وعناصر الميليشيات المسلحة إلى جانب المساعدات الإنسانية عبر تركيا.

وكانت تركيا قد تحملت مسؤولية الإبقاء على محافظة إدلب منطقة آمنة، وعملت حتى الوقت الراهن على مواصلة الحوار مع هيئة تحرير الشام التي كانت إيران وروسيا قد أعلنتاها "تنظيمًا إرهابيًا" بالاتفاق مع إدارة الأسد، وحاولت تركيا ألا تدخل معها في مواجهة مباشرة. ولم تدرج ذلك التنظيم (هيئة تحرير الشام) على قائمة الإرهاب طيلة ثلاث سنوات.

جدير بالذكر أن حكومات حزب العدالة والتنمية السابقة لم تدرج جبهة النصرة ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية بالرغم من قرارات الأمم المتحدة، سواء في فترة تولي إردوغان لرئاسة الوزراء أو في فترة عمل أحمد داود أوغلو رئيسًا للوزراء. ونتيجة للضغوط الدولية والأعمال المتطرفة التي وقعت في سورية اضطر مجلس الوزراء حينها إلى إضافة جبهة النصرة إلى قائمة التنظيمات الإرهابية.

يتضح من المرسوم الأخير المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 31 أغسطس 2018 أن رئيس الجمهورية إردوغان قد وقع في 29 أغسطس قرار إدراج تنظيم هيئة تحرير الشام المسيطر في إدلب والذي يطبق الحكم الشرعي هناك إلى قائمة التنظيمات الإرهابية.وبعبارة أخرى تم التوقيع على هذا المرسوم مباشرة عقب استقبال بوتين كلًّا من جاويش أوغلو وأكار وفيدان في الكرملين في روسيا، وبعد المباحثات التي أجراها هؤلاء المسؤولون الأتراك مع نظرائهم الروس هناك، وتم إدراج تنظيم هيئة تحرير الشام ضمن قائمة التنظيمات الإرهابي

ومن الممكن التعليق على هذا التطور بأنه "تم وبشكل واضح إبلاغ تركيا العزم على تنفيذ العملية العسكرية"، وأن روسيا وإدارة الأسد المدعومة منها لم يقبلا بطرح "التمييز بين المعارضين المعتدلين، والمتمردين والإرهابيين" الذي دائمًا ما كرره إردوغان وجاويش أوغلو من أجل تأجيل تنفيذ تلك العملية العسكرية في إدلب.

ومن المؤكد أن المسؤولين الروس وجهوا إلى نظرائهم الأتراك أسئلة حول: "السبب الذي دفع تركيا والقوات المسلحة التركية ألا تميز منذ عامين وحتى اليوم بين العناصر المعتدلة والعناصر المتطرفة في إدلب التي كانت في مسؤولية القوات المسلحة التركية، ولماذا لم تعلن حتى الآن تنظيم هيئة تحرير الشام تنظيمًا إرهابيًا"، مما أدى إلى إدراج تنظيم هيئة تحرير الشام ضمن قائمة الإرهاب عقب مباحثات موسكو مباشرة.

وقد كانت تركيا تسعى إلى إعادة هيكلة تنظيم أحرار الشام الذي كانت تدعمه بالتعاون مع قطر، ولكنه اضطر إلى الانسحاب إلى المناطق الريفية منهزمًا أمام هيئة تحرير الشام، وبعض المجموعات السنية المعتدلة تحت اسم الجيش السوري الوطني في إدلب. غير أن إسراع روسيا وإدارة الأسد في تنفيذ العملية العسكرية قد عطل هذا المشروع.

وكان تنظيم أحرار الشام أعلن في أغسطس الماضي أنه أسس الجبهة الوطنية للتحرير بالتعاون مع عدد كبير من المجموعات السنية السلفية على اختلاف أحجامها. ويقال إن عدد الميليشيات التابعة للجبهة الوطنية للتحرير المتعددة الفصائل يتراوح ما بين 60-70 ألف. وبينما ورد أن إدارة الأسد تتابع عن كثب هذه المحاولات التركية الجارية في إدلب وأنها أبلغت روسيا بها وطلبت منها تحذير تركيا ذُكر أن تنفيذ العملية العسكرية في إدلب قد تم تقديمه لهذا السبب.

