يا رب يا متجلي، أهلك العثمانلي


24 أكتوبر 2018 تضخم في خانة العشرات يعيد للذاكرة أحلك أيام الاقتصاد التركي

بلغت ميزانية تركيا للعام القادم 2019، والتي أعدتها الرئاسة التركية وعُرضت على البرلمان الأسبوع الماضي، قرابة تريليون ليرة تركية. وتُعيد هذه الميزانية إلى الذاكرة الأيام الحالكة للتضخم الجامح الذي عصف بالبلاد في نهاية القرن الماضي.

وعصفت نوبات من التضخم المرتفع بالاقتصاد التركي بداية من عام 1980 الذي شهد ميزانية ارتفعت في بعض الأحيان لتصل إلى تريليونات ثم إلى كوادريليونات ليرة تركية (كوادريليون هو عدد يساوي مليون مليار). وتُثير ميزانية عام 2019 التي تصل إلى 961 مليار ليرة (169.5 مليار دولار أميركي) المخاوف من أن تعود تلك الأيام مرة أخرى.

وعدل مسح التوقعات الذي أجراه البنك المركزي التركي ونشره هذا الشهر معدلات التضخم المتوقعة بنهاية هذا العام من 19.61 إلى 24.22 بالمئة. كما اضطر البنك المركزي إلى تعديل أسعار الفائدة التي كان يتوقعها بعد 12 شهرا من 14.46 بالمئة إلى 17.03 بالمئة وبعد 24 شهرا من 11.42 بالمئة إلى 12.7 بالمئة. 

كما أوضح المسح زيادة في عدد المشاركين الذين يتوقعون أن يظل التضخم في خانة العشرات خلال العامين القادمين، في حين لم يكن هناك أي تفاؤل بأن تتراجع المعدلات إلى أقل من عشرة بالمئة. ويبدو أن النظرة إلى النمو أكثر قتامة، فقد تم تعديل التوقعات للعام الجاري بالتراجع بنسبة 0.2 بالمئة ليصل إلى 3.2 بالمئة ومن 2.7 بالمئة إلى 1.9 بالمئة بالنسبة للعام القادم.

وبعبارة أخرى، فإن رجال الأعمال وقادة الشركات الذين شاركوا في المسح الذي أجراه البنك، وعلى العكس من ادعاءات الحكومة بأن تركيا قد تجاوزت الأزمة الاقتصادية هذا العام، يرون أن الأيام الصعبة للبلاد قد بدأت لتوها. وبالنسبة لهم، فمن المرجح بصورة كبيرة أن نرى استمرار التضخم في خانة العشرات خلال الأشهر من 12 إلى 24 القادمين مما يؤدي إلى حدوث انكماش في الاقتصاد.

وتوجد سوابق كثيرة لهذا: فخلال الثلاثين عاما الماضية، انهارت الليرة التركية خلال فترات التضخم الذي كان في خانة العشرات، مما أدى إلى طباعة أوراق النقد بالملايين في شهر يناير من عام 1995. وبعد مرور عامين، أصبحت الأوراق المالية فئة خمسة ملايين وعشرة ملايين ليرة مستخدمة. 

ومع الأزمة الاقتصادية الشديدة التي عصفت بتركيا في عام 2001، صدرت الورقة المالية فئة 20 مليون ليرة تركية وكانت الأولى من نوعها والوحيدة في العالم. وخلال هذه الفترة كان يعاني القصابون وبائعو الخضراوات والبقالون من مشكلة لوضع الأسعار بصورة مناسبة على ملصقاتهم، وكان الناس يناقشون المرتبات والإيجار بالمليارات، وبالتالي ارتفعت الميزانية إلى كوادريليونات ليرة.

 

واتبع هذا نمط بدأ بحزمة اقتصادية متشددة أدخلها سليمان ديميريل، الذي تولى فيما بعد منصب رئيس الوزراء، في شهر يناير من عام 1980 أي قبل تسعة أشهر من الانقلاب العسكري الذي علق ممارسة الديموقراطية التركية لسنوات.

وإلى جانب التدابير القاسية التي اتُخذت لمعالجة التضخم، والذي وصل في هذا الوقت إلى خانة المئات، قدمت حزمة ديميريل إلى البرلمان ميزانية بلغت قيمتها تريليون ليرة تركية، وقد اشتهرت هذه الميزانية بإثارة ازدراء المعارضة.

 

وبعدما ضربت الأزمة تركيا في عام 2001، قام الاقتصادي كمال درويش بتنفيذ برنامج يدعمه صندوق النقد الدولي واتبعه رجب طيب إردوغان، الرئيس الحالي للبلاد، حرفيا بعد انتخابه ليتزعم البلاد كرئيس للوزراء على رأس حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه في الانتخابات التي جرت في عام 2002.