وترى حكومة دمشق وروسيا أنه يكمن وراء جهود تركيا من أجل تأجيل العملية العسكرية المرتقبة فكرة كسب مزيد من الوقت بهدف تنفيذ وتفعيل هذا الكيان الجديد الشبيه بالجيش السوري الحر الذي تسعى تركيا لتكوينه في إدلب. وفي هذا الإطار يتضح أن الجبهة الوطنية للتحرير تقع ضمن أهداف العملية العسكرية الروسية السورية في إدلب.

وبهذا المرسوم الذي وقع عليه رئيس الجمهورية إردوغان يكون قد اضطر إلى التصديق على العملية العسكرية التي سينفذها في إدلب بوتين والأسد، "وأضفى الطابع الرسمي" على العملية العسكرية التي ستتم "وأنها تهدف إلى التصدي للمنظمات الإرهابية وتطهير المدينة من الإرهابيين" حيث قام بإدراج تنظيم هيئة تحرير الشام التي تسيطر على المدينة ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية. وبناء على هذه التطورات يكون قد تم تعليق مشروع تشكيل الجيش الوطني السوري.

ومن الواضح أن الدعوة التي وجهها وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو إلى بوتين في الكرملين من أن "رئيس الجمهورية إردوغان في انتظاركم لتناول السمك معه في البوسفور" قد فشلت في تليين الموقف الروسي.
وانطلاقًا من هذا فإنه ينبغي ألا يُستغرب أن يلتقي إردوغان بالأسد، ويجلس معه على طاولة المفاوضات لاحقًا.

وإن أول نتيجة ملموسة لإصرار بوتين على إجبار إردوغان على التباحث مع الأسد وضغطه عليه في هذا الاتجاه هي أن رئيس الجمهورية إردوغان ظل منذ ثلاث سنوات لم يُدرج تنظيم هيئة تحرير الشام - الذي أعلنه الأسد تنظيمًا إرهابيًا - ضمن قائمة الإرهاب ثم أدرجه بتوقيعه على ذلك المرسوم، وبذلك يكون قد اتفق هو والأسد في هذه النقطة. وكذلك اتخاذه قرارًا بالتراجع في موقفه؛ إذ رأى أنه لن يستطيع الحصول على نتيجة من محاولته تأجيل عملية إدلب العسكرية.

وإن تسريع القوات المسلحة التركية في الأيام الأخيرة إرسال الجنود والعربات المدرعة إلى الحدود يكشف عن أن روسيا قالت الكلمة الأخيرة في هذا الشأن، وأن طلب جاويش أوغلو وأكار وفيدان بتأجيل العملية قد قوبل بالرفض من جانبها، وأن هناك محاولة لاتخاذ إجراءات عاجلة على الحدود في مواجهة موجهة الهجرة المحتملة أثناء تنفيذ العملية العسكرية التي سيبدؤها الجيش السوري النظامي بدعم من روسيا.

ومن المحتمل أن تقوم قوات الأسد بدفع موجة الهجرة التي قد تندلع في المدينة بسبب عملية إدلب العسكرية إلى كل من هطاي في الشمال وعفرين الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة التركية والجيش السوري الحر. وفي كلتا الحالتين سوف تواجه تركيا مشكلة إنسانية خطيرة الأبعاد وتدفقًا كبيرًا للاجئين.

وإن قتال قوات وحدات حماية الشعب الكردية – حزب الاتحاد الديمقراطي إلى جانب الجيش السوري في عملية إدلب سوف يكون ضربة قاسية لخطط رئيس الجمهورية إردوغان وتركيا في الشمال السوري، وسيناريوهات تركيا لإنشاء منطقة سنية آمنة خالية من الأكراد على الحدود الجنوبية لها.

وإلى جانب المساومات والمفاوضات الصعبة إلى حد كبير، فإن قمة إردوغان-بوتين-روحاني التي ستعقد في طهران في 7 سبتمبر الجاري ستكون بمثابة توثيق لانتصار الأسد، حتى وإن كان إقرار رئيس الجمهورية إردوغان بهذا وتقبله له أمرًا صعبًا.

نقلا عن موقع "أحوال تركية"

Qatalah