واستهدف برنامج صندوق النقد الدولي التضخم، وأعاده إلى خانة الآحاد لأول مرة منذ نصف قرن تقريبا في عام 2004، واستطاع إردوغان إعادة تقييم الليرة التركية، وحذف ستة أصفار من العملة، والتي أُطلق عليها اسم الليرة التركية الجديدة.
وفي الأول من شهر يناير من عام 2009، ترأس إردوغان بفخر حفلا يحول العملة إلى صيغتها الحالية، وسحب العملات السابقة لليرة التركية – التي لا يوجد بها كلمة "جديدة" – من ماكينات النقد وذلك بعد بداية السنة الجديدة.

والآن وبعد مرور 13 عاما، فمازال الكثير من أفراد الشعب التركي لا ينزعجون بعادة الإشارة إلى المبالغ المالية الصغيرة بالملايين، وستُثير الميزانية الجديدة المقدرة بتريليون ليرة، مع تضخم تكاليف المواد الغذائية الأساسية، المخاوف من عودة الأيام القديمة للتضخم الجامح والعملة التي لا قيمة لها.

ويبدو بالفعل أن البرنامج الاقتصادي الجديد الذي وضعه وزير الخزانة والمالية بيرات آلبيراق سيكون أمامه مشكلة خطيرة فيما يتعلق بتحقيق هدف خفض التضخم إلى 15.9 بالمئة في عام 2019.  وحتى إذا استطاع البرنامج تحقيق هذا، فيمكننا أن نقول الآن إن ميزانية العام القادم ستتجاوز تريليون ليرة تركية. 

وكثيرا ما تجذب إدارة إردوغان الانتباه نحو نجاحها في شطب ستة أصفار من العملة. لكن الميزانية التي تبلغ تريليون ليرة توضح أن الدولة في طريقها للعودة إلى الأيام الحالكة للتضخم المرتفع.

وهناك محاولات بُذلت لكبح التضخم بالقوة، مع توظيف الحكومة لشرطة البلدية لإجبار التجار على إبقاء الأسعار تحت السيطرة. وعلى الرغم من ذلك، ومع دفع التضخم القوة الشرائية لليرة التركية نحو الانخفاض، فإن الطلب على الأوراق المالية ذات الفئات الأعلى يتزايد. ولن يكون من قبيل المفاجأة أن نرى البنك المركزي يتحرك نحو طباعة أوراق نقدية فئة 500 و1000 ليرة في عام 2019.

وتتوقع ميزانية العام القادم دخلا بقيمة حوالي 164 مليار ليرة من ضريبة الاستهلاك، و176.7 مليار ليرة من ضريبة الدخل، و81 مليار ليرة من ضريبة الشركات، و153 مليار ليرة من ضريبة القيمة المضافة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن أهداف النمو تتراجع، فارتفاع الأسعار يقتل الطلب، ومستوى الإنفاق مُتدن، والبطالة في ارتفاع، وقدمت بعض أكبر الشركات في البلاد طلبات تسوية الإفلاس خلال نفس الفترة التي شهدت ارتفاعا بنسبة 28 بالمئة في عدد الشركات التي أغلقت في شهر سبتمبر. وفي مثل هذا المشهد الاقتصادي، فإن تحقيق هذه الأهداف الضريبية تبدو مستحيلة.

وفي حين ينص البرنامج الاقتصادي الجديد على تحقيق نمو نسبته 2.3 بالمئة في عام 2019، و3.5 بالمئة في العام التالي، فإن المؤسسات العالمية مثل صندوق النقد الدولي، ومعهد التمويل الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عدلت تقديراتها إلى أقل من واحد بالمئة. وبالنسبة للبعض، فإن حتى هذه التقديرات تبدو مفرطة في التفاؤل، وقد بدأ الحديث عن النمو السلبي ينتشر. 

ويمكن أن يكون هدف إدارة إردوغان زيادة قيمة الاقتصاد المتذبذب للبلاد بالإضافة إلى وضع أهداف عالية للاقتصاد في حين أن تقديراتها تتوقع تباطؤ النمو وأن تشهد الأنشطة الاقتصادية انكماشا لإخفاء الحقيقة عن الاقتصاد.

ويبدو أنه تم وضع الميزانية بأقل من حد التريليون ليرة بقليل لتجنب إثارة ذكريات الفترات الحالكة الماضية. وعلى الرغم من ذلك، فإن أهداف الميزانية من الناحية العملية بالنسبة للدخل، والإنفاق، ومعالجة العجز تبدو بالفعل غير واقعية.

وقد بدت بالفعل الأهداف المحددة في البرنامج الاقتصادي الذي وضعه آلبيراق مستحيلة وذلك بعد 20 يوما فقط من الكشف عنه، ويبدو أن ميزانية العام القادم ستكون أداءً متكرراً، بأهداف غير واقعية مقدر لها أن تبقى على الورق فقط.

نقلا عن موقع "أحوال".

Qatalah